الاقتصاد‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬متغير
2026-7-25

د. إيمان مرعى
* خبير ورئيس تحرير دورية رؤى مصرية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

 

في ظل مشهدٍ جيوسياسي يتسم بالسيولة الحادة، يجد الاقتصاد المصري نفسه في مواجهة مباشرة مع تداعيات الصراع الأمريكي-الإيراني؛ وهي تداعياتٌ لا تقتصر آثارها على الممرات الملاحية الحيوية فحسب، بل تمتد لتكون اختباراً لقدرة الاقتصاد الوطني على التكيف مع تحولات هيكلية في أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد العالمية، وموازين القوى المالية. إننا اليوم أمام مرحلةٍ مفصلية تتطلب قراءةً رصينة تتجاوز حدود اللحظة الراهنة، لاستشراف المسارات التي يمكن من خلالها تعزيز المنعة الاقتصادية وتحويل التحديات الإقليمية إلى فرصٍ للاستقلال الاستراتيجي.

لقد كشفت التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز وباب المندب عن الطبيعة المترابطة للأمن القومي؛ فارتفاع تكاليف التأمين والشحن لم يعد مجرد متغيرٍ لوجستي، بل تحول إلى ضغطٍ مباشر على الموازنة العامة، ومحركٍ إضافي لمعدلات التضخم التي تمسّ تكلفة الإنتاج المحلي وفاتورة الاستيراد. إن هذه الضغوط تفرض على الدولة صياغة سياساتٍ أكثر مرونة لإدارة ملف الطاقة، وتأمين المخزون الاستراتيجي من الغذاء، وحماية الاستقرار المالي في ظل بيئة دولية تفتقر لليقين. إن جوهر المعركة الاقتصادية اليوم يكمن في القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية، مع ضمان استمرارية تدفقات الطاقة والسلع الأساسية التي تُعد عصب الحياة للنشاط الإنتاجي.

غير أن هذه الأزمات الجيوسياسية، رغم قسوتها، تفتح الباب أمام مراجعاتٍ استراتيجية حتمية؛ إذ بات التوجه نحو العمق الأفريقي ضرورةً ملحة لا ترفاً سياسياً، حيث تتيح اتفاقية التجارة الحرة القارية ومشروعات الربط الملاحي والبري بدائل حيوية لتنويع الشراكات، بعيداً عن صراعات النفوذ في الممرات المائية المهددة. وبالتوازي، تبرز التكتلات الدولية الصاعدة، وفي مقدمتها «بريكس+»، كفضاءٍ جديد يمنح الاقتصاد المصري مرونة أكبر في إدارة التوازنات المالية، من خلال آليات التبادل بالعملات الوطنية والتمويل البديل، مما يقلل من الارتهان للأنظمة التقليدية الأكثر تأثراً بالاضطرابات. إن هذا التحول نحو تكتلات أكثر توازناً يمثل خطوةً نوعية نحو توطين تكنولوجيا التصنيع والطاقة البديلة، وهو ما يمهد الطريق لنظامٍ اقتصادي أكثر استدامة.

إن المستقبل لن يكون رهناً بالصراعات الحالية، بل سينبثق من قدرة الدول على الاستعداد لمرحلة ما بعد التهدئة؛ حيث ستفتح اقتصاديات إعادة الإعمار الإقليمي آفاقاً واسعة للشركات المصرية في قطاعات المقاولات والطاقة، التي تمتلك من الخبرة والقدرة ما يؤهلها للعب دورٍ قيادي في إعادة رسم الخريطة الاستثمارية للمنطقة. إن الرؤية الوطنية اليوم يجب أن تتجاوز «رد الفعل» تجاه الأزمات، لتؤسس لنهجٍ استباقي يدمج بين الواقعية السياسية والبراجماتية الاقتصادية، مؤكدةً أن الصمود ليس حالةً من الجمود، بل هو عمليةٌ مستمرة من التكيف والابتكار.

في الختام، إن مصر، بمركزها الجيواقتصادي الفريد، تمتلك من المقومات ما يمكنها من اجتياز هذه المرحلة بصلابة. إننا لا نتطلع إلى تجاوز هذه الاضطرابات فحسب، بل نسعى إلى بناء بنية اقتصادية أكثر تحصيناً، قادرة على قراءة متغيرات العصر وتحويلها إلى لبناتٍ صلبة في مسيرة التنمية الشاملة. إن التاريخ يعلمنا أن الأزمات هي المحك الحقيقي لصلابة الدول، ومصر، بإرادتها وتاريخها، تظل دائماً الرقم الأكثر ثباتاً في معادلةٍ إقليميةٍ متغيرة، ماضيةً نحو ترسيخ دورها كمركزٍ فاعل ومؤثر في الاقتصاد العالمي الجديد.


رابط دائم: