انتباه الثواني الأولى: تحولات المجال المعلوماتي أثناء الأزمات
2026-8-4

رانيا مكرم
* مدير تحرير التقرير الاستراتيجي، ورئيس برنامج الدراسات الإعلامية والرأي العام

 

لم تستغرق الهزة الأرضية التي شعر بها المصريون فجر الإثنين 3 أغسطس 2026 سوى ثوانٍ معدودة، لكنها كشفت عن ظاهرة تتجاوز الحدث الجيولوجي ذاته، وهي الكيفية التي يتعامل بها المجتمع مع المعلومات في اللحظات الأولى للأزمات. فبمجرد اهتزاز الأرض، اتجه الملايين إلى منصات التواصل الاجتماعي، التي تحولت خلال دقائق قليلة إلى مساحة مفتوحة لتبادل الشهادات والصور ومقاطع الفيديو والتوقعات، قبل أن تصدر البيانات الرسمية التي قدمت المعلومات المؤكدة عن قوة الزلزال ومركزه، ثم لاحقاً عن حجم الأضرار التي نتجت عنه.

وبالتالي؛ كشفت هذه اللحظة أن الكوارث الطبيعية لم تعد تقتصر على كونها أحداثاً طارئة تجذب الانتباه اعتماداً على شدة خطورتها، بل تحولت في زمن الحدث المبكر لأزمة معلوماتية، في ظل تأخر أو غياب تدفق المعلومات الرسمية لبعض الوقت، بما يسهم في الحد من الشائعات، وبناء الثقة في المصادر الرسمية. ومن ثم، فإن الزلزال الذي شعر به المصريون مثّل حالة يمكن من خلالها قراءة طبيعة المجال المعلوماتي المصري، وكيفية تشكل الرأي العام في لحظات عدم اليقين الأولى.

فجوة الحماية الرقمية

بين لحظة وقوع الكارثة الطبيعية أو الأزمة المباغتة ولحظة استقرار الرواية الرسمية بشأنها وتدفق المعلومات حولها، تنشأ فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز في كثير من الأحيان دقائق، لكنها تصبح الأكثر تأثيراً في تشكيل إدراك الرأي العام. في هذه الفترة، يصبح إنتاج الرواية الأولى للأزمات عملية موزعة بين عدد من الفاعلين، (المواطن، وسائل الإعلام، المؤسسات الرسمية)، ولكل منهم مصدر مختلف لشرعية روايته.

فالمواطن يمتلك شرعية الشهادة المباشرة، لأنه ينقل ما يراه أو يشعر به. فيما تمتلك وسائل التواصل الاجتماعي شرعية السرعة والانتشار، لقدرتها على إيصال هذه الشهادات إلى ملايين المستخدمين خلال لحظات. أما المؤسسات الرسمية، فتمتلك شرعية التحقق، بما تملكه من أدوات الرصد العلمي، والقدرة على جمع المعلومات، وإصدار البيانات الموثقة. في ظل هذا التعدد، يصبح التساؤل الأهم هو؛ من يقود الرواية خلال الثواني الأولى من الأزمة؟

تكتسب الإجابة على هذا التساؤل أهمية متزايدة في ظل التحول الرقمي، الذي جعل المجال المعلوماتي أحد المكونات الأساسية للأمن المجتمعي التي تتزايد فيها أولوية سرعة إدارة المعلومات وتوجيهها للمتلقي، والقدرة على تقليص فترة الفراغ المعلوماتي الناتج ربما عن ضعف اتصالي للمؤسسات المعنية، أو استغراق وقت أطول للتحقق من المعلومة وجاهزيتها لدى هذه المؤسسات، بهدف منع تحول فترة الفراغ المعلوماتي إلى بيئة خصبة للشائعات أو التفسيرات المتضاربة.

زاد من هذه الفجوة المعلوماتية التي حدثت لدقائق عقب حدوث الزلزال، قدرة بعض أجهزة الهواتف المحمولة بنظام "أندرويد" الذي طورته شركة "جوجل"، قبل وصول موجات الزلزال إلى بعض المناطق على رصد حركة طبقات الأرض قبل حدوث الزلزال الفعلي، وإنذار مستخدمي هذه الهواتف قبل وقوعه بثوانٍ معدودة، الأمر الذي فتح الجدل داخل المجال العام حول القدرة على التنبؤ بحركة الزلازل من عدمه.

 غير أن التحول الأهم في هذا التطور هو ما يمكن اعتباره انتقالاً في إدارة المخاطر من الاعتماد على الإنذارات والإرشادات الصادرة عن المؤسسات الحكومية إلى منظومات رقمية عابرة للحدود، تطورها شركات التكنولوجيا العالمية ولا تتاح للجميع، وهو ما يضع على عاتق المؤسسات الحكومية المعنية عبء العمل في داخل بيئة معلوماتية أكثر تعقيداً، تتسم بتعدد المنتجين، وتسارع تداول المعلومات، وصعوبة احتكار الرواية الأولى.

أدوار جديدة للفضاء الرقمي في إدارة الأزمات

1- تحول المجال العام إلى شبكة رصد رقمية: عقب وقوع الزلزال عملت المشاركات على الصفحات والحسابات الشخصية في وسائل التواصل الاجتماعي وكأنها شبكات رصد مجتمعي للحدث، من خلال تبادل الشهادات حول أماكن الشعور بهزات الزلزال، ودرجة عنفه، والتأثير الناتج عنه في بعض العقارات في مناطق البؤرة الزلزالية، وذلك قبل أن تنشر الخرائط الزلزالية أو تصدر البيانات الفنية عن المؤسسات المعنية، حيث قدم آلاف المستخدمين دون تنسيق مسبق، خريطة أوّلية لانتشار الهزة، من خلال منشورات قصيرة مثل: "شعرنا بها في الجيزة"، "كانت قوية جداً في الإسماعيلية"، "لم نشعر بها في أسوان".

أدى تجميع هذه الشهادات إلى تكوين صورة تلقائية لخريطة رقمية موازية، لما أشارت لها أجهزة الرصد الرسمية. حتى وإن لم تكن هذه الخريطة دقيقة بالمعنى العلمي، لكنها كانت ذات قيمة اجتماعية بتقديمها تصور أوّلي عن اتساع نطاق الحدث، وساعدت المواطنين على تفريغ جزء من مخاوفهم وقلقهم من خلال هذه المشاركات.

2- تحول منصات التواصل إلى مصدر مُكمِّل للمعلومات: في حالات كوارث طبيعية سابقة ونظراً لحدوث أضرار ناتجة عنها، تحولت مشاركات المواطنين إلى مصدر مساعد في إدارة الأزمة. إذ عملت دول عدة بالفعل في توظيف البيانات التي ينتجها المواطنون عبر المنصات الرقمية لرصد الحرائق، والفيضانات، والزلازل، والأوبئة، باعتبارها مصدراً مُكمِّلاً للمعلومات الرسمية، وليس بديلاً عنها.

فبعد زلزال تركيا وسوريا عام 2023، تحولت منصات التواصل إلى وسيلة للإبلاغ عن أماكن العالقين تحت الأنقاض، وطلب فرق الإنقاذ لمناطق معينة، حتى إن العديد من البلاغات الأولى وصلت عبر منشورات أو رسائل رقمية قبل وصولها عبر القنوات التقليدية.

ويعد ما حدث خلال حرائق جنوب كاليفورنيا عام 2007 من أوائل النماذج التي لفتت انتباه الباحثين إلى الدور المتنامي للمواطنين في إنتاج المعلومات أثناء الأزمات. فقد اعتمد السكان على المدونات ومنصات التواصل والصور الرقمية لتبادل معلومات لحظية عن امتداد الحرائق، وإغلاق الطرق، وعمليات الإجلاء، وهو ما وفر معلومات محلية لم تكن متاحة بالسرعة نفسها عبر القنوات الرسمية. وقد اعتبرت دراسات لاحقة هذه التجربة نقطة تحول في فهم دور "المواطن المنتج للمعلومات" "Citizen Journalism"، وأظهرت أن المحتوى الذي ينتجه الجمهور يمكن أن يسهم في تعزيز الوعي الخاص بتطور معين لفترة محددة "Situational Awareness" إذا خضع لآليات تحقق مناسبة، ليصبح مُكمِّلاً للمعلومات الرسمية لا بديلاً عنها[1].

ومن ثم؛ يمثل الانتقال من النظر إلى المواطنين باعتبارهم مصدراً للفوضى المعلوماتية، إلى اعتبارهم مصدراً للإنذار المجتمعي المبكر، تحولاً مهماً في نمط إدارة الأزمات، وذلك بإيجاد آلية لدمج هذه المشاركة داخل منظومة تحقق مؤسسية سريعة.

3- الطمأنة الاجتماعية "Social Reassurance": على الرغم من أن مشاركات مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي الأولى كانت في أغلبها كلمة واحدة وهي: "زلزال" كنوع من تقرير لواقع وتنفيس لحالة خوف صاحبت الشعور بالهزة الأرضية، لاسيما في ظل قوتها واستمرارها لجزء من الدقيقة، أو السؤال "حد حس بالزلزال؟"، فإن الردود على هذه المشاركات عادة ما تؤدي وظيفة اجتماعية عميقة تمارسها المنصات الرقمية أثناء الأزمات وهي التضامن والإحساس بعدم الوحدة في مواجهة الخطر.

إذ يرى المتخصصون أن الإنسان، في لحظات المفاجأة الأولي، لا يبحث بالضرورة عن فنيات تفسير الأزمة أو الكارثة الطبيعية، وإنما يبحث عن الآخرين يشاركوه نفس الشعور، والتأكد من أنه لم يمر بتجربة فردية، وأن المجتمع يشاركه الإحساس ذاته. ولذلك تتحول منصات التواصل، قبل أن تكون مصدراً للمعلومات، إلى مساحة لإعادة بناء الشعور بالأمان الجماعي. ولهذا السبب، يصعب تفسير الإقبال الكثيف على وسائل التواصل الاجتماعي عقب الكوارث باعتباره مجرد بحث عن الأخبار، لأنه في جوهره بحث عن المجتمع نفسه.

وبالتالي، فإن هذا الدور على أهميته يفرض على المؤسسات الرسمية إعادة التفكير في خطابها الاتصالي بالجمهور المتلقي أثناء الأزمات. فالبيانات التي تكتفي بالأرقام والحقائق قد تكون صحيحة، لكنها تظل بعيدة عن إشباع الاحتياج النفسي للطمأنة من جانب الجمهور.

4- تعدد فاعلي المجال المعلوماتي: مع التسليم بأن التحول الرقمي قد أعاد توزيع سلطة إنتاج المعلومات أثناء الأزمات، لم يعد أي طرف قادراً على الانفراد بقيادة المجال المعلوماتي، وإنما أصبحت هذه القيادة موزعة وظيفياً بين ثلاثة فاعلين رئيسيين، لكل منهم دور مختلف ومصدر مغاير للشرعية والتأثير.

يتمثل الفاعل الأول في المواطن، الذي أصبح المنتج الأول للمعلومة، مستنداً إلى حضوره المباشر في موقع الحدث، وقدرته على نقل المشاهدات والصور ومقاطع الفيديو بصورة لحظية. وتكمن قيمة هذا الدور في سرعة إنتاج المعلومة الأوّلية، وإن كانت تظل بحاجة إلى التحقق والتدقيق قبل الاعتماد عليها في بناء تقديرات الموقف.

الفاعل الثاني هو وسائل الإعلام التقليدية والرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي، التي تؤدي دور الوسيط الذي يجمع آلاف الشهادات الفردية، ويعيد تنظيمها، ويمنح بعضها أولوية الظهور والانتشار من خلال الخوارزميات أو المعالجة التحريرية. وبهذا المعنى، أصبحت هذه المنصات فاعلاً مؤثراً في تشكيل أجندة الاهتمام العام، وفي تحديد أي الروايات تحظى بالانتشار الأكبر خلال الساعات الأولى للأزمة.

أما الفاعل الثالث فهو المؤسسات الرسمية المعنية، التي تحتفظ بشرعية التحقق وإضفاء الصفة الرسمية على المعلومات، غير أن هذا الدور لم يعد يبدأ من نقطة الصفر، كما كان الحال في السابق، بل أصبح يمارس داخل مجال معلوماتي تشكلت ملامحه الأوّلية بفعل التدفق الكثيف للمحتوى الذي ينتجه المواطنون وتتداوله المنصات الرقمية، مع ضرورة الإشارة إلى أن هناك تبادلاً في ترتيب أدوار هؤلاء الفاعلين، حسب حدة الأزمة، وشعور المواطنين بحجم الكارثة الطبيعية. فعلى الرغم من أن دور المؤسسات الرسمية في حالات الزلازل الكبرى يأتي لاحقاً لدور المواطن والمنصات الاجتماعية، فإن تلك الظواهر الطبيعية التي لا يمكن إدراكها بالحواس مثل الزلازل ذات المؤشرات شديدة الانخفاض، وتغيرات الطقس المستقبلية لأيام وأسابيع قادمة، عادة ما تكون للمؤسسات الرسمية الريادة فيها، لأنها الوحيدة التي تمتلك المعلومة عن تطور غير محسوس. وبالتالي، تكشف هذه المعادلة أن العلاقة بين الفاعلين الثلاثة ليست علاقة تنافس صفري يسعى فيها أحد الأطراف إلى إلغاء الآخر أو تهميشه، وإنما علاقة تكامل وتداخل في الأدوار.

وتكشف التجربة التي صاحبت الزلزال الذي شعر به المصريون أن التحول الرقمي لم يغير فقط وسائل تداول المعلومات، وإنما أعاد تشكيل طبيعة إدارة الأزمات ذاتها. فالمواطن لم يعد متلقياً ينتظر البيان الرسمي، بل أصبح منتجاً للمعلومة الأوّلية، وأصبحت المنصات الرقمية فضاءً لتشكيل الإدراك العام، بينما باتت المؤسسات الرسمية مطالبة بالعمل داخل مجال معلوماتي سريع التغير، تتعدد فيه مصادر المعلومات وتتسارع فيه وتيرة تداولها.

في هذا السياق، يمكن القول إن المحددات التي تقوم عليها إدارة الأزمات في الوقت الحالي والتي تشمل أهداف الرصد، والاستجابة، والتعافي، قد اتسعت لتشمل محدداً آخر لا يقل أهمية وهو إدارة المجال المعلوماتي. إذ بات نجاح الدولة في التعامل مع الكارثة يعتمد إلى جانب قدرتها على احتواء آثارها الميدانية، على قدرتها على إدارة تدفق المعلومات منذ اللحظات الأولى، وتقليص الفراغ المعلوماتي، والحفاظ على ثقة المواطنين في المصادر الرسمية، وذلك من خلال تطوير نموذج جديد يقوم على الحضور المبكر، وسرعة التحقق، وشفافية التواصل، والاستفادة من البيانات التي ينتجها المجتمع باعتبارها مصدراً مساعداً للرصد.

ومن ثم، فإن أهم الدلالات المستنتجة من حدث الزلزال الأخير يكمن في أنه كشف عن أن الثواني والدقائق الأولى للأزمات أصبحت تمثل مساحة استراتيجية تتحدد خلالها أولويات اهتمام المجال العام، ومستوى الثقة في المؤسسات الرسمية، وطبيعة استجابة المجتمع.

ومن هنا، فإن الاستثمار في الاتصال المؤسسي، وتطوير منظومات الإنذار المبكر، وتعزيز جاهزية المؤسسات لإدارة المجال المعلوماتي، قد أصبح جزءاً أصيلاً من منظومة الأمن الوطني وبناء القدرة على مواجهة الأزمات، وذلك مع التسليم بأن المجال المعلوماتي قد أصبح ساحة موازية لإدارة الأزمات؛ إذ أنه في الوقت الذي تتحرك فيه مؤسسات الدولة لاحتواء آثار الكارثة على الأرض، يتشكل على المنصات الرقمية إدراك المجتمع لها. ومن ثم، فإن كفاءة إدارة الأزمات في العصر الرقمي باتت تعتمد على القدرة على إدارة الرواية العامة منذ اللحظات الأولى.


[1] S. Gillette, J. Taylor, Deborah J. Chavez, R. Hodgson, J. Downing, Citizen journalism in a time of crisis: lessons from a large-scale California wildfire, The Electronic Journal of Communication/La Revue Electronique de Communication, https://research.fs.usda.gov/download/treesearch/37026.pdf. Volume 17 Numbers 3 & 4, 2007.


رابط دائم: