الزيدى من واشنطن إلى طهران: العراق أمام اختبارات صعبة بين الشراكة والتبعية
2026-7-26

صافيناز محمد أحمد
* خبيرة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تشكل زيارتا رئيس الوزراء العراقى الجديد على فالح الزيدى إلى كل من الولايات المتحدة فى 13 يوليو 2026، وإيران فى 23 يوليو من العام نفسه، أهمية كبيرة فى مسار صياغة علاقة العراق المزدوجة مع كل من الولايات المتحدة وإيران، وفى ظل مرحلة إقليمية صعبة تشهد ضبابية وعدم يقين بشأن مدى صمود مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران (18 يونيو 2026)، والتى بمقتضاها تم فرض وقف إطلاق النار بين البلدين، وهو اتفاق هش بات يتأرجح بين الصمود والانهيار على وقع التطورات التى تشهدها المنطقة بخصوص حالة التدافع العسكرى بين الجانبين - الأمريكى والإيرانى - بشأن مضيق هرمز مؤخراً.

 فى هذا السياق، تطرح الزيارتان تساؤلات عدة بشأن مستقبل العلاقات العراقية مع الولايات المتحدة وإيران؛ لاسيما مع اقتراب شهر سبتمبر 2026، والمقرر أن يشهد انتهاءاً كاملاً للوجود الأمريكى بصيغته وبنيته العسكرية التى كانت قائمة، واستبداله بنمط أوسع لعلاقات تعاون ثنائية تقوم على "الشراكة الاستراتيجية" بمعناها الأمنى والاقتصادى والسياسى الواسع.

من ناحية أخرى، فإن احتمالية عودة الحرب الأمريكية على إيران التى تزداد حظوظها يومياً، واستمرار أزمة مضيق هرمز من شأنها تعميق الأزمة الاقتصادية التى يعانى منها العراق على وقع أزمات الطاقة من نفط وغاز وما يرتبط بهما من أزمة فى قطاع الكهرباء، فضلاً عن التداعيات الأمنية الكبيرة التى شهدها وسيشهدها العراق مستقبلاً، وذلك بالنظر إلى دور بعض الفصائل المسلحة الموالية لإيران والمنضوية ضمن ما يسمى بـ "المقاومة الإسلامية فى العراق"، والتى تقوم بدعم وإسناد إيران عسكرياً فى ردها على الاعتداءات الأمريكية، وإن كانت الحرب الأمريكية على إيران فى 28 فبراير 2026 قد شهدت كموناً واضحاً فى أدوار الإسناد التى كانت تقدمها تلك الفصائل، على العكس من حرب الـ 12 يوماً التى شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران خلال الفترة 13-24 يونيو 2025، حيث انخرطت حينها الفصائل العراقية عملياً فى دعم صمود إيران.

نتائج ملموسة لزيارة الزيدى لواشنطن

جاءت زيارة الزيدى لواشنطن تلبيةً لدعوة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الأمر الذى يعكس أهمية العراق فى منظومة العلاقات الأمريكية تجاه المنطقة من ناحية، وتحديد مستقبل ونمط تلك العلاقات بعد انتهاء الوجود العسكرى الأمريكى فى سبتمبر 2026 من ناحية ثانية، وطبيعة الخطط الأمريكية الدبلوماسية التى تسعى إدارة ترامب عبر مبعوثها الرئاسى توم باراك إلى تحقيقها تجاه العراق بما يمكنه - وفقاً للرؤية الأمريكية- من الخروج من دائرة التأثير الإيرانى الإقليمى من ناحية ثالثة، وهو ما قد يشير إلى "تحول نوعى" فى موقع العراق ضمن الاستراتيجية الأمريكية للمنطقة بعد الحرب على إيران.  

فى هذا السياق، فإن زيارة رئيس الوزراء العراقى الجديد على فالح الزيدى للولايات المتحدة حملت العديد من الدلالات والنتائج يشير أبرزها إلى حصول الزيدى على ما يمكن تسميته بـ "مقبولية أمريكية" واضحة انعكست فى دعوة الرئيس الأمريكى شخصياً له لزيارة واشنطن، بما يعنى أن ثمة رغبة أمريكية فى دعم الزيدى تمكنه من مواجهة الضغوط الإيرانية على العراق، لاسيما وأن الزيدى عمل جاهداً على إعلان حصرية السلاح فى يد المؤسسة الأمنية والعسكرية للدولة، وما يعنيه ذلك من ضرورة قيام الفصائل المسلحة بتسليم ترسانتها من الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للحكومة. فضلاً عن تنفيذ ضمنى لخطة توم باراك بشأن تفكيك الفصائل المسلحة وإعادة دمجها، والنظر فى وضع هيئة الحشد الشعبى من منظومة الحكم ضمن الإطار التنسيقى الحاكم، ومنع أى إجراءات من شأنها ترسيخ وجود الهيئة ضمن الأطر الرسمية للدولة. هذا إلى جانب تأكيداته المستمرة على أن العراق لن يكون فى حاجة إلى "فصائل المقاومة" بعد سبتمبر 2026، فضلاً عن تنويع الشراكات مع الولايات المتحدة لتشمل الشراكات الاقتصادية فى مجالات الطاقة تحديداً، عبر إتاحة فرص واعدة لعدد من شركات النفط الأمريكية لدخول سوق الاستثمار النفطى فى العراق، وهى الخطة التى تقوم على معادلة توم بارك "الأمن والاقتصاد"، هذا بخلاف فتح ملفات الفساد المالى والإدارى الذى طال قوى سياسية وحزبية داعمة لإيران. وهى كلها إجراءات من شأنها البعث برسائل نوعية للإدارة الأمريكية مفادها أن الزيدى وحكومته "ربما" لديهما القدرة على إعادة العراق إلى "نقطة توازن" حقيقية فى إدارة علاقاته السياسية الخارجية بعيداً – نسبياً - عن تأثير إيران وأذرعها العسكرية من قوى وفصائل البيت الشيعى نفسه.

يضاف إلى ما سبق محاولة وضع العراق ضمن نتائج معادلة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فى جولتها السابقة (28 فبراير 2026) التى تشير إلى إضعاف إيران ومشروعها الإقليمى فى المنطقة؛ بما يعنيه ذلك من اتباع دبلوماسية أمريكية جديدة تمكن العراق من "التخلص التدريجى" من القيد الإيرانى عبر دفع العراق للعب دور فى المعادلات الإقليمية الجديدة، ومنها على سبيل المثال: توجيه العراق نحو علاقات أكثر تعاوناً مع سوريا الجديدة، تقريب وجهات النظر بين العراق وتركيا والأردن ولبنان برعاية أمريكية، وهو ما يكشف القناع عن رغبة أمريكية واضحة فى إعادة رسم خريطة التفاعل الإقليمى فى منطقة المشرق العربى ككل بما يخدم المصالح الأمريكية الجيواستراتيجية فيها، وهو ما يتماهى كذلك مع محاولة الزيدى ترسيخ موقع الحكومة العراقية الجديدة ضمن قائمة "الشركاء الاستراتيجيين" للولايات التحدة فى المنطقة.

وقد أثارت زيارة الزيدى للولايات المتحدة ردود فعل رافضة لها سواء من جانب بعض الفصائل العراقية والقوى السياسية الموالية لإيران، أو من قبل المستويات الرسمية فى إيران نفسها؛ حيث أدانت الفصائل وبعض القوى المرتبطة بإيران الزيارة وروجت إلى كونها تتيح المجال أمام واشنطن للسيطرة على سوق النفط والطاقة العراقى عبر الانفتاح السريع والكبير الذى تبديه حكومة الزيدى على الشركات الأمريكية العاملة فى هذا المجال. أما بالنسبة لإيران فقد جاءت الإدانة على أعلى مستويات الدولة الرسمية؛ حيث وصف على ولايتى، مستشار المرشد الإيرانى، زيارة الزيدى لواشنطن بكونها "وصمة عار" فضلاً عن وصفه للزيدى بأنه "شاب قليل الخبرة"، وذلك وفقاً لما ذكرته عدة مصادر.

ويلاحظ هنا أن المفردات التى استخدمها ولايتى تعكس مدى رفض إيران لأى محاولة تقارب أمريكية-عراقية تلوح فى الأفق كونها تمثل خصماً مباشراً من وضع العراق الاستراتيجى بالنسبة للمشروع الإقليمى الإيرانى فى المنطقة من ناحية، وتمهد داخلياً فى العراق لدور أكبر للقوى الشيعية الأكثر اعتدالاً فى المشهد السياسى العراقى مقابل تراجع محتمل لدور القوى الشيعية المتشددة والأكثر قرباً من التوجهات الإيرانية من ناحية ثانية. لكن تبقى القدرة الأمنية من قبل الحكومة فى ضبط الوضع الأمنى الداخلى، لاسيما فى مواجهة الفصائل وبعض قوى الحشد، هى المعول الرئيسى على تهيئة البيئة القادرة على توفير قدر من الاستقرار الاقتصادى الذى يتيح تدفق الاستثمارات الخارجية، وهو ما قد يفسر اتجاه الزيدى لشن حرب على الفساد من ناحية، وحصر السلاح فى يد الدولة من ناحية ثانية كونهما آليات تعمل على توفير بيئة أمنة وأكثر انفتاحاً على الاستثمارات.

دلالات زيارة الزيدى لإيران

فى المقابل، تأتى زيارة الزيدى لطهران فى 23 يوليو 2026، أى بعد حوالى (10) أيام من زيارته لواشنطن، لتعبر عن جدلية وضع العراق ضمن معادلة الصراع الأمريكية-الإيرانية. فلازال العراق يتوسط تلك المعادلة التى تحاول واشنطن – كما سبق توضيحه - تغييرها بجذبه بعيداً عن التأثير الإيرانى من خلال دبلوماسية الأمن والاقتصاد لتوم براك. أما إيران التى استقبلت الزيدى رسمياً، فقد وصفت الزيارة على لسان رئيسها مسعود بزشكيان بكونها "مفصلية" وتستهدف "تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين"، فى محاولة لتجاوز تصريحات ولايتى الذى وصف فيها زيارة الزيدى للولايات المتحدة بأنها "وصمة عار". ورغم أن الزيارة استهدفت بدورها تعزيز التعاون فى مجالات الطاقة والاستثمار والنقل والزراعة والاستثمار، إلا أن هدفها الرئيسى غير المعلن كان هو تحديد العلاقة بين العراق وكل من إيران والولايات المتحدة على المستويين السياسى والأمنى تحديداً، بل ثمة عدة مصادر تشير إلى أن الزيدى كان يحمل رسائل أمريكية مباشرة إلى المسئولين فى إيران، إلى جانب مبادرة ذاتية منه تحمل رؤية العراق للتهدئة بين الجانبين الأمريكى والإيرانى هدفها منع انهيار اتفاق التفاهم الهش بينهما.

بعض المصادر أشارت إلى أن الزيدى حمل رسائل لإيران؛ حيث ذكرت إحدى الصحف الأمريكية أن إيران رفضت مقترحاً لوقف إطلاق النار قدمه الرئيس الأمريكى وحمله الزيدى لطرحه على المسئولين الإيرانيين، إلا أن الحكومة العراقية نفت ذلك. لكنها بينت أن الزيدى قد نقل "انطباعات ووجهات نظر" عن زيارته لواشنطن للمسئولين الإيرانيين، وأنه تقدم بمبادرة للتهدئة تتضمن عقد لقاءات مباشرة أو غير مباشرة بين مسئولى الجانبين الأمريكى والإيرانى فى بغداد مع إشارات تفيد بعدم رفض الإدارة الأمريكية لعقد مثل هذه اللقاءات، إلا أن الإشارات التى عكستها زيارة الزيدى لإيران تفيد بأن أوساط متشدة فى مستويات القيادة الإيرانية ترى أن الزيدى لا يتمتع بوزن سياسى كافٍ داخل العراق أو لدى إيران يؤهله للعب دور "الوسيط" بين الطرفين الأمريكى والإيرانى.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن إيران وإن كانت تمانع دوراً أمريكياً مسيطراً فى العراق بعد سبتمبر 2026، إلا أنها لا تمانع أن يبقى العراق ضمن معادلة "الحياد المتوازن" بينها وبين الولايات المتحدة مستقبلاً؛ فوفقاً للبراجماتية الإيرانية فى التعامل مع ضغوط خصومها، ترى طهران أن خسائرها فى الحالة العراقية ستكون أقل فى حالة السماح لبغداد بهامش من التوازن فى علاقاتها الثنائية مع الولايات المتحدة، على العكس من حالة استمرار الضغط على الداخل العراقى عبر الفصائل وقوى الحشد الموالية لها بهدف مناهضة أى تقارب أمريكى-عراقى. هذا التصور فرضته طبيعة المرحلة الإقليمية شديدة التغير التى تعيشها إيران والمنطقة حالياً. وفى المقابل كذلك، تتفهم الولايات المتحدة مدى حاجة العراق للحفاظ على نمط متوازن من العلاقات مع إيران سياسياً واقتصادياً وأمنياً، لكنها فى الوقت نفسه، لا تريد أن يتحول هذا التوازن إلى أداة تهديد لمصالحها فى العراق والمنطقة ككل.

فى هذا السياق، يمكن القول إن اتباع العراق - فى ظل حكومة الزيدى - سياسة انفتاح ملموسة على الولايات المتحدة، لا يعنى بأى حال من الأحوال تبنى الزيدى لسياسة معارضة لإيران، وإنما يشير إلى تبنيه هامشاً من الخيارات التى تقلل من اعتماد الحكومة العراقية على مسار واحد فى إدارة علاقاتها الخارجية بمحيطيها الإقليمى والدولى.


رابط دائم: