مقاربة نفسية - سياسية: متى يتحول ارتباط الأحلام الخاصة والعامة لحقيقة أو كابوس؟
2026-8-12

د. خالد حنفي علي
* باحث مصري، مؤسسة الأهرام

 

اكتشف راعي الأغنام "سنتياجو" أن حلم الكنز الذي يبحث عنه لم يكن بجوار أهرامات الجيزة، بل في الرحلة الطويلة التي قطعها بحثاً عنه من الأندلس مروراً بطنجة ليعبر من بعدها الصحراء، وصولاً إلى مصر. في تلك الرحلة، التي سردها باولو كويلو في روايته "الخيميائي"، أدرك سنتياجو أن تحقيق أسطورته الشخصية يحتاج إلى إصرار وإرادة وطموح، فعندما "يريد المرء شيئاً فإن الكون كله يتآمر لمساعدته على تحقيقه"، أي يٌظهر له من الإشارات والعلامات ما يوجهه نحو تحقيق أسطورته.

كانت فكرة كويلو أن الحلم يصنع "معنى" للحياة، فمن خلاله ترتقي ذواتنا ويتطور عالمنا للأفضل، لكنه لا يتحقق عبر أساليب فجائية أو عشوائية، بل تدريجية ومتراكمة، إذ عرف سنتياجو نفسه بعد عناء رحلته في النهاية أن الكنز كان موجوداً منذ البداية أسفل شجرة في كنيسة كان ينام بها في أسبانيا. يحذر كويلو أيضاً من تجاهل الحلم كي لا يتحول لندم ومرارة، كتاجر الكريستال، الذي رسم شخصيته كنموذج عكسي لسنتياجو، حيث يغلب عليه الخوف من التغيير، والرضا بالحلم لا محاولة تحقيقه بذريعة "المكتوب"، فقد اختار الحلم بالسفر إلى مكة دون الإقدام على ذلك خشية فقدان دافعه للعيش.

سواء بلغ الحلم الخاص للفرد غايته أم ظل معلقاً، فإنه يعبر عن رغبة يسعى الإنسان لتحقيقها، وهو ما يؤثر ويتأثر في آنٍ واحد بالبيئة العامة التي ينشأ فيها، بما تحمله من سمات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية. من منظور نفسي، يسكن الحلم الخاص اللاوعي الذاتي في عقل الفرد لكنه يؤثر في الوعي والإدراك، ويصوغ دوافعه وعلاقاته مع المحيط العام. ومن منظور سياسي، تؤثر البيئة العامة في الحلم الخاص إما عبر توفير شروط أو حقوق أساسية للأفراد تساعدهم على تحقيق أحلامهم [1] أو عندما يتشارك هذا الحلم عدد كبير من الناس، فيعمل القادة والنخب أو السلطة على تمثيله سياسياً عبر حلم عام.

هذا الارتباط المتصور بين الأحلام الخاصة والعامة قد يعيد تشكيل ديناميات القوة والسلطة في السياسة الحديثة، ذلك أن التمثيل الفعال لتلك الأحلام قد يُؤمِّن الاستقرار والازدهار للدول والمجتمعات، بل قد يحاكيها الآخرون في السياسة العالمية، كنماذج الأحلام المتنافسة بين الغرب أو الصين أو أوروبا. في المقابل، قد لا يصبح هذا التمثيل فعالاً أو غير كفء، فتتحول الأحلام عندها إلى كوابيس، كحال نماذج عديدة في دول شرق أوسطية تعاني حروباً وصراعات وأزمات اقتصادية.

في هذا التحليل، تجري محاولة لفهم الارتباط بين عالمي الأحلام الخاصة والعامة عبر الانتقال من المقاربة النفسية إلى السياسية. إذ أن هنالك آليات اتصال أو جسور بينهما كالسيطرة والشرعنة والتمثيل والهوية والمقاومة، ومن تلك الارتباطات بين العالمين، تنشأ سياسات أحلام في الدول والمجتمعات التي يفترض أن تستوعب المشترك العام بين الأحلام الخاصة، لكنها قد تنجح أو تفشل أو تنزوي أو تنخفض التطلعات في بعض الحالات المأزومة إلى "الحلم المتاح" الذي يتركز على بلوغ الاحتياجات الأساسية للأفراد والمجتمعات.

الحلم ووظائفه.. من المجال الخاص إلى العام

الحلم هو حاجة إنسانية لا تكتمل الحياة بدونها، وينشأ كنشاط تفكيري أو مشاعري في اللاوعي، إذ يجري أثناء النوم عبر رموز بصرية وسمعية قد تترابط في عقل الإنسان، فتنسج سردية منسجمة يمكن أن يرويها الحالم أو لا تترابط فتصبح مشاهد مبعثرة. ولأن هذا الحلم ينشط في المساحة الذاتية للفرد، لهذا فطبيعته النفسية تسبق تأثيراته في المحيط العام. لذلك، تعددت الرؤى والمداخل في فهم دلالات الحلم، ووظائفه، وتفسير علاقاته بحالة الوعي أو اليقظة أو ما يحيط بالفرد من أبنية سياسية واجتماعية وثقافية.

لقد اعتبر البيولوجيون الحلم الفردي نشاطاً مرتفعاً للجهاز العصبي، فهو ينتج عن إشارات كهربائية ونبضات عشوائية يحولها الدماغ إلى قصة الحلم. لكن عالم النفس، سيجموند فرويد، نظر له كرغبة مكبوتة لا يستطيع الفرد إشباعها في حالة الوعي بسبب القيود الأخلاقية أو الاجتماعية، بما يجعل وظيفة الحلم أشبه بحارس للنوم. يميز فرويد أيضاً بين مستويين للحلم: الأول، المحتوى الظاهر له كما يتذكره الحالم ويرويه، والآخر المحتوى الكامن، أي الرغبات التي تختبيء وراء الصور الظاهرة، ولهذا يستهدف تفسير نص الحلم، من وجهة نظره، الانتقال من المحتوى الظاهر إلى الرغبات الكامنة للأفراد[2].

رفض كارل يونج هذا الفهم الفرويدي الذي حوَّل الحلم إلى رغبة سرية يغلب عليها التفكير الجنسي، إذ رآه على العكس طاقة تطورية، وتعبيراً طبيعياً عن الخيال والعقل الإنساني، مركزاً على وظائف مغايرة له كالتعويض عن الاختلالات النفسية للحالمين، ورسالة للمستقبل. فالحلم قد يساعد المرء على مواجهة مخاوفه أو اتخاذ قرارات مصيرية. وسَّع يونج أيضاً فهم الحلم من الخاص إلى العام، ليمزج بين الحياة اللاوعية بالواعية، حيث اعتبر اللاوعي يتجاوز التجارب الشخصية إلى اللاوعي الجماعي، على أساس الأنماط الأولية النفسية المشتركة بين البشر، والتي تظهر كاستجابة في أوقات الأزمات لتُحدث نوعاً من التوازن النفسي ومجابهة التهديدات[3].

في تلك الأحلام الأولية المشتركة، قد يتحول الطاغية إلى وحش كاسر، والبطل المخلص إلى منقذ للحالم، ومشاعر العنصرية إلى عدو مجهول الهوية، فيما قد تتكرر أحلام الدمار والحروب خاصة في أوقات انهيارات النظام الاجتماعي والسياسي. بدوره، طور أنتي ريفونسو حديثاً فهم الحلم من خلال نظريته لـ"محاكاة التهديدات"، أي أن الحلم له وظيفة حمائية ودفاعية، من خلال محاكاة الأحداث المهددة للفرد، حيث يتدرب على مواجهتها في عقله، بما يشعره بالأمان النفسي[4].

مع هيمنة المنطق العقلاني على النظرة الغربية للحلم، كان هنالك رفض لوظيفته التنبؤية، خاصة من فرويد الذي اعتبر أن الحلم قد يصور المستقبل، كما يتخيله الحالم، وليس كما قد يحدث، بالتالي، جرى التعامل مع أحلام للقادة السياسيين التي تتنبأ بأحداث قبل وقوعها على أنها غير علمية أو تعكس حالتهم النفسية في أوقات الأزمات، مثل الرئيس الأمريكي الأسبق إبراهام لينكولن الذي رأى حلماً حول سفينة فريدة تتحرك نحو شاطيء مظلم، ففسره كعلامة نصر في الحرب الأهلية الأمريكية، كذلك رأى حلماً آخر حول اغتياله قبل أيام من وفاته، وهو ما جرى بالفعل في أبريل 1856[5].

هنا تحديداً، تظهر الخصوصيات الثقافية في المجتمعات في رؤية الحلم الخاص ووظائفه وعلاقاته بالمجال العام. فعلى خلاف الثقافة الغربية، تنظر الثقافة الدينية الإسلامية للحلم على أنه قد يكون نوعاً من المعرفة المنظمة بما قد يحدث مستقبلاً، والتي لا تتعلق بالفرد فقط بل بمحيطه العام. تفرق هذه الثقافة بين مفردتين لهما مضامين ودلالات مغايرة، هما: الحلم (خيالات مضطربة وغير منتظمة يصعب تأويلها أو كما تسمى أضغاث أحلام) والرؤيا (نوع من التنبؤ بأحداث مبشرة أو محذرة قبل وقوعها).

يظهر ذلك جلياً في القصص القرآني، عندما صدقت رؤيا النبي يوسف عليه السلام لنفسه، إذ أصبح بعد رحلة من الابتلاء عزيزاً لمصر: "إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ، سورة يوسف آية 4"، أو لمحيطه العام عندما فسر رؤيا الملك: "وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ، سورة يوسف آية 43)، حيث تنبأ من خلال تلك الرؤيا بدورة اقتصادية من النماء إلى القحط في مصر، بما استدعى خطة لإنقاذها من المجاعة آنذاك.

من منظور أنثربولوجي، اتسعت وظائف الحلم الخاص لتترابط مع الأبنية الاجتماعية والثقافية في المجتمعات التقليدية. في اليونان القديمة، نُظر للحلم كوسيلة تواصل مع الآلهة، فالمرضى قد ينامون في المعابد بحثاً عن رؤية حلم يمنحهم الشفاء، بينما اعتبرت ثقافات أخرى هذا الحلم رسالة من الأجداد ومحدداً للمكانة الاجتماعية، كما لدى قبائل الأوجيبو في أمريكا الشمالية، أو لضمان الالتزام بالنظام الأخلاقي والاجتماعي للقبيلة، كما قبائل الهوبي، فعندما يحلم شخص لديهم بأفعى الماء، فذلك يشير الي انتهاكات شخصية للنظام الاجتماعي، أما في المجتمعات التقليدية في البرازيل، فإن بعض أحلام الملونين ارتبطت بمحو آثار السوادـ كعائق للصعود الطبقي[6]

يرجع المفكر الفرنسي روجر كايوا هذه العلاقة الوثيقة بين الحلم الخاص والمحيط العام للفرد خاصة في مجتمعات ما قبل الحداثة إلى أن بعضاً من تلك الثقافات التقليدية –ذات الطابع الجماعي- تعتبر الحلم أكثر حقيقة من الواقع بل ووسيلة لفرض ارادة الحالم على البيئة المحيطة[7]. لكن هذا الفهم الغربي تعرض للتطور عبر إضفاء الطابع الاجتماعي والحقوقي الحداثي وليس فقط النفسي على الحلم الخاص، أي أصبح الأخير ليس تعبيراً عن رغبة داخل عقل الفرد فحسب، بل يتحول إلى إدراك واعٍ وعلني للإنسان في سعيه لبناء حياة أفضل سواء له أو للمجتمع.

لهذا، يميز علم الاجتماع بين نمطين من الأحلام في المجتمعات الحديثة على أساس مستوى درجات الوعي والإدراك، وفقاً لد. أحمد زايد، الأولى، أحلام صغرى، وهي تخص الهموم الفردية أو الخاصة (تكوين أسرة، استقرار وظيفي، تعليم، صحة، امتلاك منزل، ... ألخ)، بينما الأخرى هي أحلام كبرى تكتسب صفة العمومية من تجاوزها للهموم الفردية لترتبط بالتغيرات السياسية والمجتمعية كنهضة الأوطان وتنميتها وأمنها العام، كما يربط بين أنماط الأحلام في المجتمعات بالمستويات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية للأفراد[8].

وعليه، بينما مال البعض إلى قصر عملية فهم الحلم الخاص ووظائفه على نطاقه الذاتي داخل عقل الفرد من منظور نفسي، ربطه آخرون اجتماعياً وأنثروبولوجياً ودينياً بالمحيط العام، حيث يصبح الحلم وسيلة للتواصل مع الواقع المحيط أو استكشاف المستقبل أو مرآة للطبقات والتفاوتات والمكانة في المجتمعات. من ذلك، تسللت السياسة، بما تعنيه من سلطة وهياكل مؤسسية تدير شئون الأفراد والجماعات لتؤثر وتتأثر بالأحلام الخاصة للأفراد.

تسلل السلطة للحلم الخاص بين السيطرة والمقاومة

في السياسة، تحول تأويل نص الحلم   Dream Text– وفقاً لروجوف- إلى منطق سلطوي وتوظيفي، إذ تنشأ سرديات سياسية متنافسة بعضها يسعى لإخضاع تفسير الحلم لصالح بناء السلطة المهيمنة أو دعم الهويات أو شرعنة أوضاع أو قرارات بعينها. على النقيض، قد يتحول تفسير الحلم إلى تحدٍ ومقاومة للسلطة، عندما ينظر له كطاقة تحررية لا يمكن إخضاعها لقيود الواقع المنظم[9]. في هذين الاتجاهين المتناقضين، برزت آليات متعددة باتت كجسور تربط العلاقة بين الحلم الخاص، وديناميات القوة والسلطة في الدول والمجتمعات.

1- آلية السيطرة على اللاوعي: قد تقود طبيعة البيئات السياسية، عندما تهمين عليها نظم تسلطية إلى التأثير في مضامين الأحلام الخاصة للأفراد، إذ قد تؤدي الممارسات القمعية إلى سيادة أجواء عامة من الخوف والرعب العام لا تنتهك فقط حالة اليقظة والوعي للأفراد، وإنما قد تخترق مساحات اللاوعي الذاتي لتؤثر على ما يحلمون به أثناء نومهم. في دراسة فريدة من نوعها (أحلام الرايخ الثالث)[10]، جمعت شارلوت بيرديت، إثر صعود النظام النازي لهتلر في ثلاثينيات القرن العشرين، 300 حلماً خاصاً من أفراد ينتمون لمختلف الطبقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على مدى ست سنوات لتقوم بتحليلها لاحقاً بعد الهروب من البلاد. تركزت فكرتها الجوهرية حول كيفية تغلغل الأنظمة الاستبدادية في الأحلام الخاصة للأفراد.

من أمثلة تلك الأحلام أن أحد المواطنين يحلم بأن جدران شقته اختفت، ما جعل خصوصيته مكشوفة أمام المجتمع، بينما تحولت مدفأة المنزل لدى آخر في الحلم إلى أدة تجسس على نكاته المعادية للنظام داخل المنزل، فيما أظهر حلم ثالث مواطناً يشكو النظام، لكن الشكوى كانت عبارة عن صفحة بيضاء فارغة، في دلالة على أن البيئات السياسية التسلطية قد تخلق نفسياً نموذج "اللا بطل" الذي يتلبسه الخوف ويفتقر للشجاعة لنقدها، حتى في أحلامه الخاصة.

2- آلية لشرعنة السلطة أو تحفيز القرار: عملت الأحلام الخاصة، خاصة للقادة السياسيين كأدوات توظيفية لشرعنة سلطتهم في مواجهة الخصوم أو التحفيز على اتخاذ قرارات عبر ما ينتجه تفسير نص الحلم من دلالات داعمة لهذه السلطة أو ذاك القرار. برز هذا الأمر في مختلف الثقافات التقليدية والحديثة. في التاريخ الإسلامي مثلاً، كان هنالك توظيف كثيف للرؤيا لإظهار أن الحاكم له سند إلهي، وعلى أساس أن العامل الديني كان جوهر الشرعية السياسية حينها. تظهر إحدى الدراسات هذا التوظيف في عصر العباسيين لإقناع العامة بأنهم البديل الأفضل للأمويين حينها. إذ ادعى أبي جعفر المنصور، أحد خلفاء الدولة العباسية، أنه رأى بمنامه أن الرسول (ص) أعطاه راية في الكعبة وأوصاه بأمته ليوم القيامة[11].

لم ينقطع هذا النمط في التاريخ الحديث، فقد نسب العديد من القادة أفعالهم إلى الأحلام مثلما ادعى الملا عمر في أفغانستان أنه رأى الرسول (ص) ليختاره لإنقاذ البلاد. تشير كذلك دراسات غربية إلى أن أشرطة الفيديو الملتقطة لزعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن ومخططي أحداث سبتمبر 2001 حوت على ما يشير إلى أنهم رأوا أحلام اصطدام الطائرات بالمباني للتحضير لتلك الأحداث الإرهابية[12].

على الجانب الآخر، استخدمت الأحلام الخاصة لدى قادة الحركات الاجتماعية كمحفز للقرارات السياسية، كدعوة المهاتما غاندي إلى الإضراب العام ليوم واحد في عام 1919 احتجاجاً على تشريعات بريطانية تسمح بالاحتجاز بدون محاكمة، إذ خطرت له الفكرة في أحد أحلامه الخاصة، وكان هذا الاحتجاج هو بداية الحركة المنظمة لاستقلال الهند عن الاستعمار البريطاني[13].

3-آلية حماية الذات وتمثيل الآخرين: أي أن الحلم الخاص قد يصبح حمائياً للذات، وتمثيلياً لوجهات نظر الآخرين، ومن ثم قد يحفز على التغيير السياسي. قد يجري ذلك النمط بالنسبة للقادة السياسيين أو ضحايا الأزمات، على نحو برز لدى أعمال شارون سليونسكي[14] التي رفضت نظرة فرويد بأن الحلم مجرد رغبة خفية مكبوتة، إذ اعتبرته نوعاً من التفكير السياسي الذي يربط الخيال الداخلي والواقع الخارجي، خاصة في الأوقات المظلمة.

من وجهة نظر سليونسكي، يقاوم الحلم الإحباط، ويحمي الوعي نفسه من أن يستسلم للعجز أو يغمره الواقع المدمر وقت الأزمات، مستدلة بكوابيس قادة سياسيين أمثال نيلسون مانديلا وضحايا الهولوكست. إذ كان مانديلا يروي كابوساً متكرراً يراه أثناء سجنه مفاده أنه أطلق سراحه ليخرج إلى بيئة من الأشباح في جنوب أفريقيا، حيث لا أحد في الطريق ولا المنزل.

اعتبرت سيلونسكي هذا الكابوس ليس فقط انعكاساً لتقييد الحرية السياسية لمانديلا، بل عبر عن مأزق جنوب أفريقيا آنذاك مع نظام الأبارتهيد العنصري. بالتالي، نظرت للكابوس على أنه يتجاوز مجرد تجربة نفسية ذاتية إلى مسألة سياسيةـ عامة، إذ يتخيل فيها الحالم العالم من وجهة نظر الآخرين، ويتجاوز معاناته الخاصة إلى تمثيل واقع سياسي واجتماعي مأساوي.

4- آلية الارتباط بالهوية السياسية: وسَّعت دراسات أخرى النظرة للأحلام الخاصة عبر ربطها بالهويات السياسية. إذ قارنت كيلي بوليكي [15] في دراسة لها على 234 مشاركاً، بين أحلام الليبراليين والمحافظين الأمريكيين، وخلصت إلى أن الليبراليين يميلون إلى رؤية أحلام أكثر حيوية وتنوعاً وانفتاحاً، كما مروا أيضاً بكوابيس تتعلق بالعجز أو الإقصاء الاجتماعي أو الكوارث البيئية، بينما المحافظين كانت لديهم أحلام رتيبة، وقد تتضمن نوعاً من العدوان، والدفاع عن النفس أو الآخرين ضد التهديدات المتصورة. يشي ذلك بأن اختلاف مضامين الأيديولوجيات والهويات والأولويات السياسية للأشخاص قد تؤثر على محتوى أحلامهم الخاصة، فالليبراليون يضعون في أولوياتهم قضايا العدالة الاجتماعية والبيئة والحريات المدنية، فيما يركز المحافظون على مسألة الأمن والتقاليد وحماية النظام الاجتماعي من التهديدات.

يظهر هذا الاتجاه الهوياتي أيضاً مع وصف الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في سيرته الذاتية "أحلام من والدي" حلمين محوريين أثرا على هويته كابن لأمراة أمريكية بيضاء ورجل أفريقي أسود. فبعد عام من وفاة والده عام 1982، حلم أوباما بزيارته واحتضانه، ثم حلم أيضاً أثناء زيارته لكينيا بشخصية عملاقة ترتدي قناعاً وتخبره بأنه حان الوقت بينما كان يهتز جسده بعنف، وهو ما جرى تفسيره على أنه محفز لأوباما على أهمية الاعتراف بهويته المزدوجة التي أثرت في منظوره الشخصي والسياسي [16].

5- آلية مقاومة ضد الإقصاء والتهميش: يلعب الحلم دوراً في مقاومة الهياكل السياسية والاجتماعية المعيبة التي تقصي وتهمش الأفراد. إذ استخدمت ايلينا لويزيدو [17] في دراستها حلم الطيران المتكرر لجدتها التي هجرت قريتها خلال الغزو التركي لقبرص في عام 1974، لانتقاد الفصل بين التجربة الذاتية للحلم والمجال العام للفعل. ورأت أن الأحلام ليست هروباً شخصياً من الواقع، بل أفعالاً تحويلية تسمح للمهمشين بمواجهة الإقصاء السياسي.

اعتبرت لويزيدو أن سرد الحلم هو وسيلة للاجئين أو المهجرين لإثبات وجودهم، فقد مكن الحلم جدتها من التخلص من فئة اللاجئ كوصف تراه سلبياً عبر الإسقاط النفسي على عالم متخيل يكونون فيها أحراراً، فعندما رفعت جسدها في حلمها للطيران، كانت ترفض قيود الاستبعاد وتسعى للهروب نحو الحرية. هنا، تنبه لويزيدو إلى أن الحلم الخاص قد يحفز الخيال السياسي، إذ يسمح للأشخاص بالحلم بعالم مختلف، حتى لو كان الواقع قاسياً.

مع هذه الآليات، أصبحت هنالك شواهد على أن السياسة كمجال لإدارة السلطة والعلاقة مع المجتمع قد تؤثر في الأحلام الخاصة للأفراد لتعيد تشكيل دوافعهم أو هويتهم أو مخاوفهم أو تصوراتهم عن تلك السلطة، لكن تلك السياسة قد تتأثر بهذه الأحلام أيضاً، عندما ينتقل ما هو خاص في اللاوعي الذاتي ليعبر عن نفسه في اليقظة أو عالم الواقع في المجال العام (الفضاء السياسي والاجتماعي المفتوح للمواطنين) في مظاهر أو تجليات حقوقية فردية وجماعية، ومن هنا، تظهر سياسات الأحلام، كمساحة يتلاقى فيها ما هو مشترك عام بين الأحلام الخاصة للأفراد.

سياسة الأحلام.. نماذج صاعدة ومتراجعة وأخرى كابوسية

قد تتحول بعض وليس كل الأحلام الخاصة إلى عامة، عندما تصبح احتياجاً مشتركاً لدى عدد كبير من الأفراد والجماعات، فضلاً عن قابليتها للتطبيق وعدم اعتدائها على حقوق الآخرين. قديماً، مثلاً، كان التعليم يمثل حلماً فردياً في بعض الدول النامية، بفعل عدم توافره كحق أساسي للفرد، ثم تحول مع احتياج المجتمع له إلى حلم جماعي تعين على الحكومات الاستجابة له ضمن سياساتها العامة. يستدعي مسار الانتقال من الحلم الخاص إلى العام آليات حشد وتعبئة تقوم عليها النخب أو الأحزاب أو الحركات الاجتماعية، بحيث تدفع السلطة نحو بناء حلم جماعي يخاطب مشكلة عامة في الواقع ويسعى لحلها، بما يلبي أحلام الأفراد الخاصة.

تعرف هنا بعض الأدبيات سياسات الأحلام Dream politics على أنها نوع من اليوتوبيا الواقعية التي تستند إلى شقين، الأول عقلاني يعترف بوجود نقص عام في المجتمعات يستدعي استكماله أو تحقيقه في المستقبل، والآخر صياغة أحلام ملهمة تحرك مشاعر وخيال المجتمع، بحيث لا يكون متفرجاً على أحلام الزعماء والنخب إنما مشاركاً فيها [18]. تكمن أهمية التكامل بين الشقين في أن الحقائق وحدها لم تعد كافية لإقناع المجتمعات بسياسة عامة في عصر باتت الصور والخيال والعاطفة جزءاً أساسياً من صياغة تصورات الأفراد عن أنفسهم وبيئتهم العامة. فالعقلانية قد تجعل الناس مدركين لمشكلات الواقع، لكن الحلم يحفزهم على السعي نحو مستقبل أفضل.

لهذا، يعتبر ستيفن دنكومب السياسة الناجحة هي التي تحول الحقائق إلى قصص ملهمة تمس أحلام الأفراد والمجتمع، معتبراً أن هذا الأمر هو لب معضلة الديمقراطيين في الولايات المتحدة، إذ لا يكفي إخبار الناخبين بالحقائق المادية عن مشكلات وحلول التأمين الصحي والبيئة وغيرهما، وإنما منحهم الحاجة إلى حلم يدعم تطلعاتهم ورغباتهم الخاصة [19].

في الستينيات، ألقى الزعيم مارتن لوثر كينج خطابه الشهير "لدى حلم" في مسيرة بالولايات المتحدة ليعبر عن تطلعاته ليست فقط الفردية وإنما الجماعية لرؤية مستقبل يعيش فيه البيض والسود بحرية ومساواة وتجانس. لم يخاطب كينج العقول فقط عن مشكلة قائمة في الواقع، إنما خاطب أيضاً المخيلة والمشاعر عبر ربط مطالب الحقوق المدنية بحلم متجذر في القيم الأمريكية.

المنطق ذاته برز في تجارب عديدة للثورات والحركات الاحتجاجية، إذ تقودها نخب تصور التغيير السياسي على أنه حلم عام سيلبي أحلام الأفراد ويحل مشكلاتهم خاصة في تجلياتها الحقوقية، كالحق في الحرية والتعبير والكرامة والعيش والعدالة وغيرها. وبرغم أنها حقوق أساسية يفترض أن تلتزم بها الدول، وليست أحلاماً، إلا أن حرمان بعض المجتمعات منها حولها إلى أحلام للأفراد والجماعات يسعون إلى تحقيقها.

في هذا السياق، تنامت سياسات الأحلام، كجزء من سباقات القوة والنفوذ في السياسة العالمية، وهو ما أـنتج نماذج متعددة للحلم السياسي بعضها صعدت والأخرى تراجعت والثالثة اختطت لنفسها مساراً مغايراً، فيما فشلت الرابعة في بلوغ الواقع. كان الهدف الأساسي لكل تلك النماذج هو استيعاب الأحلام الأفراد الخاصة ضمن أحلام عامة.

1- الحلم الأمريكي.. تراجعات خاصة وعامة: نشأ هذا الحلم على يد المهاجرين الباحثين عن الفرص والثروة في العالم الجديد، ثم تبلور عبر الدستور والقوانين والمؤسسات الأمريكية من خلال جانبين: قيمي يتعلق بالحرية والديمقراطية والمساواة في الحقوق لجميع الأفراد، ومادي ينصب على تحقيق الثروة والمكانة، من خلال الجهد الفردي. هيمن هذا الحلم الأمريكي على مخيلة المجتمعات لعقود طويلة، حيث بدا أن أي شخص يمكنه النجاح من خلال العمل الجاد، بغض النظر عن خلفيته العائلية.

تعرض هذا الحلم لتراجعات عندما تحول الأمل الفردي في الثراء والحراك الاجتماعي إلى ضرورة وجود دولة اجتماعية توفر الأمان الاقتصادي، فضلاً عن مأزق تركيز الثروات لدى النخب والشركات الكبيرة، وانخفاض مستويات الطبقة المتوسطة. شكل هذا التراجع الوقود الذي صعد على أساسه ترامب خلال العقد الأخير ليصور نفسه على أنه المنقذ للحلم الأمريكي والساعي لاستعادته. مع ذلك، أضاف ترامب عوامل جديدة عززت تراجع هذا الحلم بفعل تعميق الاستقطاب الداخلي ورفض الهجرة، فضلاً عن إضعاف القوة الناعمة مع النكوص القيمي في دعم الحريات وحقوق الإنسان أو المؤسسات الأممية ناهيك عن الإضرار بالعلاقات مع الحلفاء في إدارة السياسات الخارجية لصالح شعار "أمريكا أولاً" [20].

بدت الأحلام الخاصة للأفراد في النموذج الأمريكي هي الأخرى متراجعة مع الضغوط الاقتصادية وتحولات سوق العمل إثر تقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي. مع ذلك، لا يزال غالبية الأمريكيين ( 68%) يعتقدون بقدرتهم على الوصول لهذا الحلم في استطلاع لمؤسسة جالوب في عام 2026 برغم أن النسبة منخفضة بـ4% مقارنة بآخر استطلاع في عام 2024. بل إن أغلبية الديمقراطيين والجمهوريين يرون في ذلك الاستطلاع أن الحلم الأمريكي غير مكتمل، وأنه ليست قصة نجاح أو فشل، فهو لا يزال قائماً، وإن كانت العقبات الاقتصادية جعلت الشعور بإمكانية تحقيق أصعب[21].

2-  الحلم الصيني.. صعود على أسس جماعية: على خلاف النموذج الأمريكي، انطلق الحلم الصيني من ثقافة جماعية (كونفوشيوسية) تركز على التناغم والولاء والاعتقاد بأن التغيير مستمر وأولوية الأمة على الفرد. لهذا بدا مسار هذا الحلم تدريجياً متراكماً في بلوغه القوة والثروة والعلم في السياسة العالمية، حيث يمزج بين المجد التاريخي القديم والمعاناة التي واجهتها الصين، بما جعل النهضة القومية عنصراً أساسياً في حلمها العام. انطوى هذا الحلم الصيني على ثلاثة مستويات تستوعب الأحلام الخاصة والعامة: شخصية (وظائف مستقرة، تعليم راقي، ضمان اجتماعي)، وطنية (دولة اشتراكية حديثة وناهضة يرتبط فيها مصير الفرد بالأمة)، عالمية (بناء عالم يسود فيه السلام والازدهار المشترك، رفض الهيمنة الأمريكية والسعي لنظام عالمي متعدد الأقطاب) [22].

مع الصعود العالمي للحلم الصيني خلال العقدين الأخيرين تأثرت الأحلام الخاصة لأفراد المجتمع، إذ تظهر بعض الدراسات أن غالبية الصينيين يعتقدون أنهم سيكونوا أفضل مالياً من والديهم، بما يعكس تفاؤلاً بمستقبل الأمة. على المستوى العام، تفوقت الصورة العامة للصين على نظيرتها الأمريكية في السياسة العالمية، على صعيد الثقة في القيادة أو النظرة الإيجابية لها من الدول الأخرى[23]. مع ذلك، يواجه الحلم الصيني عقبات كغياب البعد الديمقراطي، وضعف الحريات الفردية، وانتهاك حقوق الإنسان، ناهيك عن أن السياسات الصينية في الخارج تثير القلق لدى بعض دول العالم، كدبلوماسية الديون[24].

3- الحلم الأوربي.. تراجع عام وسط بروز نموذج فنلندي: يعاني الحلم الأوربي أزمات اقتصادية واجتماعية جعلت دولة الرفاه التي استوعبت حقوق الأفراد ورغباتهم في الحرية وبناء مستوى معيشي أفضل في مأزق، خاصة مع صعود اتجاهات يمينية حزبية متطرفة ترفض التعددية والمهاجرين، فضلاً عن معضلات سياسية وأمنية ضاغطة على القارة العجوز، منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي في عام 2016 (البريكست)، ثم حرب أوكرانيا منذ العام 2022، والتي ضاعفت الضغوط الاقتصادية لصالح تصاعد الإنفاق الدفاعي، إضافة إلى تراجع الثقة في الحليف الأمريكي عبر حلف الأطلسي.

مع ذلك، تلمح صحيفة الفايننشيال تايمز إلى بروز نموذج فنلندي وسط أزمة الحلم الأوروبي، إذ انتهج نهجاً وسطياً مغايراً نسبياً عن المنطق الغربي في سياسات الأحلام، فهو اعتمد على قناعة بأن المجتمع يبنى لصالح الجميع، وليس خدمة لنخبة متميزة بما يوفر الحياة الجيدة، كحق متاح للأغلبية. لهذا، فإن نظام الأجور في هذا البلد متقارب ويقلص الفوارق بين المهن في مستويات المعيشة، حتى يشعر المواطنون بكرامة متبادلة وليس الدونية أو الاستعلاء الطبقي، وتدعم المناهج التعليمية والثقافة المحلية هذا النموذج غير التنافسي، إذ تدعو الفرد لعدم التفاخر والاعتقاد بأنه أفضل من الآخرين. ويتناقض هذا النموذج الفنلندي مع الحلم الأمريكي الذي يركز على الفرد والتنافس المحموم، كما يختلف عن نظيره الصيني في منحه مساحة أكبر للحريات والحقوق الفردية[25].

4- الحلم الشرق أوسطي.. من الشعارات إلى الكوابيس: في عقود ما بعد الاستقلال، نجحت العديد من دول الشرق الأوسط في بناء طبقة وسطى عبر توسع دور الدولة على السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبرغم أنها كانت سياسات منقوصة، بفعل غلبة التسلطية على الأنظمة السياسية، مع ذلك، وفرت شروطاً نسبية للحراك الطبقي للأفراد لتحقيق أحلامهم الخاصة، من خلال اتساع حقوق التعليم والصحة والتوظيف والسكن وغيرها.

مع تراجع تلك الدول عن وظائفها العامة، في العقود الثلاث الماضية إثر ضغوطات برامج الإصلاح الاقتصادي من المؤسسات المالية الدولية فضلاً عن توالي الأزمات الاقتصادية العالمية، تقزمت الطبقات الوسطى كمحفز للاستقرار العام، إذ انخفضت قدراتها الشرائية والادخارية، وبات عليها تحمل الإنفاق على نوعية كفؤة من التعليم قد لا توفرها الدولة، خاصة مع ارتفاع سقف التوقعات الفردية بفعل تداعيات العولمة.

في ظل تآكل العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، برزت ثورات 2011 في المنطقة لتحمل شعارات كالحرية والعدالة والكرامة والتي شكلت أحلاماً فردية وجماعية تسعى لتحقيق حياة أفضل، لكنها تحولت إلى كابوس لم تبرأ منه المنطقة، على مدى أكثر من عقد ونصف، ليس بسبب مشكلة الحلم نفسه أو أهدافه التي تظل مشروعة، لكن بفعل سوء إدارته والتي قادت إلى تفجر الصراعات والحروب الأهلية وانتشار الإرهاب والتدخلات الخارجية.

هذا الفشل يرجع إلى مزيج من العوامل يتصدرها بالأساس أزمة الدولة الهشة غير القادرة على أداء وظائفها العامة بكفاءة، فضلاً عن ضعف البنية المؤسسية على المستويين السياسي والاقتصادي في المنطقة، بفعل عملية تركيز السلطة السياسية والاستحواذ على الثروة في يد نخبة محدودة لا تخضع للمحاسبة أو الرقابة القانونية الحقيقية[26]. بالتالي، لم يكن هنالك قدرة استيعابية لا للأحلام الخاصة ولا العامة. عزز هذا الفشل تصاعد المنافسات الإقليمية والدولية على دول المنطقة، خاصة التي تمر بصراعات وحروب أو أزمات اقتصادية، بما جعلها منكشفة أمام القوى الخارجية.

مع تصاعد حدة الصراعات والأزمات في المنطقة إلى حد أصبح بقاء بعض الدول موضعاً للشكوك، كحالات مثل السودان وليبيا واليمن وسوريا، تراجع سقف الأحلام الخاصة والعامة إلى مستوى "الحلم المتاح"، أي الذي يتطلع فيه الأفراد أو الجماعات إلى تحقيق الحد الأدنى من احتياجات البقاء والأمن والمعيشة،[27] لاسيما مع هيمنة القلق الاقتصادي والأمني على اتجاهات الرأي العام في المنطقة. ففي استطلاع للبارومتر العربي، نشرت نتائجه في فبراير 2026 صنف المواطنون في المنطقة الموقف الاقتصادي كأهم تحدي يواجه بلدانهم، ثم جاء الفساد ومشاكل الإدارة الحكومية بالمرتبة الثانية، مما يعكس استمرار ضعف الثقة العامة [28].

في ظل هذا القلق الاقتصادي، ناهيك عن المأزق الأمني العام بالمنطقة، يرغب أكثر من نصف الشباب العربي في الهجرة للخارج[29]، في محاولة لتحقيق أحلامهم الخاصة، حتى مع ارتفاع المخاطر أو القيود التي تفرضها سياسات الدول الغربية تجاه الهجرة. ولعل ما جرى مؤخراً في أكبر موجات العبور الجماعي من المغرب إلى مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الأسبانية، وراح ضحيتها عشرات الوفيات، يكشف ليس فقط مساعي أفراد لتحقيق أحلامهم الخاصة في حياة أفضل (فرص عمل، أجور أعلى، خدمات عامة كفؤة[30]، حتى لو قادت لحتفهم، لكن أيضاً عن مأزق هيكلي لدول المنطقة – بما فيها الدول الأكثر استقراراً كالمغرب- التي لم تنجح في استيعاب أحلام أولئك الأفراد في إطار حلم جماعي.  

ختاماً، لم تعد أحلام الأفراد في بعديها النفسي أو تجلياتها الحقوقية مجرد مساحات ذاتية خاصة تبتعد عن السياسة العامة، بل تتأثر بها في حالة اللاوعي أو الوعي، وتؤثر في الوقت نفسه في الدفع نحو سياسات أحلام تسعى إلى استيعاب التطلعات الخاصة والجماعية لخلق مستقبل أفضل للدول والمجتمعات. لكن نجاح هذه السياسات يظل رهناً بالقدرة على التمثيل الكفء والمؤسسي والعادل للحلم العام، كي يصبح قادراً على التحول إلى حقائق ملموسة، وليس كوابيس تطارد الأفراد في نومهم ويقظتهم. 


[1] أحياناً يحدث خلط في النقاش العام بين حق الفرد وحلمه، فالأول هو التزام على الدول الحديثة كحق التعليم أو الصحة أو السكن أو غيره والثاني هو تطلع أو رغبة تخص الفرد، بالتالي توفر الدول عبر هذه الحقوق شروطاً أو أرضية لتحقيق أحلام الفرد لكنها ليست معنية بأن يصبح عالماً شهيراً أو يكون ثروة، فذلك يتعلق بالقدرة والطموح الشخصي. مع ذلك يجري الارتباط إلى حد الترادف بين الحق والحلم في البيئات السياسية والاجتماعية المحرومة من الحقوق الأساسية للأفراد التي تصبح بمثابة أحلام لهم يسعون لتحقيقها، فعندما مثلاً لا يتوفر للفرد حق التعبير عن نفسه، فإنه يصبح حلماً. 

[2] للتوسع أنظر: سيجموند فرويد، تفسير الأحلام، ترجمة د. مصطفى علوان، مراجعة د. مصطفى زيور، دار المعارف، القاهرة، 1994.     

[3] Hurd Ryan, The Dream Theories of Carl Jung, https://dreamstudies.org/carl-jung-dream-interpretation/

[4] Zadra, A., Desjardins, S., & Marcotte, É. Evolutionary function of dreams: A test of the threat simulation theory in recurrent dreams. Consciousness and Cognition: An International Journal, 15(2), 2006 https://doi.org/10.1016/j.concog.2005.02.002.

[5] Bowater, M. Dreams and Politics: How Dreams May Influence Political Decisions Psychotherapy and Politics International, 10: 2012 https://doi.org/10.1002/ppi.1247

[6] Von Grunebaum, G. E., & Caillois, R. (Eds.). The Dream and Human Societies (1st ed.). University of California Press 1966 https://doi.org/10.2307/jj.5233011.

[7] ibid.

[8] د.أحمد زايد الحق في الحلم: أفق المستقبل، موقع مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، مصر، 27 يناير 2021 https://shorturl.at/ZAZIC

[9] Rogoff, Seth. The Politics of the Dreamscape. Palgrave Macmillan, 2021. https://link.springer.com/book/10.1007/978-3-030-74796-1

[10] Beradt, C. and Searls, D. The Third Reich of dreams: The nightmares of a nation. Princeton: Princeton University Press 2025, https://doi.org/10.2307/jj.21378306.

[11] علي عناد عاشور. "الرؤيا وأثرها في حركة التاريخ الإسلامي من (242 - 432 هـ / 863 - 1050 م)." مجلة الدراسات المستدامة، المجلد 5، العدد 3 (ملحق)، 2023 https://shorturl.at/hcPKv

[12] Bowater, M. op.cit https://doi.org/10.1002/ppi.1247

[13] Ibid.

[14] McAfee, N. Dreaming in dark times: Six exercises in political thought. Contemp Polit Theory 18 (Suppl 2), (2019). https://doi.org/10.1057/s41296-018-0193-8

[15] Bulkeley, K.. Sleep and dream patterns of political liberals and conservatives. Dreaming, 16(3), 2006 . https://doi.org/10.1037/1053-0797.16.3.223

[16] Bowater, M op.cit https://doi.org/10.1002/ppi.1247

[17] Loizidou, Elena. "Dreams and the Political Subject." In Vulnerability in Resistance, edited by Judith Butler, Zeynep Gambetti, and Leticia Sabsay, Durham: Duke University Press 2016.

[18] will bradley dreaming of dreaming in dream politics uks forum issue no1 2009 https://www.uks.no/wp-content/uploads/2024/10/UKS-FORUM-2009-1-2-Dream-Politics.pdf

[19] Duncombe, Stephen. Dream: Re-Imagining Progressive Politics in an Age of Fantasy. The New Press, 2007.

[20] Jennifer Hewett ,How Trump has soured my American dream 3 apr 2025

https://www.afr.com/policy/foreign-affairs/how-trump-has-soured-my-american-dream-20250403-p5louv

[21] Belief that anyone can achieve the American Dream is fading, poll finds washingtonpost 18 july 2026 https://www.washingtonpost.com/nation/2026/06/18/belief-that-anyone-can-achieve-american-dream-is-fading-poll-finds/

[22] Pena, D. S. Comparing the Chinese Dream with the American Dream. International Critical Thought, 5(3), 2015. https://doi.org/10.1080/21598282.2015.1064777

[23] China and Xi are seen more favorably than the US and Trump in many nations, new survey says, AP,16JULY 2026 https://apnews.com/article/china-trump-global-views-pew-survey-e69dbd8cdb57fba36e28d0b42390ed8d

[24]  The World in the Dream of China: How is Xi Jinping’s China Dream Transforming Global Power and Order. December 2, 2024.  https://foreignanalysis.com/the-world-in-the-dream-of-china/.

[25] Jinu Koola The Norwegian case for mediocracy Jul 18 2026 https://www.ft.com/content/0fe0455d-8633-4e1a-ab8f-f8cd94d60035

  [26]أنظر أسباب فشل الدول التي ركزت على معضلة المؤسسات: دارن اسيموجلو، جيمس روبنسون، لماذا تفشل الأمم .. أصول السلطة والإزدهار والفقر، ترجمة بدران حامد، الدار الدولية للاستثمارات الثقافية، 2014. 

[27] يتشكل هرم أبراهام ماسلو للاحتياجات الإنسانية من خمس مستويات من القاعدة للقمة: الاحتياجات الفسيولوجية (البقاء، التنفس، النوم، المأوي)، احتياجات الأمان (الشخصي والوظيفي والصحي والمالي)، الاحتياجات الاجتماعية (علاقات اجتماعية وأسرية وعاطفية)، تقدير الذات ( الحاجة للاحترام والتقدير)، وأخيراً في قمة الهرم تحقيق الذات (استغلال القدرات الابداعية والابتكار).

[28] نتائج جديدة للباروميتر العربي في تقرير المجموعة التشاورية حول الشرق الأوسط الصادر عن مؤتمر ميونخ للأمن البارومتر العربي، 13 فبراير 2026 https://shorturl.at/bpUte

[29]  الجزيرة. نت استطلاع للرأي: أكثر من نصف الشباب العربي يتطلعون للهجرة 13/8/2023 https://shorturl.at/UdTXg

[30]  بي بي سي ما الذي يدفع الشباب العربي للمخاطرة بحياته في هجرة غير نظامية؟ 2 أغسطس 2026 https://www.bbc.com/arabic/articles/cn4nw1zkge3o.amp


رابط دائم: