ارتبطت مكانة المؤسسات العامة في المجال العام، عبر تطورها التاريخي، بمجموعة من التوقعات التي يطورها المجتمع تجاهها، إلى جانب الوظائف التي تأسست من أجلها. وقد اكتسبت هذه التوقعات أهمية متزايدة في ظل التحولات التي فرضتها البيئة الرقمية واتساع دوائر المشاركة في تشكيل الرأي العام، وهو ما أعاد تعريف العلاقة بين المجتمع ومؤسساته، وغيّر معايير تقييم أدائها.
وتبدو هذه التوقعات أكثر وضوحًا في حالة المؤسسات الدينية المصرية، التي تحتل مكانة خاصة لدى المصريين بحكم ما تمتلكه من رصيد تاريخي ورمزي، وما تمثله من مرجعيات وطنية وأخلاقية تتجاوز حدود الوظيفة الدينية المباشرة.
فقد أظهرت ردود الفعل التي صاحبت عظة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، يوم الأربعاء 22 يوليو 2026، التي قدّمها للأطفال مستخدمًا خلالها خريطة تفاعلية لمصر للتأكيد على وحدة الوطن وقيمة الانتماء إليه، وكذلك الاحتفاء بتهنئة فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف لأوائل الثانوية الأزهرية هذا العام، يوم السبت 25 من الشهر نفسه، أن اهتمام الجمهور قد انصرف إلى ما هو أبعد من الحدثين في حد ذاتهما. إذ كشف الحدثان عن حجم التوقعات التي يحملها المجتمع تجاه المؤسستين، وعن الأدوار التي ينتظر منهما الاضطلاع بها في المجال العام، باعتبارهما المؤسسات التي تعبر عن منظومة القيم المشتركة، وتسهم في تعزيز التماسك الوطني.
من هنا، تنطلق هذه المقالة من فرضية مؤداها أن العلاقة بين المجتمع والمؤسسات الدينية باتت تتأثر بمجموعة من التوقعات التي يطورها المجتمع تجاهها، في ضوء مكانتها الرمزية ودورها في المجال العام. تمتد هذه التوقعات إلى طبيعة حضور المؤسسة في اللحظات الجامعة، بما يجعل العلاقة بين الطرفين أقرب إلى عقد اجتماعي غير مكتوب، يقوم على تبادل الثقة والاعتراف المجتمعي، مقابل حضور مؤسسي متسق مع القيم والقضايا التي تشكل الوجدان العام. ومن ثم، يصبح تحليل تفاعلات الجمهور مدخلاً مناسبًا لفهم طبيعة الأدوار التي ينتظر المجتمع من هذه المؤسسات الاضطلاع بها في المجال العام.
الشرعية المؤسسية كإطار لتفسير العلاقة بين المجتمع والمؤسسات الدينية
تنطلق الأدبيات التي تتناول "الشرعية المؤسسية" من افتراض رئيسي مفاده أن مكانة المؤسسات داخل المجتمع تتحدد بطبيعة اختصاصاتها وسلامة أدائها الوظيفي، إلى جانب عامل مهم آخر يتصل بتوافق نمط سلوكها مع القيم والتوقعات السائدة داخل البيئة الاجتماعية التي تعمل فيها، وهو العامل الذي يحافظ على شرعية هذه المؤسسات داخل مجتمعاتها.
إذ يشير عالم الاجتماع الأمريكي مارك سوشمان في مقاله: "Managing Legitimacy: Strategic and Institutional Approaches" إلى أن مفهوم الشرعية المؤسسية يعني الإدراك المجتمعي بأن أفعال مؤسسة ما مناسبة ومرغوبة داخل منظومة من القيم والأعراف المشتركة في المجتمع[1].
بينما يربط المؤرخ الفرنسي بيير بورديو في مقاله: "The Forms of Capital"بين استمرار النفوذ المؤسسي وامتلاك المؤسسة لرأس مال رمزي يتراكم عبر التاريخ داخل مجتمعها، ويمنحها قدرة على التأثير تتجاوز حدود السلطة الرسمية وحدها[2].
هذان المدخلان يساعدان في تفسير المكانة التي يحتلها الأزهر والكنيسة في الوعي المصري، وما يرتبط بها من توقعات تتجاوز حدود وظيفتهما الدينية المباشرة. فبهذا المعنى، تصبح الشرعية المؤسسية عملية متجددة تقوم على المحافظة على العقد الضمني بين المؤسسة والمجتمع، من خلال الاستجابة للتوقعات التي تتكون تدريجيًا حول دور المؤسسة في المجال العام.
وفي السياق ذاته، تشير أدبيات الاتصال المؤسسي، لاسيما كتابات الأمريكي المتخصص في الاتصال المؤسسي تيموثي كومبس، إلى أن المحافظة على السمعة والثقة المؤسسية تعتمد إلى جانب الأداء الوظيفي، على قدرة المؤسسة على بناء تواصل مستمر مع جمهورها، وإدارة حضورها في المجال العام، والاستجابة للتحولات التي تشهدها البيئة الاتصالية، بما يعزز مصداقيتها واستجابتها للتغيرات المحيطة[3].
فيما يُسهِّل هذا المدخل قراءة التحولات التي تشهدها العلاقة بين المجتمع المصري ومؤسساته الدينية من زاوية مختلفة. إذ تستند المكانة التي يتمتع بها الأزهر والكنيسة، إلى جانب شرعيتهما الدينية والتاريخية، إلى قدرتهما على إدارة حضورهما في المجال العام، وعلى التعبير عن القيم المشتركة في اللحظات التي يوليها المجتمع أهمية خاصة. إذ لم يعد تقييم الجمهور للمؤسستين ينصرف إلى مضمون الرسائل التي تبثها المؤسستان، بل امتد ليشمل توقيت هذه الرسائل، وسياقها، ومدى اتساقها مع الصورة الذهنية التي ترسخت عن كل مؤسسة منهما عبر عقود طويلة.
كما تساعد هذه المداخل المفاهمية أيضًا في تفسير التفاعل الذي صاحب الحدثين محل التحليل. فالاهتمام الكبير الذي أثير حول تهنئة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب لأوائل الثانوية الأزهرية، والانتشار الواسع لعظة البابا تواضروس الثاني، يعبران عن إدراك مجتمعي بأن الأزهر والكنيسة يمثلان مؤسستين وطنيتين تحظيان برصيد مرتفع من الثقة والاعتراف الاجتماعي، وأن حضورهما في بعض المناسبات لا يعد مجرد ممارسة بروتوكولية، ولكن أحد مكونات الدور الذي ينتظر المجتمع أن تؤدياه داخل المجال العام. وبذلك، يصبح التفاعل مع الرسائل الصادرة عن المؤسستين، أو حتى مع غيابها، جزءاً من عملية تقييم مستمرة لمدى توافق أدائهما مع التوقعات المجتمعية.
ماذا تكشف تفاعلات الجمهور عن توقعات من المؤسسات الدينية؟
يسمح التفاعل الذي صاحب عظة البابا تواضروس الثاني، وتهنئة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب للأوائل، برصد عدد من التوقعات التي طورها المجتمع تجاه المؤسسات الدينية المصرية في المجال العام. ويمكن إبراز أهم هذه التوقعات في ثلاثة أبعاد رئيسية، هي:
1- الحضور الرمزي: الذي يمثل أحد أبرز التوقعات التي طورها المجتمع المصري تجاه المؤسسات الدينية، انطلاقًا من مكانتها التاريخية، ودورها المهم في المجال العام. ويقصد هنا بالحضور؛ المشاركة في اللحظات التي تشكل وجدان المجتمع، والتي تحمل قيمة معنوية، حيث ينتظر منها أن تكون حاضرة في المناسبات التي تعزز القيم المشتركة، وتدعم الشعور بالانتماء.
ويكشف الحدثان عن هذا المعنى بوضوح؛ حيث ارتبط الاهتمام بتهنئة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بتوقع مجتمعي يرى في الاحتفاء بالتفوق العلمي رسالة تتجاوز المجاملة الرسمية إلى تأكيد قيمة العلم والاجتهاد بوصفهما ركيزة من ركائز التقدم المجتمعي، وفرصة للاعتراف بفضل الوالدين في تفوق أولادهم، لاسيما الأم التي أكد على دورها شيخ الأزهر في كل مكالماته مع أولياء أمور الطلاب المتفوقين، والتأكيد أيضًا على قيمة التكافل المجتمعي. وبالمثل، لم يقتصر التفاعل مع عظة البابا تواضروس الثاني على مضمونها الديني، وإنما ارتبط بالرسالة الوطنية التي حملها توظيف خريطة مصر داخل العظة، باعتبارها رمزًا بصريًا يعيد التأكيد على وحدة الوطن وأهمية معنى الانتماء إليه، وتقديم هذه العظة للأطفال والمراهقين.
ويكتسب هذا الاختيار دلالة إضافية، إذ يعكس توجه الكنيسة نحو مخاطبة الفئات الأصغر سنًا بلغة ورموز تتناسب مع بيئتهم الاتصالية غير التقليدية، وهو ما يتوافق مع التوقعات المتزايدة بشأن تطوير أدوات التواصل مع الأجيال الجديدة. ويعكس ذلك أن المجتمع بات يتابع حضور المؤسسات الدينية بوصفه تعبيرًا عن استمرار ارتباطها بالقضايا التي تشكل الوجدان العام. فكلما نجحت هذه المؤسسات في اختيار اللحظة التي تعبر فيها عن أهمية القيم المجتمعية، وعززت حضورها الرمزي، استطاعت الحفاظ على الثقة المتراكمة لها داخل المجتمع، لاسيما وأن الجمهور ينظر إلى هذا الحضور باعتباره امتدادًا طبيعيًا للدور الذي يضطلع به الأزهر والكنيسة في الحياة العامة.
2- القيادة الأخلاقية: يمتد ما ينتظره المجتمع المصري من المؤسسات الدينية إلى طبيعة الرسائل التي تنتجها هذه المؤسسات، ومدى قدرتها على التعبير عن المنظومة القيمية التي يتطلع المجتمع إلى ترسيخها، لما تمتلكه من قدرة خاصة على إضفاء المعنى على الأحداث، وتقديم قراءة أخلاقية لها، بحيث تعزز الثقة، وتدعم التماسك الاجتماعي، من خلال ربط هذه الأحداث بمنظومة من القيم الدينية والاجتماعية التي تحظى بقبول واسع لدي الرأي العام.
إذ ما زال المجتمع ينظر إلى الأزهر والكنيسة باعتبارهما أول وأهم مصادر المرجعية الأخلاقية في المجال العام، لاسيما في الموضوعات التي تمس منظومة القيم العامة، مثل قيمة العلم، والعمل، والانتماء، والتكافل، واحترام التنوع، والمحافظة على الدولة الوطنية. ولذلك، تحظى الرسائل التي تتناول هذه القضايا بدرجة كبيرة من الاهتمام، لأنها تستجيب لتوقع مجتمعي يرى في المؤسسات الدينية مصدرًا لترسيخ البنية الأخلاقية للمجتمع.
ويشير ذلك إلى أن المجتمع ينتظر من المؤسسات الدينية الإسهام في المحافظة على الإطار القيمي للمجتمع الذي يتعرض لضغوط تؤثر على تماسكه وسِلمه وربما استقراره، وذلك اعتمادًا على مكانة المؤسسات الدينية بوصفها منتجًا للثقة العامة، وهو ما يجعل القيادة الأخلاقية أحد أهم الأدوار التي لا يزال المجتمع ينتظرها من المؤسسات الدينية.
3- الاستمرارية: تتشكل العلاقة بين المؤسسات والمجتمع عبر المواقف والممارسات المتتالية والمستمرة التي تتراكم عبر الزمن، حتى يتم رسم صورة ذهنية مستقرة لدى الجمهور عن هذه المؤسسات. فكلما كررت المؤسسة نمطًا معينًا من الحضور أو التواصل مع المجتمع، تحول هذا النمط تدريجيًا إلى جزء من هويتها، وأصبح المجتمع يتوقع استمراره بوصفه أحد مظاهر الدور الذي تؤديه.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في حالة المؤسسات الدينية المصرية، التي تمتلك تاريخًا من الحضور في المناسبات الوطنية والاجتماعية، بما جعل هذا الحضور جزءًا من إدراك المجتمع لطبيعة وظيفتها. فبات الجمهور ينظر إلى المشاركة في مثل هذه المناسبات باعتبارها ممارسة مستقرة تعكس استمرارية الدور الذي تضطلع به المؤسسة داخل المجال العام.
ومن هذا المنطلق، يمكن تفسير جانب من الاحتفاء بالمكالمات السنوية لتهنئة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب للأوائل لتوافقها مع الصورة الذهنية المستقرة عن المؤسسة والتوقعات المجتمعية منها. وتنطبق الفكرة ذاتها على التفاعل مع عظة البابا تواضروس الثاني، التي جاءت منسجمة مع الصورة الذهنية التي تشكلت عبر عقود للكنيسة المصرية باعتبارها مؤسسة حاضرة في القضايا الوطنية، وقادرة على توظيف خطابها الديني في تعزيز الانتماء الوطني. وقد أسهم هذا الاتساق بين رسائل المؤسستين والصورة الذهنية الخاصة بهما في تعزيز انتشار هذه الرسائل، إذ تلقاها الجمهور باعتبارها امتدادًا لمسار مؤسسي مألوف، وليس موقفًا استثنائيًا فرضته المناسبة.
لماذا ارتفع سقف التوقعات المجتمعية من المؤسسات الدينية؟
لا يمكن تفسير ارتفاع سقف التوقعات المجتمعية من المؤسسات الدينية بعيدًا عن مجموعة التحولات التي شهدها المجال العام المصري خلال العقدين الأخيرين، والتي شكلت في مجملها ضغوطات تزايدت معها الحاجة لوجود حارس للقيم، ومنتج للثقة المجتمعية، ومن بينها:
1- تطورات البيئة الرقمية: إذ أتاحت منصات التواصل الاجتماعي للجمهور التعبير المباشر عن توقعاته من المؤسسات العامة ومن بينها المؤسسات الدينية، وكذلك مناقشة أداء المؤسسات بصورة مستمرة، وهو ما جعل تشكل الصورة الذهنية لأي مؤسسة يحدث من خلال التفاعل المستمر مع رسائلها، وليس فقط من خلال تاريخها أو مكانتها التقليدية، ما فرض على هذه المؤسسات تفاعلًا مستمرًا مع الواقع عبر المجال العام.
2- تراجع المؤسسات الوسيطة: شهد المجال العام تراجعًا نسبيًا في قدرة العديد من المؤسسات الوسيطة على إنتاج خطاب جامع يحظى بنفس الدرجة المرتفعة من الثقة المجتمعية التي تنتجها المؤسسات الدينية. وفي ظل هذا التحول، ازداد الاعتماد على هذه المؤسسات التي ما زالت تحتفظ برصيد معتبر من المصداقية لدي الرأي العام، وفي مقدمتها الأزهر والكنيسة المصرية، باعتبارهما من المؤسسات التي لم تقتصر أدوارهما تاريخيًا على الشأن الديني، وإنما الإسهام في بناء الهوية الوطنية وتعزيز التماسك المجتمعي في لحظات التحول والأزمات.
3- الاهتمام المتزايد بالرسائل الرمزية: ارتبط ارتفاع سقف التوقعات من المؤسسات الدينية المصرية بتغير طبيعة المجال الاتصالي نفسه. إذ أصبح الجمهور أكثر اهتمامًا بالرسائل الرمزية، وأكثر قدرة على فهمها وإعادة إنتاجها وتداولها، بما يمنحها تأثيرًا يتجاوز حدود المناسبة التي صدرت فيها. وتتمثل قيمة الرسائل التي تبثها هذه المؤسسات في قدرتها على اختزال فكرة عامة أو قيمة مشتركة في صورة أو عبارة أو موقف، وهو على الأرجح ما يفسر ذلك الانتشار الواسع للعظة والتهنئة، مع تحولهما إلى مدخلين لنقاش أوسع حول طبيعة الدور الذي ينتظره المجتمع المصري من مؤسساته الدينية.
4- ارتفاع مستوى القلق المجتمعي: يعد تزايد الحاجة المجتمعية إلى مصادر موثوقة تمنح الأفراد قدرًا من اليقين في بيئة تتسم بسرعة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أحد أهم السياقات التي تميل فيها المجتمعات إلى رفع سقف توقعاتها من المؤسسات التي تحتفظ برصيد مرتفع من الثقة، انتظارًا لدور معنوي يسهم في تعزيز الطمأنينة العامة وترسيخ القيم المشتركة وتأتي على رأسها المؤسسات الدينية.
ويضاف إلى ذلك أن المجتمع المصري، شأنه شأن كثير من المجتمعات، يواجه تحديات تتعلق بالحفاظ على التماسك الاجتماعي في ظل بيئة إعلامية تتسم بالتعددية وسرعة تداول المعلومات. وفي مثل هذه البيئات، تزداد الحاجة إلى مؤسسات تمتلك القدرة على إنتاج خطاب يحظى بالثقة، ويخفف من حدة الاستقطاب.
انطلاقاً من ذلك، يمكن القول إن التفاعل المجتمعي المصري مع حضور المؤسسات الدينية في المجال العام أصبح يعكس مجموعة أوسع من التوقعات التي تشكلت عبر تراكم تاريخي طويل، ورسختها المكانة الرمزية التي يحتلها الأزهر والكنيسة في الوعي المصري، وهو ما يجعل هذه التوقعات المجتمعية أحد أهم محددات العلاقة المستقبلية بين المجتمع المصري ومؤسساته الدينية، في ظل مجال عام يتسم بسرعة التفاعل، واتساع دوائر المشاركة، وتزايد أهمية الرسائل الرمزية في تشكيل الثقة العامة.