كيف تزايد انتشار ظاهرة "التنمر السياسي" في العلاقات الدولية؟
2026-7-31

د. محمد عز العرب
* رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تزايد انتشار ظاهرة "التنمر السياسي" Political Bullying في العلاقات الدولية، في الآونة الأخيرة، سواء داخل الدول أو بين الدول من خلال استخدام النخب والأفراد العاديين الكلمات النابية والألفاظ المسيئة والسخرية المتبادلة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي للتقليل من قيمة الخصم، ومحاولة نزع الشرعية عن الطرف الآخر وتصويره كخائن أو عاجز لإخراجه من الاستحقاقات الانتخابية بعد فقدان الهيبة وإضعاف المصداقية، واستخدام النخب السياسية في الدول الكبرى للقوة العسكرية المفرطة، وممارسة الضغوط الاقتصادية، وفرض الإرادة السياسية على الدول الضعيفة، لإحبارها على تبني توجه محدد أو اتخاذ قرار معين، بما يصب في اتجاه المصلحة الوطنية لهذه الدول، على نحو يعكس حالة الاستقواء السياسي للطرف القوي في مواجهة الطرف الضعيف أو عدم التوازن في القوة.

إن تعبير "التنمر" حديث الاستخدام في العلوم السياسية، ولكن جوهره قديم لأنه يتوافق مع كلمات تعبر عن نفس المعنى وردت في معاجم اللغة العربية مثل الاستهزاء والإساءة والتشهير والتعنيف والاستعلاء والاستقواء والتسلط والتهكم، عن طريق القصد وليس بمحض الصدفة، على نحو ما يستخدمه السياسيون في بعض الأحيان، متى تطلبت السياقات الحاكمة ذلك في ظل بيئة حاضنة للعصبية القبلية والطائفية والفئوية والعائلية، كالتي تعج بها بعض المجتمعات العربية، وهي جميعاً يحويها أو يضمها التنمر. وقد بدا أن التنمر يستخدم بشكل مكثف في الأحاديث العادية والكتابات الصحفية وحتى التصريحات الرسمية لوصف دولة أو توجهات مجموعة من الدول أو العلاقة بين دول تصنف بأنها "حليفة" أو "خصم"، وكذلك التعبير عن أسر نخب سياسية في الحكم، أو طريقة الحد من استخدام الأطفال لـ"منصة إلكترونية" وغيرها.

حالات عاكسة

تتعدد الحالات الدالة على تمدد ظاهرة التنمر السياسي في العلاقات الدولية، على النحو التالي:

1- حصول مناضلة على مقعد في البرلمان الجزائري رغم التنمر المجتمعي: وجهت البرلمانية الجزائرية زهية بن قارة، أول رسالة بعد حصولها على مقعد في الغرفة السفلى بالبرلمان، في 29 يوليو 2026، بعدما واجهت حملة تنمر قاسية على مواقع التواصل الاجتماعي بعد ظهورها في برنامج تلفزيوني بسبب صوتها وهيئتها، وتوصف في الداخل الجزائري بأنها المرأة الحديدية ونموذج للمرأة المناضلة التي واجهت التنمر بالعقل والحكمة. وقد تعهدت بالمساهمة في تقديم مشاريع قوانين تخدم الوطن والشعب الجزائري خلال العهدة التشريعية العاشرة. ولا تبدي بن قارة تأثراً كبيراً بما تعرضت له من تنمر، وأكدت في تصريحات سابقة قائلة: "التنمر الذي تعرضت له وما زلت أتعرض له لم يحرك فيّ ساكناً، ولا يهمني هذا الأمر، ولن يعيقني عن مساري".

2- محاولة الولايات المتحدة إخضاع إيران لسياستها بالتنمر: إن أحد أشكال التنمر السياسي في العالم إجبار دولة قوية لدولة ضعيفة على الخضوع لسياستها، على نحو ما ينطبق على حرب الولايات المتحدة على إيران. وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في ختام اجتماع وزراء خارجية منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان بتاريخ 25 يوليو 2026: "إن منظمة شنغهاي للتعاون منظمة تقدمية تضم غالبية دول منطقتنا التي تعارض السياسات الأحادية للولايات المتحدة والغرب والمؤسسات الغربية التي تسعى لفرض هيمنتها على العلاقات الدولية. وهي منبر لتبادل الآراء ومناقشة الإدارة العالمية المثلى ومواجهة السياسات الأحادية للولايات المتحدة"، مضيفاً: "تركزت مناقشات اليوم بشكل أساسي على مواجهة السياسات الأحادية للولايات المتحدة والغرب". وقال عراقجي: "من الطبيعي أن نناقش المبادرات والمقترحات مع باكستان بصفتها وسيطًا بيننا وبين الولايات المتحدة. لا توجد مشكلة في وجود وسيط بيننا وبين الولايات المتحدة حالياً، فهناك وسيط بالفعل، ويتم تبادل الرسائل والآراء، لكن المشكلة تكمن في أساليب الترهيب والتنمر التي تمارسها الولايات المتحدة". وأضاف: "أظهرت إيران أنها لن ترضخ للتنمر الأمريكي، ولن نستجيب بأي شكل من الأشكال للغة القوة والضغوط والتهديدات".

3- تزايد فجوة الثقة بين إيران ودول الخليج بعد حرب 28 فبراير في ظل سياسات تنمر طهران: تحولت إيران من مصدر تهديد محتمل لدول الخليج إلى مصدر تهديد فعلي، سواء عبر سياسات فعلية أو ايحاءات لفظية للتنمر على دول الخليج خاصة في ظل إتباع الأخيرة سياسة الدفاع دون الإنجرار إلى الهجوم. وفي هذا السياق، أكد المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش، عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس" في 21 مايو 2026، إن الثقة مع إيران "مفقودة ولا يمكن استعادتها بالشعارات"، مضيفاً أن استعادة العلاقات الطبيعية مع المحيط العربي تتطلب التزاماً حقيقياً بمبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول. وتابع: "تعودنا على التنمر الإيراني عبر عقود طويلة حتى أصبح جزءاً من المشهد السياسي في الخليج العربي، وضاعت المصداقية بين خطاب عدواني وبيانات صداقة جوفاء".

4- سعي الرئيس ترامب للسيطرة على جزيرة غرينلاند في مقابل رفض فرنسي للاستسلام للمتنمرين: لم يعد الرئيس ترامب يرى في العلاقات الدولية منظومة قواعد قائمة أو مصالح مشتركة، بل سلسلة مزادات تاريخية يمكن إعادة فتحها كلما سنحت الفرصة. لذلك تبدو غرينلاند بالنسبة له ملفاً عقارياً بقدر ما هي ملف جيوسياسي: أرض واسعة، موارد معدنية نادرة، قيمة قطبية متعاظمة مع ذوبان الجليد. لذا، قال ترامب، في 7 يوليو 2026، إنه ينبغي ⁠أن تؤول السيطرة على جزيرة غرينلاند للولايات المتحدة لا إلى الدنمارك، وذلك بينما يجتمع قادة حلف شمال الأطلسي "الناتو" في قمة بتركيا. وقد أثارت تصريحات ترامب بشأن الإصرار على استحواذ الولايات ‌المتحدة على "غرينلاند"، وهي منطقة دنماركية تتمتع بحكم شبه ذاتي، أو ‌السيطرة عليها، توتراً ‌بين واشنطن وكوبنهاجن، وعلى نطاق أوسع في أوروبا، بل هو أقرب إلى اختبار هيكلي لإعادة تعريف حلف شمال الأطلسي نفسه إذ قد ينقسم الناتو حول تعريف العدو ومنطق التوسع لاسيما بعد إرسال كوبنهاجن تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة ومحاولة ضبط الإيقاع الميداني كان رسالة مفادها أن الجزيرة ليست للبيع ولا للاحتلال، وأن كوبنهاجن مستعدة للعب دور الحارس السيادي حتى في وجه حليف تاريخي كالولايات المتحدة.

فواشنطن لديها مشروع واضح لتوسيع الامتداد الجيوسياسي الأمريكي من مناطق النفوذ التقليدية في الكاريبي وفنزويلا وقناة بنما إلى الفضاء القطبي الشمالي غرينلاند، حيث يسود اعتقاد لدى الرئيس ترامب بأن الولايات المتحدة قادرة على الاستحواذ على المضائق والجزر الاستراتيجية بالقوة، مبرراً محاولته بحجة أن روسيا والصين تتحركان بقوة في بحر الشمال، وأن المعادن النادرة في غرينلاند تعد جزءاً من معركة السيطرة على رئة الصناعات التكنولوجية، من البطاريات إلى أنظمة التوجيه العسكري. في المقابل، رفضت الدول الأوروبية وفي مقدمتها فرنسا بل إن ماكرون تحدث عن "رفض الاستسلام للمتنمرين".

كما وجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال تصريحات أدلى بها يوم 20 يناير 2026 من منتدى دافوس انتقادات إلى سياسة الإدارة الأميركية تجاه الحلفاء الأوروبيين، واعتبر أن "قبول نهج استعماري جديد ليس منطقياً"، مؤكداً أن "أوروبا تمتلك أدوات يجب استخدامها عندما لا يتم احترامها". وقال: "نفضل الاحترام على التنمر وسيادة القانون على الوحشية"، وهو ما يكشف أن باريس بدأت تستعيد خطاب الاستقلال الاستراتيجي الذي حاولت صياغته منذ زمن "ديغول"، لاسيما بعد أن فُرضت عليها واشنطن رسوم جمركية مضاعفة على خلفية دعمها للدنمارك وغرينلاند. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الفرنسي ماكرون لم يعترض على واشنطن باعتبارها حليفاً عسكرياً فحسب، بل باعتبارها منافساً اقتصادياً واستخبارياً يريد احتكار المعادن النادرة والبوابات القطبية التي تشكل مفاتيح الاقتصاد العالمي في القرن القادم.

5- اتهام الاتحاد الأوروبي لمنصة "تيك توك" بانتهاك قواعد السلامة الرقمية للأطفال والتعرض للتنمر الإلكتروني: وجهت هيئة تنظيمية تابعة للاتحاد الأوروبي، يوم 24 يوليو 2026، اتهامات لمنصة تيك توك، التابعة لشركة بايت دانس الصينية، بانتهاك قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالمحتوى الإلكتروني، وذلك بسبب خصائص في تصميم المنصة قد تُعرّض الأطفال للمتحرشين أو التنمر الإلكتروني أو التواصل مع المُسيئين، مما يُعرّض الشركة لخطر غرامة مالية باهظة تصل إلى 6% من إيراداتها السنوية العالمية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاتهامات، رابع اتهام يوجه إلى "تيك توك" خلال عامين، وهو ما يشير إلى أن حسابات تيك توك لا تفي بمعايير السلامة المنصوص عليها في قانون الخدمات الرقمية. وقد قدمت الشركة تنازلات لتجنب الغرامات في قضيتين سابقتين، بينما لا تزال قضية ثالثة قيد النظر. ولعل هذا التوجه الأوروبي يعبر عن بعد سياسي بالغ وهو الحرص على تنشئة جيل جديد يحارب التنمر الشبكي أو السيبراني، ويكون متزناً اجتماعياً.

6- تسارع توجه حكومات العالم لحظر منصات التواصل الاجتماعي على الأطفال، للحد من المخاطر المرتبطة بها، مثل التنمر الإلكتروني: أقرت مجموعة من الدول (والتي تقترب من أكثر من 20 دولة بحسب إحصائية أعدتها وكالة "فرانس برس" في 13 يوليو 2026) أو تدرس فرض حظر على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي (مثل "سناب شات" و"تيك توك" و"يوتيوب" و"إنستغرام" و"فيسبوك" و"إكس")، للأطفال أو تقييد الوصول إليها، لتجنب التعرض للمحتوى الضار، ومنها استراليا والمملكة المتحدة وفرنسا والنمسا وكندا والدنمارك وألمانيا واليونان والسويد وبولندا وسولفينيا وتركيا وأندونيسيا وماليزيا والبرازيل. ورغم أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الصحة النفسية للأطفال، فإنها أثارت أيضاً جدلاً واسعاً بشأن الخصوصية وآليات التحقق من العمر، فضلاً عن المخاوف من تدخل الحكومات بشكل مفرط في الحياة الرقمية للمستخدمين.

7- إدانة 10 أشخاص بقضية التنمر على بريجيت ماكرون تحت مزاعم "متحولة جنسيا": أُدين عشرة أشخاص في باريس، يوم 5 يناير 2026، (وهم ‍ثمانية رجال ⁠وامرأتان ‌تتراوح أعمارهم ⁠بين ‍41 و60 عاماً)،  في قضية التنمر الإلكتروني على سيدة فرنسا الأولى السابقة بريجيت ماكرون، في أحدث دعوى قضائية أثارتها ادعاءات كاذبة بأنها متحولة ‍جنسياً بعد أن وُلِدت رجلاً، فضلاً عن تشبيه فارق السن بينها وبين زوجها بـ"الاستغلال الجنسي للأطفال". وليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها الحديث عن "هوية" بريجيت ماكرون. فقد برَّأت مؤخراً محكمة استئناف في باريس امرأتين روجتا عبر الإنترنت لشائعة أنها متحولة. وقد استُهدفت العديد من السياسيات حول العالم بأخبار كاذبة بأنهن متحولين جنسياً، بينهن السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما، ونائبة الرئيس الأمريكي السابقة كامالا هاريس، ورئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة جاسيندا أرديرن.

8- وصف الصين الإجراءات الأمريكية الأحادية تجاه الإطاحة برئيس فنزويلا بأنها "تنمر": نظراً لأن الصين تعد شريكاً اقتصادياً وسياسياً لفنزويلا، فقد اتخذت موقفاً معارضاً لما قامته به الولايات المتحدة بالإطاحة بمادورو وانتقدت التدخل في الشئون الداخلية للدولة الكاريبية، حيث قال الممثل الصيني سون لي لدى الأمم المتحدة خلال اجتماع طارئ محتدم لمجلس الأمن الدولي عقد في نيويورك في 24 ديسمبر 2025 إن الإجراءات الأمريكية الأحادية تعد "تنمراً". واتهم السفير الفنزويلي لدى الأمم المتحدة صامويل مونكادا، واشنطن بشن "حرب حصار غير قانونية". وقال مونكادا: "يجب أن يعلم العالم أن التهديد ليس فنزويلا، التهديد هو حكومة (الولايات المتحدة) الحالية"، مضيفاً أن هدف واشنطن "ليس المخدرات، ولا الأمن، ولا الحرية، بل النفط والمناجم والأراضي".

9- وصف الصين للسياسات التجارية والملاحية للولايات المتحدة بالتنمر: انتقدت الصين ما وصفته بـ"التنمر الأمريكي" والاستقواء على بعض دول العالم، لا سيما بعد حرب الرسوم الجمركية التي اشتعلت مع الولايات المتحدة، مع مجئ الرئيس ترامب للسلطة في عام 2025. وفي هذا الإطار، نشرت وزارة الخارجية الصينية في منشور على حسابها بمنصة "إكس" في 29 ابريل 2025 فيديو لافتاً دعت فيه المجتمع الدولي إلى "الوقوف بوجه الزعيم الأمريكي المتنمر"، وفق وصفها. وقالت في المقطع المروج بالإنجليزية والمترجم بالصينية إن "الانحناء أمام المتنمر أشبه بتجرع السم لإرواء العطش، ويُفاقم الأزمة". كما أضافت أن "التاريخ أثبت أن الركوع لا يؤدي إلا إلى مزيد من التنمر، والصين لن تركع".

وسبقها بعدة أيام تصريح الرئيس الصيني شي جين خلال زيارته هانوي: "على الصين وفيتنام العمل سوياً لمواجهة التنمر الاقتصادي" الذي تمارسه الولايات المتحدة. فقد دعا جين بينج في 11 ابريل 2025، الاتحاد الأوروبي إلى العمل سوياً مع بكين للحفاظ على اتجاه العولمة الاقتصادية وبيئة التجارة الدولية، لمقاومة ما وصفه بـ"التنمر الأحادي"، وسط حرب تجارية مع الولايات المتحدة، عارضاً تعميق العلاقات مع أوروبا، ومحذراً من أنه "لا يوجد رابح في الحرب التجارية"، حيث أن معاداة العالم لن تؤدي إلا إلى العزلة الذاتية. على صعيد آخر متصل، هاجمت الصين في 29 يوليو 2022 تصريحات وزير البحرية الأمريكي كارلوس ديل تورو في مقابلة مع وكالة "أسوشييتد برس" بعد انتقاده تصرفات بكين العدوانية المتزايدة في بحر الصين الجنوبي، قائلةً إن الانتشار العسكري الأمريكي في المياه المتنازع عليها، والذي وصفته بـ"التنمر الملاحي"، قد يشعل مواجهات بين واشنطن وبكين.

10- تطبيق الاتحاد الدولي لكرة القدم قانون بريستيالي للتصدي للتنمر في كأس العالم 2026: تنبع قاعدة هذا الاتهام من أنه: "إذا لم يكن لديك ما تخفيه فلا تخف فمك أثناء حديثك مع المنافسين". وقد تم تطبيق هذه القاعدة بالفعل لأول مرة في كأس العالم الماضي وتم طرد لاعب فريق باراجواي ميجيل ألميرون حينما أخفى فمه خلال حديثه مع لاعب المنتخب التركي ميرت مولدور، وهو ما يمثل ضربة شديدة للتيارات العنصرية واليمينية المتطرفة في الغرب التي تواجه تحدياً كبيراً لاسيما أن معظم لاعبي بعض الفرق الأوروبية صاروا من ذوى البشرة السمراء، حيث شاركت فرنسا مثلاً في المونديال الأخير بـ٢١ لاعباً من أصول أفريقية، وإنجلترا بـ١٥ لاعباً وألمانيا بـ9 لاعبين، وهذا أمر متكرر في عدد كبير من الفرق الأوروبية، لدرجة أن أحد المعلقين الكرويين قال ساخراً: إن ما نشاهده الآن في أمريكا وكندا والمكسيك ليس كأس العالم التي كنا نعرفها دائماً، بل كأس الأمم الأفريقية!

سياقات حاكمة

يعود هذا الانتشار لظاهرة التنمر السياسي إلى صعود نزعة الشعبوية إلى السلطة في الديمقراطيات الغربية، بل وصول الترامبية إلى حكم الولايات المتحدة الأمريكية، إذ تعتبر الكثير من الأدبيات أن ترامب شخص متنمر استطاع بواسطة التهريب والتخويف صناعة عناصر قوته السياسية، وتكوين شعبيته، بصعوده من رجل أعمال إلى رئيس للولايات المتحدة الأمريكية. علاوة على غياب سياسات الردع في مواجهة مرتكبي التنمر على الساحة الدولية نتيجة عدم احترام القواعد القانونية والمنظومة الأممية، وسعي الدول الكبرى للهيمنة والنفوذ عبر سلوك الإساءة أو الإيذاء، أو الإقصاء أو الإكراه أو الحصار أو الترهيب، بواسطة "الفضاءات المفتوحة"، والاحتكام إلى ثقافة الغلبة حيث تسيطر نظرية المباريات Game Theory القائمة على منطق المنتصر والمهزوم بدلاً من منطق التسوية والتوافق.. فالصراع هو الحالة الطبيعية العادية للعلاقات بين الدول (والبشر)، والفوضى وعدم وجود قواعد عليا ملزمة لاتزال تحكم السياسات الدولية.

تأثيرات انتشارية

ويؤدي انتشار التنمر إلى تداعيات جمة على الأوضاع السياسية داخل الدول، أبرزها تعميق الانقسامات وزيادة الفجوة بين الأطراف المتنافسة واستمرار حالة الاحتقان المجتمعي والسياسي في بؤر التوترات ودول الصراعات وخاصة لدى الأقليات في بعض المجتمعات من خلال المعاملة السيئة والاستبعاد من التفاعلات السياسية والثقافية، وتعطيل الحلول التي يفترض تبنيها لتجاوز المشكلات المستعصية والأزمات المزمنة التي تواجه الدول عبر تحويل النقاشات من قضايا التنمية والسياسة العامة إلى معارك شخصية وشكلية عقيمة، علاوة على تراجع ثقة المواطنين في جدوى العمل السياسي والنخب الحاكمة برمتها، ويستوي في ذلك الوضع في الدول النامية أو المتقدمة. بخلاف زيادة التوتر الدولي ونشوب الحروب التجارية والصراعات الإقليمية بالوكالة، ودفع الدول المتضررة من سياسات التنمر عليها لتشكيل تحالفات مضادة للهروب من هيمنة القطب الواحد.

أزمة متنامية

خلاصة القول، إن ثمة أزمة متنامية في العلاقات الدولية تتعلق بالتنمر السياسي، وما يرتبط به من أنماط أخرى كالتنمر الاقتصادي والتنمر السيبراني أو الشبكي، وتقدم تفاعلات الولايات المتحدة وخاصة في عهد ترامب مع الحلفاء والخصوم بما فيها منطقة الشرق الاوسط نماذج واضحة على هذه الحالات، لاسيما مع تراجع قوة الردع الأخلاقي والسياسي في النظام الدولي.


رابط دائم: