الانتخابات البرازيلية بين جولتين
19-10-2014

امل مختار
* باحثة في شئون التطرف والعنف - برنامج دراسات الإرهاب والتطرف - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

 انهت البرازيل جولتها الانتخابية الأولى في الخامس من شهر أكتوبر الجاري، وتستعد لإجراء الجولة الثانية والحاسمة في السادس والعشرين من نفس الشهر. ومازال المشهد الانتخابي في العملاق اللاتيني منذ تمت عملية التحول الديمقراطي في منتصف الثمانينات يقع تحت سيطرة ثنائية حزب العمال PT اليساري والحزب الاجتماعي الديمقراطي PSDB الذي يمثل يمين الوسط. وقد باءت محاولات الحزب الاشتراكي PSB اليساري المعارض لكسر هذا الروتين بالفشل، حيث تعلقت آمال كثير من الناخبين والمتابعين للحدث الانتخابي بمرشحة الحزب الاشتراكي مارينا سيلفا والتي كانت استطلاعات الرأي في كثير من الاحيان تؤكد على أن جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية ستكون بينها وبين الرئيسة المنتهية ولايتها ومرشحة حزب العمال الحاكم ديلما روسيف. لكن الصناديق جاءت بنتيجة مختلفة حيث حسمت قرارها بأن تكون جولة الإعادة بين روسيف والتي حصلت على 41.6% وبين اثيو نيفيس مرشح الحزب الاجتماعي الديمقراطي المعارض والذى حصل على 33.6%. وعلى الرغم من أن الانتخابات الرئاسية هي الحدث الأهم في البرازيل، إلا أنه في واقع الأمر كان ما جرى في البرازيل في الخامس من أكتوبر هو انتخابات عامة وليس فقط رئاسية، فالناخب البرازيلي قام بالتصويت خمس مرات وذلك لاختيار رئيس الدولة، وحاكم الولاية، والبرلمان الفيدرالي بغرفتيه النواب والشيوخ، وأخيرا برلمان الولاية. وإذا اكان الأمر الأهم إلقاء نظرة على نتائج الانتخابات بشكل عام، إلا أنه من الضروري في البداية إلقاء بعض الضوء على ماهية خريطة الأحزاب والقوى السياسية التي تنافست في الانتخابات الأصعب في تاريخ البرازيل منذ التحول الديمقراطي. الخريطة الحزبية وخريطة التحالفات: دخلت الأحزاب السياسية البرازيلية انتخابات 2014 وهى موزعة بين ثلاث تحالفات كبيرة: 1. تحالف "قوة الشعب"، بقيادة حزب العمال PT الحاكم (يسار). 2. تحالف "تغيير البرازيل"، بقيادة الحزب الاجتماعي الديمقراطي PSDB المعارض (يمين وسط). 3. تحالف "الوحدة من أجل البرازيل"، بقيادة الحزب الاشتراكي PSB المعارض (يسار). وهذه التحالفات ليست ثابتة او دائمة في حقل العمل السياسي البرازيلي، حيث أن البرازيل تشهد كل 4 سنوات إعادة تشكيل التحالفات الانتخابية. ويعتبر الثابت طوال الثلاثين عاما السابقة انه غالبا ما كان يتواجد تحالف اليسار وتحالف اليمين، أما الجديد في الانتخابات الجارية فهو ميلاد تحالف قوي على يسار حزب العمال الحاكم اليساري، وهو تحالف "الوحدة من اجل البرازيل"، نشأ هذا التحالف من مجموعة من الأحزاب والحركات اليسارية الرافضة لسياسة حكومات حزب العمال، والمطالبة بمزيد من السياسات الاجتماعية بالإضافة الى دعوتها لضرورة حدوث تغيير وانتقال السلطة بعيدا عن حزب العمال. فعلى سبيل المثال شهدت الساحة الانتخابية قبيل انتخابات 2010 وجود تحالفين كبيرين، أولهما هو تحالف "محبى لولا" أو "لوليستا" وقد ضم في داخله معظم أحزاب اليسار وفي مقدمتهم بالطبع حزب العمال PT. بينما كان التحالف الآخر هو تحالف "يمين الوسط" وفي مقدمته الحزب الاجتماعي الديمقراطي PSDB. وخارج التحالفين كان هناك حزب الخضر بزعامة مارينا سيلفا والتي سبق وترشحت للرئاسة أيضا في انتخابات 2010 وحصلت على المركز الثالث بنسبة مشابهة جدا لنسبتها في الجولة الأولى في 2014 وهى 20% من الأصوات. وأيضا كان هناك الحزب الاشتراكي PSB كلاهما منفردا وخارج تحالف "لوليستا" اليساري رغم انتمائهما لليسار. لكن قبل انتخابات 2014 استطاعت أحزاب اليسار المعارضة ان تشكل تحالفا يقدم نفسه باعتباره بديلا عن اليسار الحكومي بقيادة حزب العمال، الذى ظل يمثل اليسار منذ نشأته في 1979. أولا: الانتخابات الرئاسية رسميا كان هناك 11 مرشحا في الانتخابات الرئاسية، لكن المنافسة كانت منحصرة عمليا بين ثلاثة أسماء فقط، هم: ديلما روسيف عن حزب العمال PT، اثيو نيفيس عن الحزب الاجتماعي الديمقراطي PSD، ومارينا سيلفا عن الحزب الاشتراكي PSB. وقد انتهت الجولة الأولى بحصول روسيف على المركز الأول بنسبة 41.6% وحصول نيفيس على المركز الثاني بنسبة 33.6% في حين جاءت سيلفا في المركز الثالث بنسبة 21.3%. ومن الملفت للنظر تغير توجه الناخب البرازيلي قبل يوم الاقتراع، حيث أن متابعة استطلاعات الرأي حول الانتخابات الرئاسية في الفترة بين15 فبراير الى 4 أكتوبر أي على مدار 8 أشهر وحتى قبل الانتخابات بيوم واحد نجد أن نسبة روسيف كانت تتراوح غالبا بين 35% و41%، وهو ما يعنى حالة من الثبات إلى حد كبير تعكس أن هناك كتلة ثابتة كانت قد حسمت أمرها على التصويت لها. أما مرشح يمين الوسط اثيو نيفيس فقد ظلت نسبته هو الآخر شبه ثابتة لا تزيد عن 20%، بينما ظل مرشح الحزب الاشتراكي المعارض إدواردو كامبوش لا تزيد أسهمه عن أكثر من 10%. ثم حدث التحول الكبير في منتصف أغسطس عند مقتل كامبوش في حادث طائرة واستبداله بمارينا سيلفا، والتي ارتفعت أسهمها كثيرا حتى تخطت 30%. والملفت أن هذه الزيادة المحسوبة للحزب الاشتراكي لم تخصم من رصيد روسيف في حين خصمت قليلا من رصيد نيفيس، وكثيرا من رصيد الرافضين أو الغير متأكدين. ثم حدث التحول الكبير مرة أخرى في الاستطلاع الأخير قبل يومين من إجراء الانتخابات وذلك عقب مناظرة قناة جلوبو الشهيرة التي اجريت في 2 أكتوبر ومن ثم تراجعت مارينا سيلفا الى المركز الثالث بعد أن بدت ضعيفة ومتعبة وغير قادرة على مواجهة خصميها في حين كان نيفيس أكثر ثباتا وثقة وقوة، كما استطاعت روسيف أن ترد بحدة وقوة على اتهامات خصميها لحكومتها بالفساد. اللافت للنظر أن النسبة التي حصلت عليها روسيف وسيلفا في الجولة الأولى تقترب كثيرا من النسب التي حصلا عليها في آخر استطلاع رأي، بينما المفاجئة حدثت في نسبة نيفيس التي زادت بنسبة تبلغ نحو 10% عن الاستطلاعات السابقة وهو فارق كبير. لمن تذهب أصوات مارينا سيلفا؟ على أي حال انتهت الجولة الأولى وبدأت استطلاعات الرأي ترصد توجهات الناخب البرازيلي فيما يخص تصويته في جولة الإعادة، وبالطبع فإن السؤال المحوري هنا هو: لمن ستصوت كتلة مارينا سيلفا؟ وفقا لانتخابات 2010 توزعت أصوات مارينا سيلفا والبالغ نسبتها 20% بالتساوي بين روسيف وخوسيه سييرا مرشح يمين الوسط حينئذ. فبعد أن حصلت روسيف على 46.9% في الجولة الأولى فازت في جولة الإعادة بـ 56.05%. أما سييرا فبعد أن حصل على 32.6% في الجولة الأولى، حصل في جولة الإعادة على 43.9%. وقد أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أن نحو 60-64% ممن صوتوا لمارينا سيلفا قد قرروا التصويت لمرشح اليمين اثيو نيفيس. وإذا أخذنا في الاعتبار أن الفارق بين روسيف ونيفيس في الجولة الأولى هو 8 نقاط مئوية فقط، في حين كان الفارق في 2010 يبلغ 14 نقطة مئوية، وهو ما يعني أن وضع روسيف في جولة الإعادة سيكون أصعب كثيرا عن جولة إعادة 2010. ولعل الخطر الأكبر تمثل حينما أعلنت مارينا سيلفا في مؤتمر أخير في ساو باولو أنها كمواطنة برازيلية ستصوت في جولة الإعادة لاثيو نيفيس. وقالت: "مع الأخذ في الاعتبار التعهدات التي قطعها اثيو نيفيس من أجل المحافظة على المكتسبات الاجتماعية والتنمية المستدامة، أقدم له صوتي ودعمي"، وأضافت: "وصلنا الى مرحلة يمثل فيها التداول أمرا جيدا للبرازيل". إن مثل هذا الإعلان لا يعنى بالضرورة حصول نيفيس على 20% إضافية علاوة على رصيده في الجولة الأولى، لكنه يعنى بالطبع وصول مريح لمرشح اليمين الى الطبقات الفقيرة التي اختارت سيلفا أملا في تداول السلطة، ولكن مع الحفاظ على المكاسب الاجتماعية التي أقرتها حكومات حزب العمال المتعاقبة. إن هذا التحالف أو التنسيق بين نيفيس ومارينا سيلفا قد مكن الأول من إعلان تعهده إلى الفقراء من على منبر الحزب الاشتراكي أنه سيحافظ على السياسات الاجتماعية وفي نفس الوقت يعدهم بالتغيير والخروج قليلا من عباءة حزب العمال. ثانيا: الانتخابات التشريعية أما بشأن الانتخابات التشريعية بغرفتيها مجلس النواب ومجلس الشيوخ، فقد تمت أيضا من خلال التحالفات الثلاث سابقة الذكر. وقد جاءت النتائج النهائية فيها كالتالي: o تحالف "قوة الشعب" المؤيد للحكومة: حصل على 308 مقعدا في مجلس النواب و56 في مجلس الشيوخ. o تحالف "تغيير البرازيل" المعارض: حصل على 131 مقعدا في مجلس النواب و14 مقعدا في الشيوخ. o تحالف "الوحدة من أجل البرازيل" اليساري المعارض: حصل على 55 مقعدا في مجلس النواب و10 في الشيوخ. o أما كافة الأحزاب خارج إطار التحالفات فحصلت متفرقة على 19 مقعدا في النواب ومقعدا واحدا في الشيوخ. ومقارنة بنتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2010، نجد أن نصيب التحالف المؤيد لحكومة حزب العمال كان 359 مقعدا، وهو ما يعني أنه رغم أن التحالف ظل صاحب الأغلبية داخل المجلس، إلا أنه خسر نحو 50 مقعدا في الانتخابات الأخيرة. أما تحالف يمين الوسط المعارض فقد حصل في 2010 على 136 مقعدا أي موقفه لم يتغير كثيرا. لكن الاختلاف الحقيقي هو ذلك الذي حققه التحالف اليساري الجديد بقيادة الحزب الاشتراكي، إذ استطاع أن يحصل هذه المرة على 55 مقعدا في حين لم يحصل الحزب في انتخابات 2010 سوى على 3 مقاعد فقط، وهو ما يؤشر إلى بداية ظهور بديل على يسار حزب العمال الحاكم. ثالثا: انتخابات حكام الولايات تبلغ عدد ولايات البرازيل 27 ولاية وقد جرت الانتخابات لاختيار حكام الولايات بنفس طريقة اختيار رئيس الدولة من خلال الحصول على الأغلبية البسيطة، ولهذا لم تحسم الانتخابات في كثير من الولايات من الجولة الأولى وستشهد من ثم جولة إعادة في السادس والعشرين من أكتوبر الجاري. o تم حسم الانتخابات في 13 ولاية من الجولة الأولى: 11 منهم ينتمون لأحزاب تحالف "قوة الشعب" المؤيد للنظام سواء من حزب العمال أو غيره من الأحزاب الداخلة في التحالف وعلى رأسها حزب الحركة الديمقراطية البرازيلي PMDB. (وهى ولايات الاجواس، باهيا، ايسبيرتو سانتو، مارانهايو، ماتوجرسو، منياس جيرايس، بيرتا مبوكو، بياوى، سانتا كاترينا، سيرجيب، توكانتينز). ولايتين فقط فاز فيهما مرشح الحزب الاجتماعي الديمقراطي المعارض PSDB هما ولايتي (بارانيا، ساو باولو) o 14 ولاية ستشهد جولة إعادة في 26 أكتوبر، 8 منهم بين مرشحين ينتميان للتحالف المؤيد للنظام (ولاية امابا، امازون، سابيرا، ديستريو فيدرال، ريو دي جانيرو، ريو دي جانيرو دو نورتي، ريو جراندي دو سول، رورايما) و6 ولايات ستشهد إعادة بين مرشح من تحالف "قوة الشعب" المؤيد للحكومة أمام مرشح من الحزب الديمقراطي الاجتماعي المعارض PSDB (اكرا، جوياس، ماثوجرسو، بارا، بارايبا، روندوينا). وهو ما يعنى ان 19 ولاية من بين 27 ولاية قد حُسم الأمر فيها لصالح تحالف "قوة الشعب" المؤيد للحكومة. في حين أن تحالف "تغيير البرازيل" قد ضمن ولايتين فقط ومازال ينافس على 6 ولايات اخرى. الخاتمة يتضح ان الانتخابات الحالية في البرازيل انتخابات شديدة الأهمية والصعوبة، فهي تأتي في مناخ صعب على حكومة حزب العمال اليسارية بزعامة روسيف، فبعد ان استطاع سلفها لولا دا سيلفا تحقيق نجاحات اقتصادية واجتماعية كبيرة طوال فترتى رئاسته، تعرضت خليفته روسيف لانتقادات حادة بسبب تراجع معدلات نمو الاقتصاد البرازيلي وبسبب تصاعد غضب رجال الأعمال من سياساتها الاقتصادية، بالإضافة الى خروج مظاهرات ضدها من قبل الشباب والطبقة المتوسطة وبقيادة حركات يسارية ترى انها لا تريد استمرار اليسار الحكومي (حزب العمال) ويأملون في أمرين: حدوث تداول للسلطة خارج حزب العمال، وأيضا تحقيق المزيد من مطالب الفقراء وزيادة الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم والنقل. ولكن بعد فشل وصول مارينا سيلفا اليسارية إلى الرئاسة عن طريق حزب يساري آخر كبديل لحزب العمال التي كانت أحد أعضاءه، بل ووزيرة في حكومته في عهد لولا دا سيلفا. يبدو أن السؤال الأقرب إلى الذهن الآن هو: أي الأمرين أهم لدى ملايين الفقراء والراغبين في استمرار سياسات الدعم الاجتماعي؟ اختيار مرشحة حزب العمال وفاءً وثقةً في الحزب الذى حقق كل هذه المكاسب الاجتماعية وحسن كثيرا مستوى معيشتهم، أم أن التغيير وتداول السلطة هو الأمر الأهم؟ إن إجابة هذا السؤال ستظل معلقة حتى يوم 26 أكتوبر، لمعرفة اختيار شعب يميل أغلبه إلى اليسار استنادا إلى نتائج الانتخابات التشريعية وانتخابات حكام الولايات، ولكنه يعرف قيمة الديمقراطية وضرورة تداول السلطة للحصول على الأفضل. لهذا وإن كانت نتيجة جولة الإعادة مازالت أمرا غير مؤكد واستطلاعات الرأي تتأرجح بين المرشحين، إلا أن المؤكد أن المشهد السياسي البرازيلي يشهد نضوجا وترسيخا للديمقراطية التي ولدت منذ ثلاثين عاما بعد نهاية الحكم العسكري السلطوي.


رابط دائم: