مقدمة
حين بدأت كينيا خطواتها الأولى نحو الحكم الذاتي عام 1963، لم تكن تواجه فقط مهمة إنهاء السيطرة الاستعمارية، بل كانت مطالبة ببناء دولة من مجتمع أنهكته سياسات الاستيلاء على الأرض، والتفاوت بين المناطق، والانقسامات التي عمقتها الإدارة الاستعمارية. كان الاستقلال السياسي يقترب، لكن مؤسسات الدولة لم تكن قادرة وحدها على تلبية التطلعات الواسعة إلى التعليم والصحة والطرق والمياه وفرص العمل. وفي هذا السياق برزت كلمة هارامبي في خطابات جومو كينياتا بوصفها نداء إلى الكينيين كي يتكاتفوا ويتحملوا معا مسئولية بناء دولتهم الجديدة.
تعني هارامبي في الاستخدام الكيني الشائع أن يتعاون الجميع أو يسحبوا معا في اتجاه واحد. أما أصل الكلمة اللغوي والتاريخي، فما زال موضع اختلاف بين الباحثين. فهناك من يربطها بالنداءات التي كان العمال والحمّالون يستخدمونها عند رفع الأحمال الثقيلة، بينما تذهب روايات أخرى إلى تأثرها بعبارات استخدمها العمال القادمون من الهند خلال بناء خط السكك الحديدية في شرق أفريقيا. وأيا كان أصلها الأول، فإن الدلالة التي اكتسبتها في كينيا المستقلة أصبحت واضحة: العمل الجماعي، والمساعدة الذاتية، وتعبئة الموارد المحلية لتحقيق هدف مشترك.
لم يخترع كينياتا قيمة التضامن الاجتماعي، فقد عرفت المجتمعات الكينية والأفريقية صورا متعددة من التعاون في الزراعة والحصاد والبناء ورعاية أفراد الجماعة قبل ظهور الدولة الحديثة. لكن أهميته تمثلت في نقل هذه القيمة من المجال المحلي إلى المجال الوطني، وتحويلها من ممارسة اجتماعية متفرقة إلى فلسفة سياسية وتنموية. ثم أصبحت هارامبي الشعار الرسمي للدولة، وظهرت على شعارها الوطني، وارتبطت بفكرة أن الاستقلال لا يكتمل برحيل المستعمر، بل يحتاج إلى تعبئة المجتمع من أجل بناء المدارس والمرافق وإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة.
غير أن تجربة هارامبي لم تكن مسارا بسيطا من النجاح. فقد أتاحت للمجتمعات المحلية فرصة المشاركة في تحديد احتياجاتها، وأسهمت في توسيع الخدمات، وعززت الإحساس بالقدرة على الفعل. لكنها تحولت في مراحل مختلفة إلى قناة للنفوذ السياسي والمنافسة بين الزعماء المحليين، وحملت الفقراء أعباء كان يفترض أن تتحملها الدولة، كما تفاوتت نتائجها بين المناطق وفقا لقدرتها على جمع الأموال وقربها من دوائر السلطة.
ولهذا تكتسب إعادة قراءة هارامبي، في الذكرى الثامنة والأربعين لرحيل كينياتا، أهمية تتجاوز الاحتفاء بشعار وطني أو استعادة تجربة تاريخية. فهي تطرح أسئلة لا تزال حاضرة في كثير من الدول الأفريقية: ما حدود الاعتماد على المجتمع في تمويل التنمية؟ وكيف يمكن الجمع بين المبادرة المحلية ومسئولية الدولة؟ ومتى يصبح التضامن أداة للتمكين، ومتى يتحول إلى غطاء للمحسوبية أو تراجع الخدمات العامة؟ وهل تستطيع أفريقيا المعاصرة استعادة روح العمل الجماعي من دون إعادة إنتاج الاختلالات التي صاحبتها؟
من قيمة اجتماعية إلى فلسفة للدولة
استندت هارامبي إلى تقاليد راسخة من الاعتماد المتبادل داخل المجتمعات الأفريقية. ففي البيئات الزراعية، لم يكن الفرد قادرا دائما على إنجاز أعمال الحرث أو الحصاد أو بناء المساكن بمفرده، ولذلك ظهرت نظم للتعاون تقوم على تبادل العمل والمساعدة وتقاسم بعض الموارد. ولم يكن هذا التعاون عملا خيريا بالمعنى الضيق، بل كان جزءا من نظام اجتماعي يربط بقاء الفرد بسلامة الجماعة.
أدرك كينياتا، بحكم خلفيته السياسية ودراسته الأنثروبولوجية لمجتمع الكيكويو، أن بناء الدولة الجديدة لا يمكن أن يعتمد على استيراد المؤسسات والشعارات وحدها. وكان كتابه في مواجهة جبل كينيا، الصادر عام 1938، محاولة لتقديم المجتمع الأفريقي باعتباره مجتمعا يمتلك نظمه وقيمه وطرائق تنظيمه، لا مجرد مساحة فارغة تنتظر أن تصوغها أوروبا. ومن هذه الزاوية، جاءت هارامبي امتدادا لفكرة أوسع ترى أن الاستقلال ينبغي أن يستند إلى موارد المجتمع الثقافية، لا أن يقتصر على نقل السلطة من إدارة أجنبية إلى نخبة وطنية.
لكن تحويل القيمة الاجتماعية إلى فلسفة للدولة أحدث تغييرا في معناها ووظيفتها. فالتعاون المحلي كان ينشأ عادة داخل جماعات متقاربة يعرف أفرادها بعضهم بعضا، بينما أصبحت هارامبي بعد الاستقلال خطابا وطنيا موجها إلى مجتمع متنوع عرقيا ولغويا وإقليميا. وقد منحها ذلك وظيفة سياسية تتمثل في بناء هوية تتجاوز الانتماءات المحلية، وتدعو الكينيين إلى النظر إلى أنفسهم باعتبارهم أعضاء في دولة واحدة.
كان هذا التحول ضروريا في بلد ورث حدودا رسمها الاستعمار، وضم جماعات متعددة لم تتشكل علاقاتها دائما في إطار وطني مشترك. فقد سعت الإدارة الاستعمارية إلى تصنيف السكان وإدارة مناطقهم بصورة منفصلة، كما أسهم التفاوت في التعليم والاقتصاد والبنية الأساسية في تعميق الفجوات بينهم. وفي مواجهة هذا الإرث، قدمت هارامبي لغة بسيطة ومفهومة: لا تستطيع أي جماعة أن تبني الدولة منفردة، ولا يمكن للاستقلال أن ينجح إلا إذا تحولت الجماعات المختلفة إلى شركاء في مشروع وطني.
بهذا المعنى، لم تكن هارامبي مجرد وسيلة لجمع الأموال، بل أداة للاندماج الرمزي. فقد ساعدت على نقل فكرة الانتماء من نطاق القرية والجماعة إلى نطاق الدولة، وربطت الوطنية بالفعل اليومي؛ فبناء مدرسة أو مركز صحي لم يعد شأنا محليا خالصا، بل مساهمة في بناء كينيا المستقلة.
التنمية من أسفل
وجدت هارامبي مجالها الأوسع في مشروعات المساعدة الذاتية التي انتشرت في المدن والقرى. كانت المجتمعات المحلية تحدد احتياجاتها، وتشكل لجانا لجمع التبرعات، وتوفر الأرض أو مواد البناء والعمل التطوعي، ثم تطلب من الحكومة استكمال المشروع أو توفير الموظفين والمعدات.
تركز جانب كبير من هذه المشروعات في التعليم. فقد كان الطلب على المدارس مرتفعا بعد الاستقلال، في وقت لم تكن الموازنة العامة ولا الجهاز الإداري قادرين على الاستجابة السريعة له. ومن خلال هارامبي، أسست مجتمعات محلية مدارس ابتدائية وثانوية، وأسهمت في إنشاء معاهد ومؤسسات للتدريب. كما امتدت المشروعات إلى المراكز الصحية والطرق المحلية وشبكات المياه والمنشآت الاجتماعية.
كان لهذه الآلية أثر يتجاوز عدد المباني التي أنشئت. فقد أتاحت للسكان المشاركة في ترتيب أولوياتهم بدلا من انتظار قرارات الوزارات المركزية. وكانت القرية التي ترى التعليم أولوية قادرة على توجيه مواردها إلى مدرسة، بينما تستطيع منطقة أخرى التركيز على المياه أو الرعاية الصحية. وبذلك فتحت هارامبي مجالا محدودا للتخطيط المحلي والمبادرة المجتمعية في نظام سياسي اتجه تدريجيا نحو مركزية السلطة.
كما عززت التجربة الشعور بملكية المشروع. فالمدرسة التي يسهم السكان في بنائها لا تظهر باعتبارها مرفقا حكوميا بعيدا، بل مؤسسة ترتبط بجهدهم وأموالهم. وقد شجع ذلك على حماية المنشآت ومتابعة أدائها والمطالبة باستمرارها. ومن هنا يمكن النظر إلى هارامبي باعتبارها شكلا من أشكال التنمية من أسفل، لأنها جعلت المجتمع شريكا في تشخيص احتياجاته وتعبئة جزء من الموارد اللازمة لتلبيتها.
لكن هذا النجاح ارتبط بشرط أساسي هو أن تظل المساعدة الذاتية مكملة لدور الدولة، لا بديلا عنه. فالمجتمع يستطيع المساهمة في إنشاء مبنى مدرسي، لكنه لا يستطيع وحده ضمان إعداد المعلمين ودفع أجورهم ووضع المناهج وتحقيق تكافؤ الفرص. كما يستطيع حفر بئر أو إنشاء عيادة، لكنه يحتاج إلى مؤسسات عامة تضمن جودة المياه وتوفر الأطباء والأدوية وتحافظ على استمرارية الخدمة.
عندما كانت العلاقة بين الجهد المحلي والدعم الحكومي متوازنة، أصبحت هارامبي وسيلة لتوسيع قدرة الدولة والمجتمع معا. أما حين استخدمت لتبرير تراجع الإنفاق العام أو نقل تكلفة الخدمات إلى السكان، فقد تحولت من أداة للمشاركة إلى عبء، ومن تعبير عن الاستقلال إلى وسيلة لتعويض قصور المؤسسات.
بناء الأمة وإدارة التنوع
اكتسبت هارامبي أهميتها السياسية من استخدامها في لحظة تأسيسية كانت فيها وحدة الدولة موضع اختبار. فقد خرجت كينيا من استعمار استيطاني خلف انقسامات حادة حول الأرض والثروة والتمثيل السياسي. كما واجهت الدولة الجديدة صراعات في المنطقة الشمالية الشرقية، وتوترات بين القوى السياسية والجماعات المختلفة بشأن شكل الدولة وتوزيع السلطة.
استخدم كينياتا هارامبي لتأكيد أن الاستقلال مشروع يتسع للجميع، وأن الحكومة لا تنتمي إلى جماعة عرقية واحدة. وكان حضوره حملات جمع التبرعات في مناطق متعددة يحمل رسالة تتجاوز قيمة المساهمة المالية، لأنه يربط المجتمعات المحلية برأس الدولة ويمنح مشروعاتها اعترافا وطنيا.
أتاحت فعاليات هارامبي أيضا مساحة يلتقي فيها المسئولون والزعماء المحليون والمواطنون حول هدف ملموس. وفي بعض الحالات، منحت المجتمعات وسيلة للتعبير عن مطالبها من دون المرور الكامل بالقنوات البيروقراطية. فعندما يلتزم السياسي أمام الجمهور بدعم مدرسة أو طريق، يصبح المشروع جزءا من العلاقة بينه وبين ناخبيه.
أسهمت هذه الآلية في بناء ائتلاف سياسي واسع حول كينياتا، وساعدت على استيعاب النخب المحلية داخل النظام الجديد. وقد كان لذلك دور في المحافظة على استقرار كينيا مقارنة بدول أفريقية شهدت بعد استقلالها انقلابات متكررة أو انهيارا في مؤسسات الدولة.
لكن هذا الاستخدام حمل في داخله بذور مشكلة لاحقة. ذلك أن ربط الاستجابة للمطالب بحضور الزعيم أو التبرع السياسي، يجعل الحصول على التنمية معتمدا على العلاقات الشخصية لا على قواعد عامة. وبالتالي تتحول الخدمات من حقوق للمواطنين إلى منح يقدمها أصحاب النفوذ. وهو أمر قد تنجح السياسة معه في استيعاب النخب والمحافظة على الاستقرار، لكنها في الوقت نفسه تضعف بناء مؤسسات محايدة توزع الموارد وفقا للحاجة لا الصلات وشبكات المصالح والعلاقات.
من المشاركة إلى المحسوبية
لم تكن المشروعات المحلية معزولة عن التنافس السياسي. فقد أدرك المرشحون والنواب أن الظهور في مناسبات هارامبي وتقديم تبرعات كبيرة يمنحانهم مكانة اجتماعية وفرصا انتخابية أفضل. ومع مرور الوقت، أصبح حجم التبرع مؤشرا على قوة السياسي وقدرته على الوصول إلى الموارد.
أدى ذلك إلى تحول بعض حملات جمع الأموال إلى ساحات للمزايدة. ولم يعد السؤال دائما هو مدى حاجة المجتمع إلى المشروع أو قدرة المؤسسة على تشغيله، بل مقدار ما يستطيع الراعي السياسي تقديمه، وما يجنيه من حضور إعلامي وولاء انتخابي. كما وجد بعض المسئولين أنفسهم تحت ضغط دائم للمساهمة في فعاليات متعددة، مما فتح الباب أمام البحث عن مصادر تمويل غير شفافة وربط المال الخاص بالنفوذ العام.
أضعفت هذه الممارسات الحدود بين الخدمة العامة والعمل الخيري والحملة الانتخابية. فالتبرع الذي يبدو عملا اجتماعيا قد يكون في حقيقته استثمارا سياسيا، والمشروع الذي يحمل عنوان المشاركة قد يتحول إلى وسيلة لترسيخ شبكة من التابعين. وعندما لا تكون هناك قواعد واضحة للإفصاح عن مصادر الأموال وأوجه إنفاقها، يصبح من الصعب التمييز بين التضامن المشروع وشراء الولاء.
كما لم تستفد المناطق الكينية من هارامبي بالقدر نفسه. فالمجتمع الأكثر ثراء أو الأكثر اتصالا بالسلطة يستطيع جمع موارد أكبر، بينما تجد المناطق الفقيرة نفسها مطالبة بتوفير الخدمات من قاعدة مالية محدودة. وقد يؤدي ذلك إلى نتيجة عكسية: بدلا من أن تقلص المساعدة الذاتية التفاوت، يصبح نصيب المناطق من التنمية مرتبطا بقدرتها السابقة على جمع المال.
كان التفاوت الإقليمي والعرقي من أكثر جوانب التجربة حساسية. فقد اتهم نظام كينياتا بمنح مناطق وسط كينيا والنخب المرتبطة بالكيكيو موقعا مميزا في الوصول إلى الأرض والائتمان والنفوذ. ولا يعني ذلك أن مشروعات هارامبي اقتصرت على جماعة واحدة أو أن المناطق الأخرى حرمت منها، لكن غياب معايير موحدة لتوزيع الدعم جعل قرب السياسيين من مركز السلطة عاملا مؤثرا.
هنا تظهر المفارقة الأساسية: انطلقت هارامبي من فكرة أن الجميع يسحبون معا، لكن قدرتهم على السحب لم تكن متساوية، كما لم يكن اتجاه الحركة مستقلا دائما عن أصحاب النفوذ. ومن ثم حملت التجربة إمكانية التمكين وإمكانية السيطرة في الوقت نفسه.
هارامبي ومفارقة من معه يعطى ومن ليس معه يؤخذ منه
كشفت تجربة هارامبي عن مفارقة تنموية يمكن تلخيصها في أن من يملك الموارد والصلات تتسع قدرته على الحصول على مزيد من الخدمات، بينما يتحمل من يفتقر إليهما عبئا أكبر، وقد يحرم حتى مما يفترض أن توفره له الدولة. فالمشاركة المالية للمواطنين قد تبدو دليلا على القوة والاستقلال، لكنها تثير سؤالا عن العدالة حين يصبح تمويل المرافق العامة مرتبطا بقدرة كل مجتمع على جمع التبرعات.
لم تكن القرى والمناطق الكينية متساوية في مواردها أو في صلاتها بالنخب السياسية. فقد استطاعت المجتمعات الأكثر ثراء جمع مبالغ أكبر، وجذب السياسيين ورجال الأعمال إلى فعالياتها، ثم استخدام ما جمعته للحصول على دعم حكومي إضافي. أما المجتمعات الفقيرة، فكانت تبدأ من قاعدة مالية أضعف، ولا تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام السياسي، مما جعل هارامبي في بعض الحالات تضاعف التفاوت بدلا من تقليصه. وهكذا كان من معه يعطى، لأن قدرته الأولية على المساهمة تجذب إليه مزيدا من الموارد، بينما كان من ليس معه يؤخذ منه، لأنه يطالب بتمويل خدماته المحدودة من دخله القليل.
وتتضح المفارقة أيضا على مستوى الأفراد. فقد يدفع الفقير تكلفة الخدمات العامة مرتين: مرة من خلال الضرائب، ومرة من خلال التبرعات والعمل التطوعي. كما أن المساهمة نفسها لا تمثل العبء ذاته على الجميع؛ فالمبلغ المحدود الذي يقدمه صاحب الدخل المنخفض قد يقتطع جزءا مهما من احتياجات أسرته، بينما لا يمثل التبرع الأكبر عبئا مماثلا على الثري. وقد تفقد المشاركة طابعها التطوعي حين تمارس الجماعة ضغطا على أعضائها، أو حين يرتبط الامتناع عن التبرع بالخوف من العزلة والاتهام بعدم التضامن مع المجتمع.
ولم تقتصر المشكلة على جمع الموارد، بل امتدت إلى استكمال المشروعات وتشغيلها. فقد تنجح قرية في توفير تكلفة إنشاء مدرسة أو مركز صحي، لكنها تعجز عن تمويل النفقات المستمرة أو توفير العاملين والمعدات. وفي غياب التنسيق مع مؤسسات الدولة، ظهرت أحيانا منشآت لا تعمل بكامل طاقتها، أو تركزت مشروعات متشابهة في مناطق تمتلك النفوذ والموارد، بينما بقيت مناطق أشد حاجة محرومة من الخدمات الأساسية.
لا تنفي هذه الاختلالات القيمة التنموية لهارامبي، لكنها تبين أن المشاركة المجتمعية لا تحقق العدالة تلقائيا. فهي تحتاج إلى تخطيط ومعلومات وقواعد تعوض تفاوت القدرات بين المناطق، وإلى توزيع واضح للمسئوليات بين المجتمع والدولة. فالحماس الشعبي لا يضمن وحده استدامة المشروع، والتبرع لا يعوض غياب السياسة العامة، والعمل التطوعي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإخفاء ضعف الموازنة أو إعفاء الحكومة من واجباتها.
وتتحقق القيمة الحقيقية للمشاركة حين تضيف إلى ما توفره الدولة ولا تحل محله، وحين تحصل المناطق الأفقر على دعم عام أكبر يعوض محدودية مواردها. أما ترك كل مجتمع يعتمد على قدرته الذاتية وحدها، فيحول التنمية من حق متكافئ إلى فرصة تتحدد بالثروة والنفوذ، ويجعل هارامبي، التي قامت على فكرة أن يسحب الجميع معا، عاجزة عن منع الأقوى من التقدم وترك الأضعف وراءه.
هارامبي وشخصنة السلطة
ارتبطت هارامبي بقوة بشخصية كينياتا ورمزيته بوصفه قائد الاستقلال وأبا للأمة. وقد منحها ذلك قدرة كبيرة على التعبئة، لكنه جعلها في الوقت نفسه معرضة لمشكلة الشخصنة. فكلما ارتبط نجاح المبادرة بحضور الرئيس وتبرعه، تراجع دور المؤسسات والقواعد المجردة.
لم تكن شخصنة هارامبي منفصلة عن تطور النظام السياسي الكيني. فقد اتجه كينياتا إلى تركيز السلطة في الرئاسة، وإضعاف المعارضة، وجمع معظم القوى السياسية داخل حزب الاتحاد الوطني الأفريقي الكيني. وبعد حظر اتحاد الشعب الكيني عام 1969، أصبحت كينيا دولة ذات حزب واحد بحكم الواقع، رغم استمرار المنافسة بين مرشحين من داخل الحزب الحاكم.
في هذا السياق، أدت هارامبي وظيفة مزدوجة. فقد قربت القيادة من المجتمعات المحلية، لكنها ساعدت أيضا على تنظيم العلاقة معها من خلال وسطاء سياسيين يدينون بمكانتهم للرئيس والحزب. وأصبح الزعيم المحلي مطالبا بإثبات قدرته على جذب الموارد من المركز، بينما يستخدم المركز هذه القدرة في قياس الولاء وتوزيع النفوذ.
استمرت روح المساعدة الذاتية بعد وفاة كينياتا عام 1978، لكن توظيفها السياسي تغير في عهد دانيال آراب موي. فقد تبنى موي مبدأ نيايو، الذي يعني السير على خطى السابق، وقدم نفسه في البداية باعتباره امتدادا لنهج كينياتا. ثم اتجه نظامه إلى مزيد من المركزية وربط توزيع الموارد بالولاء السياسي.
تكشف هذه الخبرة أن المبادرات المجتمعية لا تعمل خارج بنية السلطة. فإذا كانت المؤسسات ضعيفة، تستطيع النخبة الاستحواذ على لغة التضامن وإعادة توجيهها لمصلحتها. ولهذا لا يكفي أن تكون الفكرة نبيلة في أصلها، بل ينبغي أن تحاط بقواعد تمنع استخدامها في شراء الولاء أو تحويل الحقوق إلى منح شخصية.
ما الذي نجح وما الذي تعثر؟
نجحت هارامبي في استنهاض طاقات المجتمع لأنها لم تقدم التعاون باعتباره واجبا مفروضا من سلطة بعيدة، بل ربطته بقيم يعرفها الناس ويطبقونها في حياتهم. وقد أثبتت أن التنمية تصبح أكثر قدرة على الاستمرار حين يشارك المجتمع في تحديد أهدافها، ولا يتعامل مع المشروعات باعتبارها هبات تأتي من الخارج.
كما نجحت في توسيع بعض الخدمات خلال مرحلة لم تكن الدولة قادرة فيها على الاستجابة لكل الاحتياجات. وكان إسهامها في التعليم واضحا، إذ ساعدت مجتمعات عديدة على إنشاء مدارس ومؤسسات تدريبية فتحت المجال أمام أجيال جديدة. وعززت كذلك الشعور بأن الاستقلال مسئولية اجتماعية، لا مجرد واقعة دستورية أو تغيير في علم الدولة.
ساعدت هارامبي أيضا على إنتاج لغة وطنية بسيطة في مجتمع متعدد. وكان نداؤها إلى العمل معا مناسبا لمرحلة احتاجت فيها الدولة الجديدة إلى تأكيد أولوية الهوية الكينية على الانقسامات المحلية.
لكن التجربة تعثرت حين أصبح العمل الجماعي بديلا عن الحقوق، وحين حلت التبرعات محل الموازنة العامة، وحين تحول السياسي من ممثل للمواطنين إلى متبرع يطلب الولاء مقابل الخدمة. كما أخفقت في منع المناطق الغنية من الاستفادة بدرجة أكبر من قدرتها على جمع الموارد، ولم تمتلك في مراحلها الأولى الضوابط الكافية لضمان الشفافية وتجنب تضارب المصالح.
لا يصح إذن إصدار حكم واحد على هارامبي باعتبارها نجاحا تنمويا مطلقا أو شكلا من أشكال المحسوبية وحدها. فقد اختلفت نتائجها باختلاف طبيعة المشروع والمجتمع المحلي وعلاقته بالدولة والنخبة السياسية. وكانت قوتها الأساسية، وهي مرونتها واعتمادها على المبادرة، هي نفسها مصدر ضعفها حين غابت القواعد التي تنظمها.
هارامبي في كينيا المعاصرة
لم تختف فكرة المساعدة الذاتية بانتهاء عهد كينياتا. فما زالت كينيا تعرف صورا متعددة من الادخار الجماعي والتعاون المحلي، من بينها مجموعات تشاما التي تجمع أعضاء يساهمون دوريا في صندوق مشترك يستخدم للادخار أو الإقراض أو الاستثمار. كما انتشرت نماذج الصيرفة الجماعية التي تمنح أعضاءها، ولا سيما النساء وأصحاب المشروعات الصغيرة، إمكانية الوصول إلى تمويل يصعب الحصول عليه من المؤسسات التقليدية.
تعيد هذه النماذج إنتاج جانب من روح هارامبي، لأنها تقوم على الثقة المتبادلة والمسئولية الجماعية وتجميع الموارد الصغيرة. لكنها تختلف عن صورتها التقليدية في اعتماد بعضها على سجلات مالية أكثر انتظاما، وقواعد داخلية للإقراض والسداد، واستخدام خدمات الدفع الرقمية.
أتاحت التكنولوجيا فرصا جديدة للعمل الجماعي. فقد أصبحت المنصات الرقمية ووسائل الدفع عبر الهاتف قادرة على توسيع دائرة المساهمين، وتسريع جمع الأموال، وتوثيق المعاملات. ويمكن لهذه الأدوات أن تزيد الشفافية إذا أتاحت للمشاركين متابعة ما جمع وما أنفق، لكنها قد تخلق مخاطر جديدة تتعلق بالاحتيال وحماية البيانات واستغلال العاطفة العامة. ومن ثم لا تمثل التكنولوجيا حلا تلقائيا، بل تحتاج هي الأخرى إلى رقابة وقواعد واضحة.
شهدت كينيا كذلك تطورا في الأطر القانونية المتعلقة بسلوك المسئولين والنزاهة وتضارب المصالح. فقد جاء دستور 2010 ليؤكد أن السلطة العامة أمانة، ثم صدر قانون القيادة والنزاهة عام 2012 لوضع قواعد أكثر تفصيلا لسلوك شاغلي المناصب العامة. كما سبقت ذلك قيود على مشاركة بعض المسئولين في حملات جمع التبرعات، بعد أن أصبحت العلاقة بين هارامبي والتمويل السياسي موضع انتقاد واسع.
مع ذلك، لا تحسم القوانين وحدها المشكلة. فالشفافية تحتاج إلى معلومات متاحة، ومؤسسات رقابية مستقلة، وقدرة على التحقيق والمحاسبة، وثقافة سياسية ترفض تحويل الخدمات العامة إلى فضل شخصي من المسئول. ولا تصبح هارامبي أكثر عدالة بمجرد تنظيمها قانونيا، بل حين تتغير العلاقة بين المواطن والسياسي من علاقة متلق بمانح إلى علاقة صاحب حق بممثل مسئول أمامه.
من الخبرة الكينية إلى الرهان الأفريقي
يمكن القول بدرجة عالية من المصداقية، أن قيمة هارامبي لا تقتصر على كينيا، لأن صور التضامن والعمل الجماعي معروفة في مجتمعات أفريقية كثيرة وإن اختلفت أسماؤها. وقد ساعدت جمعيات الادخار والائتمان والتعاونيات وروابط المهاجرين والمنظمات المجتمعية في تمويل التعليم والرعاية الصحية والمشروعات الصغيرة ومواجهة الأزمات.
وغني عن البيان، أن تحويل هذه الخبرات إلى أساس لتنمية معاصرة يتطلب تجاوز النظرة الرومانسية إلى المجتمع المحلي. فالمجتمعات ليست متساوية في مواردها، ولا تخلو من علاقات القوة أو التمييز أو الصراع. وقد تعيد المبادرات المحلية إنتاج التفاوت بين الرجال والنساء، أو بين العائلات والجماعات، إذا لم تقترن بقواعد للشمول والمساءلة.
كذلك لا ينبغي استخدام مفهوم الاعتماد على الذات لتبرير انسحاب الدولة أو تقليص مسئوليتها. فالاعتماد على الذات لا يعني أن تتحمل القرى الفقيرة وحدها تكلفة التعليم والصحة والبنية الأساسية، بل يعني أن تتحول موارد المجتمع إلى قوة تضاف إلى الاستثمار العام، وأن يشارك المواطنون في تحديد الأولويات ومراقبة التنفيذ.
وعلى المستوى القاري، يمكن النظر إلى منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية وأجندة الاتحاد الأفريقي 2063 بوصفهما تعبيرين مؤسسيين عن منطق قريب من هارامبي، من حيث الدعوة إلى تجميع القدرات الوطنية وبناء المصالح المشتركة. لكن هذا التشابه يظل تشابها في الروح لا في الأدوات؛ فالتكامل القاري يحتاج إلى اتفاقات وتشريعات وبنية أساسية ومؤسسات تتجاوز نطاق التضامن المجتمعي.
تواجه القارة تحديات لا تستطيع أي دولة معالجتها منفردة، من تغير المناخ والأمن الغذائي إلى الهجرة والديون والتحول الرقمي. ومن هنا تكتسب فكرة السحب معا دلالة جديدة، لا باعتبارها بديلا عن الدولة الوطنية، بل قاعدة أخلاقية للتعاون بين الدول والمجتمعات والقطاع الخاص والمؤسسات الإقليمية.
نحو هارامبي جديدة
لا يحتاج إحياء هارامبي إلى استنساخ تجربتها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بل إلى إعادة صياغة فلسفتها بما يلائم الدولة الحديثة. ويتطلب ذلك الحفاظ على المبادرة المحلية، مع إخضاع التمويل والإدارة لمعايير الشفافية والمساءلة.
ينبغي أن يبدأ أي مشروع من تحديد واضح لمسئولية الدولة ومسئولية المجتمع. فما يدخل ضمن الحقوق الأساسية، مثل التعليم والرعاية الصحية والمياه، يجب ألا يعتمد وجوده على قدرة السكان على التبرع. ويمكن للمشاركة المجتمعية أن تحسن الخدمة أو توسعها أو تراقبها، لكنها لا ينبغي أن تصبح شرطا للحصول عليها.
كما يجب توزيع الدعم العام على أساس الحاجة، حتى لا تستفيد المناطق الغنية من قدرتها الأعلى على جمع المال بينما تتراجع المناطق الفقيرة. ويمكن للدولة أن تطبق مبدأ المساهمة التصاعدية، فتقدم دعما أكبر للمجتمعات الأقل قدرة، وتربط تمويلها بجودة التخطيط لا بحجم النفوذ السياسي.
وتحتاج المبادرات إلى الإفصاح عن مصادر الأموال وأوجه إنفاقها، ومنع المسئولين من استغلالها في الدعاية الانتخابية أو بناء شبكات الولاء. كما ينبغي تمكين النساء والشباب والفئات المهمشة من المشاركة في تحديد أولويات المشروع، لا الاكتفاء بطلب مساهماتهم المالية أو جهدهم التطوعي.
أما التكنولوجيا، فينبغي استخدامها لإنشاء سجلات مفتوحة للمساهمات والمصروفات، ونشر تقارير دورية عن التنفيذ، وتيسير مشاركة أفراد المجتمع في الرقابة. وقد يسمح ذلك بتحويل الثقة الشخصية التي قامت عليها هارامبي التقليدية إلى ثقة مؤسسية قابلة للتحقق.
بهذه الشروط -سالفة البيان- يمكن أن تصبح هارامبي المعاصرة شراكة بين دولة مسئولة ومجتمع قادر، لا وسيلة لتحميل الفقراء تكلفة قصور المؤسسات. ويمكن أن تتحول من مناسبة للتبرع إلى عملية دائمة للمشاركة في التخطيط والتنفيذ والرقابة.
خاتمة: الميراث والمستقبل
بعد ثمانية وأربعين عاما على رحيل جومو كينياتا، تبقى هارامبي من أكثر أفكار مرحلة الاستقلال الكيني قدرة على إثارة الأسئلة. فقد كانت في آن واحد فلسفة للتكاتف، وآلية لبناء الخدمات، وأداة لدمج المجتمعات في الدولة الجديدة. لكنها أصبحت أيضا مجالا للمنافسة السياسية والمحسوبية، وكشفت عن التفاوت بين المناطق وعن حدود إحلال الجهد الأهلي محل مسئولية الدولة.
ويكمن ميراث كينياتا الحقيقي والعبقري في أنه التقط قيمة اجتماعية مألوفة وحولها إلى لغة وطنية ساعدت على تعبئة الكينيين في مرحلة شديدة الصعوبة. لم يكن بناء دولة موحدة بعد الاستعمار مهمة سهلة، ولم تكن موارد الحكومة كافية للاستجابة السريعة إلى المطالب المتزايدة. وقد أتاحت هارامبي للمجتمع أن يشارك في بناء الاستقلال بدلا من الاكتفاء بانتظار ثماره.
لكن التجربة أظهرت كذلك أن العمل الجماعي لا يحمي نفسه بنفسه. فإذا غابت المؤسسات والشفافية، تستطيع النخبة الاستيلاء على لغة التضامن وتحويلها إلى أداة للنفوذ. وإذا تراجعت الدولة، يصبح الاعتماد على الذات اسما آخر لترك الفقراء يواجهون احتياجاتهم بموارد محدودة. وإذا ارتبطت المشروعات بتبرعات السياسيين، تتحول حقوق المواطنين إلى منح، ويتحول الولاء إلى شرط ضمني للوصول إلى الخدمة.
وبناذ على ما سبق، يمكن القول أن الدرس لا يتمثل في رفض هارامبي أو تمجيدها، بل في التمييز بين جوهرها الاجتماعي والصور السياسية التي التصقت بها. فجوهرها هو الاعتراف بأن المجتمع يمتلك موارد وخبرات وقدرة على الفعل، وأن التنمية لا تفرض من أعلى وحده. أما انحرافها فيبدأ حين تصبح المشاركة بديلا عن العدالة، أو حين يستخدم السياسي التضامن العام لبناء سلطة خاصة.
وتحتاج أفريقيا اليوم إلى روح هارامبي في مواجهة تحديات تتجاوز قدرة الحكومات المنفردة، لكنها تحتاج إليها داخل إطار جديد يقوم على الحقوق والمؤسسات والمساءلة. المطلوب ليس أن يبني الفقراء مدارسهم ومستشفياتهم بدلا من الدولة، بل أن يشارك المواطنون في تحديد أولويات التنمية ومراقبة الإنفاق وضمان وصول الموارد إلى مستحقيها. وليس المطلوب أن يحل التبرع محل السياسة العامة، بل أن تتحول طاقات المجتمع إلى شريك في سياسة عادلة وشفافة.
بهذا المعنى، لا تكون هارامبي المعاصرة عودة إلى الماضي، بل تطويرا نقديا لميراثه. فهي تجمع بين قوة التضامن وواجب الدولة، وبين المبادرة المحلية والعدالة الوطنية، وبين تعبئة الموارد والرقابة عليها. وعندئذ فقط يستعيد النداء معناه الحقيقي بأن يسحب الجميع معا، لكن وفق قواعد تضمن ألا يحمل الضعفاء العبء الأكبر، وألا يستأثر الأقوياء بتحديد الاتجاه.