زيارة الرئيس الصيني إلى مصر.. نقطة انطلاق جديدة؟
2026-8-26

د. أحمد قنديل
* نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية

 

في زيارات الرؤساء، لا تُقاس أهمية الحدث بطول مراسم الاستقبال، ولا بعدد الاتفاقيات التي تُوقَّع أمام عدسات الكاميرات، وإنما بثلاثة أسئلة تسبق الزيارة وتبقى مطروحة بعدها، وهي: لماذا تتم هذه الزيارة الآن؟ وماذا يريد كل طرف منها؟ ثم ما الذي تسمح به حسابات القوة والمصلحة بتحقيقه على أرض الواقع؟

من هذه الزاوية، فإن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر تتجاوز حدود مناسبة دبلوماسية مهمة. فهي تأتي بعد عشر سنوات من زيارته السابقة إلى القاهرة عام 2016، وتتزامن مع مرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية، في لحظة يعاد فيها ترتيب مراكز القوة والثروة والتكنولوجيا، وتحاول خلالها دول كثيرة، بينها مصر، توسيع بدائلها وحماية استقلال قرارها وسط منافسة دولية متصاعدة.

سبعون عامًا من البحث عن الاستقلال

حين قررت مصر، في 30 مايو 1956، إقامة علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، لم يكن القرار مجرد إجراء بروتوكولي. فقد كانت القاهرة تقود حركة تحرر وطني واسعة، وتبحث عن عالم لا تحتكره القوى الاستعمارية القديمة، بينما كانت بكين تحاول كسر العزلة المفروضة عليها واستعادة موقعها بين الأمم. وهكذا التقت الدولتان عند فكرة الاستقلال وحق الشعوب في اختيار طريقها.

سبعون عامًا مضت، انتقلت خلالها الصين من دولة تبحث عن الاعتراف إلى قوة كبرى تطمح إلى المشاركة في صياغة النظام الدولي، وبناء عالم جديد متعدد الأقطاب. وفي المقابل، ظلت مصر، رغم ما واجهته من أزمات وتحولات، تحتفظ بموقع لا تستطيع خرائط السياسة والتجارة تجاوزه. فهي تجمع في مكان واحد قناة السويس، والعالم العربي، والقارة الأفريقية، والبحر المتوسط والبحر الأحمر. وهذه ليست مجرد عناصر في وصف جغرافي، بل أوراق قوة إذا أُحسن استخدامها، وأعباء استراتيجية إذا تُركت من دون رؤية.

من هنا، يحمل اختيار مصر ضمن تحركات الرئيس الصيني الخارجية اعترافًا بأهميتها الاستراتيجية والسياسية، لكنه يفرض أيضًا على القاهرة تحديد ما تريده بدقة من بكين. فالصين تعرف مصالحها جيدًا. حيث تريد استقرار طرق التجارة، وأسواقًا لصادراتها، ومواقع جديدة لصناعاتها، وشركاء داخل الجنوب العالمي.

الأرقام الكبيرة والسؤال الأصعب

منذ رفع العلاقات بين القاهرة وبكين إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" عام 2014، جرى إنجاز الكثير. إذ شاركت الشركات الصينية في منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، والقطار الكهربائي الخفيف، ومشروعات الطاقة والاتصالات، بينما تحولت منطقة "تيدا" بالعين السخنة إلى قاعدة رئيسية للاستثمارات الصينية. كما وفر البرنامج التنفيذي للشراكة الاستراتيجية الشاملة للفترة 2024–2028 إطارًا لتحويل الإرادة السياسية إلى مشروعات ملموسة.

وفي عام 2025، بلغ حجم التجارة بين البلدين نحو 19.52 مليار دولار، مقابل 17.38 مليارًا في عام 2024، بزيادة تقارب 12.3%. ويعمل في السوق المصرية نحو 2800 شركة صينية، باستثمارات تراكمية تتجاوز ثمانية مليارات دولار وفق بعض التقديرات الرسمية. غير أن الأرقام، مهما بدت كبيرة، لا تروي القصة كلها؛ فقد تكون التجارة متنامية، لكن ميزانها مختل، وقد تكون الشركات كثيرة، لكن أثر بعضها في نقل التكنولوجيا محدود.

من تنفيذ المشروعات إلى توطين الصناعة

توجد مؤشرات مشجعة على بداية التحول المرغوب مصريًا في العلاقات الاقتصادية مع الصين. فقد اتجهت استثمارات صينية جديدة إلى تصنيع الخلايا والألواح الشمسية، وأنظمة تخزين الطاقة، والمنسوجات المخصصة للتصدير، ومواد التغليف وتوربينات الرياح. وبدأ إنشاء أول مصنع متكامل لتوربينات الرياح في مصر وأفريقيا بطاقة إنتاجية سنوية تبلغ جيجاواتين، بالتوازي مع مشروع لتوليد ألفي ميجاوات من طاقة الرياح. كما ظهر مشروع لتصنيع بطاريات تخزين الطاقة باستثمارات تبلغ نحو 200 مليون دولار، يستهدف نقل تكنولوجيا تصنيع الخلايا واستخدام مستلزمات محلية.

وهذه هي النوعية من المشروعات التي تحتاج إليها مصر لأنها استثمارات صينية تدخل في الصناعة، وتخلق صادرات، وتوفر عملة أجنبية، وتنقل المعرفة، وتبني قدرات وطنية. فالفارق كبير بين مشروع يضيف مبنى جديدًا، ومشروع يضيف إلى الاقتصاد المصري تكنولوجيا جديدة.

لكن الواقعية تقتضي من الخبراء في العلاقات المصرية الصينية التمييز بين المشروعات التي دخلت التنفيذ، والاتفاقات التي حصلت على الموافقات، والمشروعات التي لا تزال في مرحلة الدراسات والمفاوضات. فمجمع الفوسفات المقترح ومجمع الألومنيوم، باستثمارات مستهدفة تصل إلى ملياري دولار لكل منهما، يمثلان فرصتين مهمتين، لكن لا يجوز احتساب قيمتهما ضمن الاستثمارات المنفذة قبل الانتقال إلى مراحل التنفيذ الفعلية.

قناة السويس من العبور إلى صناعة القيمة

في قلب العلاقات المصرية الصينية، تقف المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ولا سيما منطقة "تيدا"، التي تضم أكثر من مائتي شركة باستثمارات تتجاوز ثلاثة مليارات دولار، وترتبط بها أكثر من سبعين ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة. وقد بدأت مؤخرًا توسعة منطقة "تيدا" باستثمار قدره مائة مليون دولار في البنية الأساسية، وإضافة 2.86 كيلومتر مربع إلى مساحتها.

غير أن الطموح المصري يجب أن يذهب إلى أبعد من إقامة منطقة صناعية ناجحة. إذ يشير العديد من الخبراء إلى أن المطلوب تحويل محور قناة السويس إلى منصة مصرية–صينية متكاملة للإنتاج والتصدير والخدمات اللوجستية، تربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، بحيث تنتقل مصر من الحصول على رسوم عبور التجارة إلى المشاركة في إنتاج جانب منها وصناعة القيمة المحيطة بها.

وقد كشفت اضطرابات البحر الأحمر مؤخرًا، خاصة في مضيق باب المندب، أن قناة السويس ليست شأنًا مصريًا منفردًا، كما أن أمن التجارة الصينية ليس بعيدًا عن المصلحة المصرية. فكل سفينة تغير مسارها بعيدًا عن البحر الأحمر ترفع كلفة التجارة الصينية، وتخفض إيرادات القناة، وتضغط على سلاسل الإمداد العالمية. وهنا تنشأ مصلحة مشتركة بين القاهرة وبكين في استقرار الممرات البحرية وتطوير الموانئ وتموين السفن وإصلاحها، من دون تحويل البحر الأحمر إلى ساحة لعسكرة جديدة أو منافسة دولية لا تستطيع المنطقة تحمل تكلفتها.

الإعفاء الجمركي واختبار الصادرات المصرية

من ناحية أخرى، توجد فرصة مهمة بدأت في مايو 2026، عندما شرعت الصين في تطبيق إعفاء جمركي كامل على وارداتها من الدول الأفريقية التي تقيم معها علاقات دبلوماسية، ومن بينها مصر، لمدة عامين. لكن الإعفاء لا يزيد الصادرات المصرية إلى السوق الصيني تلقائيًا. فالاختبار الحقيقي هو قدرة المنتج المصري على مطابقة المواصفات الصينية، وضمان انتظام الكميات، وتوفير النقل والتبريد والتسويق، والوصول إلى المستهلك الصيني، ومعرفة تفضيلاته وأذواقه.

ومن ثم، تحتاج مصر إلى برنامج واضح لزيادة صادراتها الزراعية والغذائية والدوائية والنسيجية والهندسية، تشارك فيه الحكومة والمجالس التصديرية واتحادات الصناعات ومنظمات الأعمال والخبراء في الشأن الصيني. فالحصول على معاملة جمركية تفضيلية يمثل فرصة، أما تحويلها إلى صادرات فعلية ومستدامة فيحتاج إلى تخطيط وإنتاج وتسويق ومتابعة.

التمويل الصيني بين الفرصة والديون

وفي المجال المالي، جرى في يونيو 2026 تجديد اتفاق مبادلة العملات بين البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني، ورفع قيمته من 18 إلى 30 مليار يوان لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد. ويمكن لهذا الاتفاق دعم التجارة والاستثمار وتقليل الاعتماد على العملات الوسيطة. كما يتيح انضمام مصر إلى "بريكس" فرصًا للاستفادة من بنك التنمية الجديد وتنويع أدوات التمويل.

لكن "بريكس" ليست بابًا سحريًا، والتمويل الصيني ليس منحة مجانية. فالقرض يظل دينًا واجب السداد، أيًا كانت هوية صاحبه، ولا تصبح له قيمة تنموية إلا إذا وُجّه إلى مشروع منتج قادر على توليد عوائد وفرص عمل وعملات أجنبية. والمطلوب ليس الانتقال من ممول إلى آخر، بل من إدارة الديون إلى هندسة مشروعات تنموية منتجة.

أفريقيا وطريق الحرير الرقمي

من ناحية أخرى، تفتح زيارة الرئيس شي إلى مصر أيضًا مجالًا للانتقال من الشراكة الثنائية إلى التعاون في أسواق ثالثة، خصوصًا أفريقيا. فمصر تمتلك معرفة بالقارة وشبكة علاقات وموقعًا لوجستيًا، بينما تملك الصين التمويل والتكنولوجيا والقدرة التنفيذية. وإذا جُمعت هذه العناصر في إطار متوازن، أمكن تنفيذ مشروعات مشتركة في الطاقة والنقل والزراعة والصحة والاتصالات، بما يخدم احتياجات الدول الأفريقية ولا يتعامل معها بوصفها مجرد أسواق أو ساحات نفوذ.

وفي هذا السياق، يؤكد كثير من المراقبين على أنه لا ينبغي أن يقتصر دور مصر في هذه المعادلة على تقديم الموقع أو تسهيل الاتصالات، بل يتعين أن تشارك شركاتها وخبراؤها ومؤسساتها التمويلية في تصميم المشروعات وتنفيذها وإدارتها. فعندئذ فقط يصبح التعاون الثلاثي أداة لبناء قدرات مصرية وأفريقية، وليس مجرد امتداد خارجي للشركات الصينية.

ومن جهة ثانية، ستكون التكنولوجيا، في تقديري أحد أهم اختبارات المرحلة المقبلة في التعاون المصري الصيني. فالتعاون يتسع في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات والاتصالات والإلكترونيات. ويمكن لمصر أن تصبح مركزًا إقليميًا لطريق الحرير الرقمي، لكن ذلك يقتضي الجمع بين الاستفادة من التكنولوجيا الصينية وحماية أمن البيانات والسيادة الرقمية. والمطلوب ليس استيراد الأجهزة والمنصات فقط، وإنما تدريب الكوادر، وإنشاء مراكز بحث وتطوير، وزيادة المكون المحلي، وتعزيز التعاون في الأمن السيبراني.

تنامي الدور السياسي والأمني للصين

سيكون البعد السياسي والأمني حاضرًا بقوة على مائدة القمة بين الرئيسين المصري والصيني، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والأوضاع في السودان وليبيا، وأمن البحر الأحمر، وتحولات الخليج بعد الحرب الامريكية الاسرائيلية على إيران، ومستقبل النظام الدولي. وهناك تقارب مصري–صيني حول احترام سيادة الدول، ورفض تهجير الفلسطينيين، ودعم إقامة الدولة الفلسطينية، وتفضيل التسويات السياسية على الحروب المفتوحة.

لكن التجارب الأخيرة أظهرت أن بكين، رغم ثقلها الاقتصادي الكبير في الشرق الأوسط، لا تزال حذرة من تحمل أعباء أمنية وعسكرية مباشرة، ولا تسعى في المستقبل المنظور إلى الحلول محل الولايات المتحدة أو استنساخ شبكة تحالفاتها وقواعدها. فهي تفضل الدبلوماسية والوساطة وبناء النفوذ الاقتصادي، وتتجنب التورط العسكري الذي قد يستنزفها.

من كثافة الاتفاقات إلى كثافة الإنتاج

على أية حال، يمكن القول إن زيارة الرئيس شي إلى القاهرة تمثل فرصة كبرى لتعزيز الشراكة المصرية الصينية، فضلا عن كونها فرصة مهمة لتعظيم المصالح المصرية من خلال توسيع بدائل مصر وهامش حركتها الخارجية، بما يضمن الحفاظ على استقلال قرارها الوطني.

وسوف يتوقف نجاح هذه الزيارة ليس فقط على عدد مذكرات التفاهم أو الاتفاقات الموقعة خلال الزيارة وإنما أيضًا على ما سوف يحدث بعد مغادرة طائرة الرئاسة الصينية لمطار القاهرة الدولي، خاصة فيما يتعلق بكم مصنع بدأ الإنتاج، وكم تكنولوجيا انتقلت، وكم وظيفة أُنشئت، وكم زادت الصادرات المصرية، وكم مشروع اكتمل في موعده.

فالزيارات الكبرى تستطيع فتح أبواب التاريخ، لكنها لا تضمن العبور منها. وبين الفرصة والإنجاز تبقى دائمًا مسافة لا يقطعها سوى وضوح الرؤية، وكفاءة الإدارة، وإرادة التنفيذ. وإذا نجح البلدان في قطع هذه المسافة، فقد يصبح عام 2026 ليس فقط عامًا للاحتفال بسبعين عامًا من العلاقات، وإنما بداية انتقالها من كثافة الاتفاقات إلى كثافة الإنتاج، ومن اتساع التعاون إلى عمق الشراكة.


رابط دائم: