عادت الساحة السياسية السورية إلى واجهة الأحداث مجدداً؛ حيث شهدت سوريا تطورين مهمين يؤشران على عودة التجاذبات بين القوى الإقليمية والدولية المعنية بالحالة السورية إلى مرحلة التفاعل مجدداً؛ التطور الأول؛ يتعلق بعودة "نوعية" لروسيا إلى سوريا بعد توقيع مذكرة تفاهم بين الجانبين، فى 9 أغسطس 2026، والتى تحدد وتنظم وضع الوجود العسكرى الروسى فى قاعدتى حميميم باللاذقية وميناء طرطوس على البحر المتوسط، بعد مفاوضات استمرت حوالى ( 18) شهراً، انتقلت فيها العلاقات بين الجانبين إلى مرحلة جديدة من "التعاون الثنائى" الذى يتسم ببعد أمنى ملموس يتحول خلاله ما تبقى من الوجود العسكرى الروسى فى قاعدتى حميميم وطرطوس إلى مراكز للتدريب العسكرى، مع إنهاء مسمى "القواعد العسكرية" بشأنهما، على أن تتولى دمشق إدارة المنشآت المدنية لهذه القواعد، مع العمل على تحديد صيغة جديدة لطبيعة إدارة المنشآت العسكرية خلال الشهور الثلاثة المقبلة.
أما التطور الثانى؛ فيتعلق باستهداف إسرائيل لمطار "أبو الظهور" فى إدلب، يوم 18 أغسطس 2026، بحجة تحوله إلى نواة لقاعدة عسكرية تركية، وذلك فى سياق محاولات إسرائيل الدائمة لإجهاض مساعى أنقرة بشأن تطوير علاقة التحالف الاستراتيجية التى تجمعها ونظام أحمد الشرع، وما قد ينتج عنها من ترجمة هذا التحالف فى صورة وجود عسكرى تركى دائم فى سوريا. وكلا التطورين يعيدان سوريا مجدداً إلى حالة التدافع بين القوى الإقليمية والدولية التى كان عليها الحال قبل تولى الشرع السلطة فى يناير 2025.
أسباب عودة روسيا للساحة السورية
اتجهت روسيا إلى إعادة تعريف وجودها فى سوريا، باستبدال صيغة "التعاون العسكرى" بصيغة أخرى تجمع بين البعدين الأمنى والاقتصادى، وكانت روسيا من أولى الدول وأكثرها استيعاباً للتغيرات التى حدثت فى سوريا خلال ديسمبر 2024، ورغم أنها منحت نظام الأسد لجوءاً سياسياً ووفرت له الحماية الأمنية خلال الأيام الأولى لزحف المعارضة السورية المسلحة تجاه دمشق، إلا أنها سارعت إلى إعادة صياغة دورها بإعلانها "تقبلها" للتطورات الجديدة التى أسفرت عن وجود المعارضة المسلحة فى سدة السلطة ممثلة فى شخص الرئيس أحمد الشرع، وعملت على محو صفة "الخصم" للنظام الجديد، وخلال (18) شهراً من المفاوضات مع السلطة السورية الجديدة استطاعت روسيا العودة إلى مربع التفاعلات الإقليمية والدولية داخل المشهد السياسى السورى مجدداً، ما يطرح تساؤلات مهمة حول تلك العودة وأسبابها من ناحية؟ وحول طبيعة وشكل العلاقة الثنائية بين الجانبين مستقبلاً من ناحية ثانية؟.
توجد العديد من الأسباب التى تدفع الجانبين الروسى والسورى إلى إعادة ترتيب علاقاتهما ونقلها من مرحلة "الخصومة" إلى مرحلة "التعاون" النوعية؛ بعد فترة اختبار تجاوزت عاماً ونصف العام، وهى فترة شهدت العديد من المؤثرات الخارجية والداخلية التى ستؤثر بصورة أو بأخرى على المرحلة الأولى لبناء الدولة السورية الجديدة التى بدأت مع اختيار أحمد الشرع رئيساً للبلاد فى يناير 2025. ومن بين هذه الأسباب ما يلى:
1- سعى روسيا الحثيث، وعبر مفاوضات طويلة مع النظام الجديد فى سوريا، إلى إنقاذ مجموعة كاملة من اتفاقيات التعاون الاستراتيجى التى أبرمتها مع نظام الأسد وأبرزها على الإطلاق اتفاقية تنظيم الوجود العسكرى فى سوريا انطلاقاً من قاعدة حميميم باللاذقية فى عام 2015. فضلاً عن أكثر من (35) اتفاقية وقعت فى مارس عام 2023، شملت التعاون فى مجالات الطاقة والكهرباء والنقل والصناعة، وهى اتفاقيات تشمل عقوداً اقتصادية طويلة الأجل، لاسيما فى مجالات التنقيب عن النفط والغاز فى المياة الإقليمية السورية، ما يمنح الأسطول الروسى مبرراً للاستمرار والبقاء فى الموانئ السورية فى طرطوس تحديداً. ويمكن القول إن اتباع روسيا سياسة "الصبر الاستراتيجى" بخصوص كيفية حماية مصالحها فى سوريا بعد انهيار نظام حليفها السابق بشار الأسد فى ديسمبر 2024، قد أفضت فى النهاية إلى عودة "نوعية" ومختلفة للمشهد السورى، حتى وإن كانت من باب "التعاون الاستراتيجى" القائم على إدارة المصالح الأمنية والاقتصادية بالدرجة الأولى.
2- إن روسيا بعد الفوز بالعودة النوعية إلى سوريا، من باب تطبيق اتفاقات التعاون الاستراتيجى ذات الصبغة الأمنية والاقتصادية، تكون قد نجحت فى "تأمين" استمرار بقائها فى منطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط تحديداً؛ ما يعنى استمرارها ضمن معادلة "المساومات" الدولية فى مواجهة خصومها الأوروبيين من ناحية والولايات المتحدة من ناحية أخرى، فيما يتعلق بالحرب فى أوكرانيا وبالعلاقة المتميزة بالحليف الصينى على سبيل المثال. وهذا يعكس حقيقة أن الملف السورى سيظل (حتى بعد تغير النظام فيه) ملفاً إقليمياً عابراً لحدود منطقة الشرق الأوسط ليرتبط بملفات المصالح المتباينة بين القوى الكبرى فى مناطق أخرى من ساحات الصراع العالمية.
3- الاحتياج السورى، وبعد أكثر من عام ونصف على تولى أحمد الشرع السلطة رسمياً فى دمشق (يناير 2025)، إلى وجود "موازن دولى" من غير القوى التى ساندت وباركت إسقاط نظام بشار الأسد فى ديسمبر 2024، بمعنى أن القيادة السورية الحالية التى تساندها الولايات المتحدة والدول الأوروبية لا تزال تحتاج روسيا كقوة دولية قادرة على موازنة سياسات الولايات المتحدة نفسها؛ خاصة فيما يتعلق بالوضع الأمنى فى الجنوب السورى بعد احتلال إسرائيل لمناطق واسعة فيه، فضلاً عن استهدافاتها العسكرية المباشرة لدمشق، وهو وضع لم تمنعه الولايات المتحدة ولن تمنع حليفها الإسرائيلى من الاستمرار فيه. فثمة شواهد عديدة تشير إلى قيام إسرائيل بخلق بنية عسكرسة شاملة فى الجنوب السورى، بما يعنى عدم امتثالها لأى مطالبات إقليمية ولا حتى دولية بالانسحاب منه فى المدى المنظور، ومن هنا قد يكون لاستمرار الوجود الروسى فى صيغة "أمنية" جديدة دور فى معادلة الجنوب السورى، وذلك قياساً على حالات سابقة لعبت فيها قوات الشرطة العسكرية الروسية (الشيشانية) دوراً ملموساً فى الفصل بين قوات النظام السورى السابق وبعض التدخلات العسكرية الإسرائيلية التى كانت "محدودة" وقتها فى القنيطرة والجولان على طول الخط الفاصل مع إسرائيل، الأمر الذى يمنح روسيا عودة "نوعية" فى مجالات التسليح والذخائر والاتصالات وأنظمة الدفاع الجوى فضلاً عن المهام الاستشارية والتدريب العسكرى.
4- احتياج سوريا إلى روسيا من باب كونه تنويعاً للشراكات الدولية؛ وهو أمر تفرضه ضرورات توسيع دائرة التحالفات السورية إقليمياً ودولياً خارج نطاق القوى التى ساندت المعارضة المسلحة وقت إسقاطها لنظام الأسد وهى (تركيا والولايات المتحدة)، هذا الأمر يأتى انعكاساً لتطورات العلاقة بين الشرع وبين القوى الداخلية فى سوريا؛ حيث تتمتع روسيا بعلاقات جيدة ببعض المكونات الاجتماعية السورية كالعلويين والأكراد الذين يرون فى تحالف الشرع مع تركيا تقويضاً لوجودهم الاجتماعى والسياسى. يضاف إلى ذلك استحقاقات التقارب العربى مع النظام السورى الجديد؛ وتحديداً التقارب الخليجى الذى لا يعارض "تعاوناً تركياً" مع السلطة الجديدة فى سوريا، لكنه فى الوقت نفسه يرفض أن يكون لهذا التعاون صيغة "التحالف الاستراتيجى" الكامل بما يمنح تركيا وضعاً متمايزاً داخل أروقة صنع القرار السورى.
5- عدم معارضة تركيا، صاحبة النفوذ الأكبر فى سوريا حالياً، لعودة الدور الروسى إلى الساحة السورية؛ حيث ترى أنقرة أن عودة ترسيم علاقات دمشق وموسكو، وفقاً لرؤية تعاون جديدة، قد يساعدها فى حل بعض المعادلات داخل سوريا؛ حيث ترتبط روسيا بعلاقات مفهومة مع إسرائيل مما يؤثر على مسارات التدخل الإسرائيلى فى الجنوب السورى على سبيل المثال، كما تتمتع روسيا بعلاقات متميزة مع قوميات وازنة فى سوريا كالعلويين والأكراد أيضاً مما يسهم فى تفكيك تعقيدات الوضع فى مناطق الشمال (الأكراد) ومناطق الساحل فى الغرب (العلويين).
6- إدراك روسيا أن سياسة الولايات المتحدة فى سوريا تهتم بهدف وحيد وهو مشاركة نظام أحمد الشرع فى مكافحة الإرهاب لا أكثر، وهو هدف تدعمه روسيا أيضاً، ومن ثم فإن عودة التعاون السورى الروسى تحت صيغة أمنية جديدة لن يفرض أعباءً كبيرة على عاتق الشرع فيما يتعلق بالولايات المتحدة، كما أن الأخيرة لن تعارض هذا الدور الروسى الجديد طالما أنه لن يقترب من تهديد المصالح الأمريكية فى منطقة الحدود السورية الأردنية العراقية من ناحية، والحدود السورية اللبنانية من ناحية ثانية.
إسرائيل تتعقب الحضور التركى
فى تطور آخر شهدته الساحة السورية وتحديداً فى 18 أغسطس 2026، قامت إسرائيل بشن ضربة عسكرية على مطار "أبو الظهور" وهو يمثل قاعدة جوية عسكرية سورية فى محافظة إدلب شمال غرب سوريا، باعتبار أن القاعدة تتواجد بها قوات عسكرية تركية، ما يؤشر على تزايد مستوى التصعيد الإسرائيلى فى مواجهة النفوذ التركى داخل الأراضى السورية؛ بمعنى أن إسرائيل فى طريقها لإجهاض أى محاولة تركية للمساهمة فى تشكيل البنية العسكرية السورية الجديدة، وهو ما يدركه الرئيس أحمد الشرع، وربما هذا السبب تحديداً هو ما يدفعه إلى "إعادة صياغة "علاقة سوريا العسكرية بروسيا، كون أن هذا المنحى يعد بديلاً للدور العسكرى التركى الذى كان يمكن أن يسهم فى تسليح وتدريب القوات العسكرية السورية على اعتبار أنه بات مستهدفاً من جانب إسرائيل، كما أن الأخيرة، وبعد سقوط نظام الأسد، ترى أن سوريا يجب أن تكون دولة "محدودة القدرات العسكرية" بمعنى أن تمتلك سوريا – من وجهة النظر الإسرائيلية – قدرات عسكرية ذات طابع دفاعى فقط، وأنها ستجهض أى محاولات من شأنها منح سوريا قدرات عسكرية ذات طابع هجومى.
فى هذا السياق، يبدو أن إسرائيل تريد أولاً منع تركيا من أن يكون لها قاعدة عسكرية تتولى مهام تدريب وتسليح الجيش السورى الجديد، حتى وإن كانت فى إدلب التى لا تزال من مناطق النفوذ التركى فى الشمال الغربى السورى. وتريد ثانياً، الحفاظ على حرية الحركة الجوية التى تسيطر من خلالها على كافة أنحاء سوريا من جنوبها إلى شمالها دون عائق فعلى بعد تدمير كافة الدفاعات الجوية السورية، فثمة مصادر تشير إلى أن مطار "أبو الظهور" تحول تدريجياً ليكون قاعدة دفاع جوية سورية بتكنولوجيا عسكرية تركية، فضلاً عن تهيئته لاستقبال عدد من القوات التركية من جنود ومدربين ومستشارين عسكريين، بخلاف معدات دفاع جوى ومعدات برية أخرى. وسواء كانت التكنولوجيا العسكرية مصدرها تركيا أو غيرها، فإن الواقع الذى تحاول إسرائيل فرضه فى سوريا حالياً، يعكس رغبة إسرائيلية جامحة لضمان استمرار تفوقها العسكرى على الساحة السورية، وهو ما كانت ستقوضه مساعى تركيا لخلق "تموضع عسكرى دائم" لها فى داخل سوريا .
التطورات السابقة بشأن تصاعد حدة التعامل الإسرائيلى مع الحضور التركى فى سوريا، فيما يتعلق بتطورات الضربة الإسرائيلية على مطار "أبو الظهور"، تستدعى التساؤل عن الموقف الأمريكي، كون واشنطن تعد حليفة لكلا الجانبين التركى والإسرائيلى؛ فيبدو أن إسرائيل قد سبق وأن أعلمت الإدارة الأمريكية بتوجيه ضربة لمطار "أبو الظهور"، وأن واشنطن لم تعترض على هذا السلوك الإسرائيلى كما هو معتاد، لكنه فى الوقت نفسه يفرض علامات استفهام على طبيعة العلاقات الأمريكية التركية بشأن سوريا، فمن المعروف أن الولايات المتحدة التى تبارك قيادة أحمد الشرع لسوريا، وترجمت ذلك فعلياً فى رفع العقوبات الاقتصادية، فضلاً عن رفع العقوبات عن شخص الشرع نفسه، تقبل بدور تركى فى سوريا من باب ضمان استكمال الترتيبات السياسية الجديدة فيها، وفى الوقت نفسه تعمل على ضمان أمن إسرائيل ومنحها وضعاً أمنياً فى الجنوب السورى. فكيف إذن ستتمكن من "إدارة التنافس" بين الطرفين التركى والإسرائيلى فى سوريا؟ هذا السؤال من الصعب الإجابة عليه فى ظل طبيعة تفاعلات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مع التطورات الدولية والإقليمية فى منطقة المشرق العربى ككل، لكن يمكن القول أن ثمة دوراً أمريكياً سيقوم على تحجيم الخلافات بين تركيا وإسرائيل ومنعها من الوصول إلى مرحلة المواجهة المسلحة بشأن سوريا، كما أنها "قد" تلجأ إلى رسم خرائط جديدة للنفوذ تحدد على أساسها لكل من تركيا وإسرائيل خطوط التفاعل التى لا يجب للطرفين تجاوزها.
المعطيات السابقة تقول بأن سوريا عادت مجدداً إلى واجهة التصعيد الدولى؛ انطلاقاً من عودة التأثير الروسى تحت مسميات مختلفة تشير إلى "إعادة تموضع" لما تبقى من قواتها العسكرية فى اللاذقية وطرطوس بناءً على "شراكات تعاونية" مع النظام السورى الجديد، كما أنها تعيد تعريف دورها هذا بمنحه وجوداً اقتصادياً جديداً فى مجالات الطاقة والنفط والاستثمار. وهو ما قد يؤشر على وجود نفوذ روسى جديد/ قديم ربما يكون طويل الأمد فى سوريا مستقبلاً. كما أن إعلان إسرائيل أنها ستجهض أى محاولات من شأنها إعادة بناء منظومة عسكرية سورية لديها قدرات هجومية، يعنى أنها ستقوض محاولات تركيا الهادفة إلى خلق نفوذ عسكرى دائم لها داخل الأراضى السورية، وهو ما سيعيد معادلة التفاعل التركية الإسرائيلية إلى مربع المواجهة التى لن تكون مواجهة عسكرية مباشرة، وإنما مواجهة تقوم على "إدارة التنافس" بينهما داخل سوريا، وهذا المفهوم واسع وفضفاض لا يمنع العمل التدريجى على بناء أهداف استرتيجية لكليهما داخل سوريا خلال المرحلة القادمة. وتؤشر كل هذه التطورات إلى حقيقة عودة "التنافس" ببعديه الدولى والإقليمى بشأن سوريا إلى واجهة الأحداث فى منطقة المشرق العربى مجدداً.