كيف وظَّفت إيران أدوات الاتصال السياسي في مراسم تشييع خامنئي؟
2026-7-18

رانيا مكرم
* مدير تحرير التقرير الاستراتيجي، ورئيس برنامج الدراسات الإعلامية والرأي العام

 

يمثل غياب رأس الدولة في النظم السياسية بالوفاة أو الاغتيال حدثاً فارقاً يضع النظام السياسي أمام واحدة من أكثر لحظاته حساسية. إذ يتعين عليه، وفي وقت قصير، أن يدير عملية انتقال السلطة، والمحافظة على استمرارية مؤسساته، وفي الوقت نفسه منع تحول هذه اللحظة إلى مصدر لعدم اليقين السياسي أو مدخل لإعادة تفسير وتشكيل توازنات القوة داخله بما يؤثر على مستقبله.

وتزداد حساسية هذه المهمة في النظم ذات الطبيعة الأيديولوجية بالأساس، حيث تتجاوز شرعية القيادة وأهميتها حدود النصوص الدستورية لتتشابك مع التاريخ السياسي، والرمزية الدينية، والذاكرة الجمعية، وهو ما يجعل غياب القائد الأكثر مساساً بالبناء الرمزي للنظام وبنيته المؤسسية.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى مراسم تشييع المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية على خامنئي - الذي أغتيل في أول أيام الجولة الثانية من الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران في 28 فبراير الماضي 2026- بمعزل عن طبيعة الحدث، وطريقة تنظيمه، وتسلسل محطاته، والفاعلين المشاركين فيه، والتي تشير في مجملها إلى أن النظام الإيراني قد تعامل مع الحدث باعتباره جزءاً من إدارة المرحلة الانتقالية نفسها.

 ولذلك بدت المراسم وكأنها جزء من عملية انتقال السلطة، وإحدى الأدوات التي أدير بها هذا الانتقال، بما يجعل محاولة تناولها بالتحليل مدخلاً لفهم الكيفية التي سعت بها إيران إلى حماية استمرارية النظام في لحظة كان يمكن أن يتحول فيها الاغتيال إلى نقطة انطلاق لأسئلة تتعلق بمستقبل النظام وقدرته على البقاء.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الرسائل السياسية التي حملتها مراسم التشييع، على أهميتها، قد جاءت نتيجة لبناء اتصالي أكثر تعقيداً، هدف النظام إلى بلورته، تشابكت في هذا البناء؛ الطقوس الدينية، والبروتوكول الرسمي، والحشود الشعبية، والرموز التاريخية، والتغطية الإعلامية، وهو ما يطرح تساؤلاً مهماً حول الكيفية التي صاغ بها النظام هذا الحدث، ليكون هو نفسه أداة لإنتاج الرسائل، وإعادة تنظيم إدراك الداخل والخارج للحظة انتقال السلطة في إيران.

المراسم كأداة لإدارة الانتقال السياسي

فرضت خصوصية النظام الإيراني، وتركيبته المعقدة، ومكانة المرشد الأعلى فيه، على الدولة الإيرانية تحديات عدة حول ترتيبات انتقال السلطة وتسمية مرشد جديد، وعلى الرغم من النجاح في تخطي هذا التحدي باختيار المرشد الجديد في وقت قصير وبقدر معقول من التوافق الداخلي على شخصه، فقد ظل تشييع المرشد الراحل أحد تحديات النظام الأكثر صعوبة في هذه المرحلة، لعدة اعتبارات؛ أولها: موقع المرشد في النظام الذي يتجاوز حدود الرئاسة بما يمثله من مرجعية عليا للنظام، وكونه ضامناً لاستمرارية مبادئ الثورة الإسلامية، وكونه أيضاً الحلقة التي تلتقي عندها الشرعية الدينية مع الشرعية السياسية ما يعني أن تشيعه لابد وأن يكون على نفس القدر من هذه الأهمية والمكانة. ثانيها: الوضع الأمني في البلاد التي لازالت تخوض حرباً، وتتلقي ضربات في عمق الأراضي الإيرانية، بينما تحتاج مراسم التشييع قدراً عالياً من الترتيبات الأمنية، ثالثها: أن تشييع المرشد الذي تم اغتياله لا يمكن أن يمر كما وكأنه تشييع لمن وافته المنية، ما يتطلب استعدادات أكثر تعبيراً عن موقف النظام من اغتيال قائده في مرحلة حرجة تتعرض لها البلاد.

وقد فرضت هذه العوامل مجتمعة تأجيل مراسم التشييع لأكثر من أربعة أشهر، غير أن النظام الإيراني لم يتعامل مع هذا التأجيل باعتباره نتيجة فرضتها ظروف الحرب فقط، ولكنه أعاد توظيفه ليصبح جزءاً من بناء الرسائل السياسية التي أراد إيصالها في مرحلة ما بعد الاغتيال، وهو ما يتضح من خلال الإصرار على أن تخرج هذه المراسم برسائل واضحة للداخل والخارج.

لعل أهمها على الإطلاق؛ هو تأكيد النظام قدرته على الحفاظ على استمرارية مشروعه السياسي، وتكاتف مؤسساته والعمل بالدرجة نفسها من التماسك، وهو ما حاول النظام إثباته منذ اليوم الأول لاغتيال المرشد، وأكد عليه خلال مراسم التشييع التي استمرت لستة أيام، بدأت في 3 يوليو الجاري 2026، وتضمنت مواكب رسمية في العاصمة طهران ومدينتي قم ومشهد الإيرانيتين، بالإضافة إلى محطات في النجف وكربلاء بالعراق، قبل دفنه في مرقد الإمام الرضا بمدينة مشهد في 9 يوليو.

هندسة المشهد الاتصالي للمراسم

 مثّلت عملية تنظيم مراسم التشييع عملية اتصالية بامتياز أعادت الدولة من خلالها تشكيل المشهد العام بعد اغتيال المرشد الأعلى. إذ صيغت مختلف عناصر المراسم بصورة مترابطة، بحيث أصبحت القرارات المتعلقة بتوقيت التشييع، ومساره الجغرافي، وكيفية إدارة الحشود، وتنظيم الوفود، واختيار الرموز الدينية، وحتى التفاصيل البروتوكولية، مكونات في خطاب سياسي واحد، هدفه إعادة إنتاج صورة الدولة وإثبات قدرتها على إدارة انتقال السلطة دون اضطراب.

1- محددات المشهد الاتصالي

قام المشهد الاتصالي للمراسم على مجموعة من المحددات المتكاملة، أدى كل منها وظيفة محددة داخل السردية التي سعت الدولة إلى ترسيخها. ومن أهم هذه المحددات:

- رمزية المكان: شكل المسار الجغرافي الذي اتخذته مراسم التشييع بناءاً اتصالياً صاغه النظام الإيراني لإنتاج معانٍ سياسية متدرجة، بحيث أضافت كل محطة بعداً إلى السردية التي سعت الدولة إلى بنائها، حيث بدأت المراسم من العاصمة طهران، باعتبارها المركز السياسي للدولة، ومقر مؤسساتها العسكرية والأمنية والسياسية، وفيها جرى التأكيد على أن الدولة لا تزال تمارس وظائفها بصورة طبيعية رغم ما أصاب العاصمة من دمار نتج عن الحرب.

ثم انتقلت المراسم إلى مدينة قم، التي شهدت بدورها ضربات وهجمات صاروخية عدة، فيما تمثل المرجعية الدينية الأهم داخل الجمهورية الإسلامية، وكونها مركزاً للحوزات العلمية التي تستند إليها شرعية نظام ولاية الفقيه. وبالتالي كان على الأرجح هناك حاجة إلى التأكيد على أن انتقال القيادة لم يؤد إلى اهتزاز العلاقة بين المؤسسة الدينية وبنية الحكم، وهو ما يحافظ على أحد أهم مصادر شرعية النظام.

وبانتقال المراسم إلى العراق، ودخول مدينتي النجف وكربلاء ضمن محطات التشييع، تزايدت الاعتبارات الرمزية المرتبطة بالمراقد الشيعية، التي تعكس حرص إيران على توجيه رسالة تتجاوز حدودها الوطنية، بما يمثله النجف من مرجعية دينية تاريخية، وما تشير إليه كربلاء من ذاكرة شيعية مرتبطة بفكرة التضحية والشهادة، ما يشير على الأرجح إلى سعي إيران إلى إظهار أن اغتيال المرشد يمثل حدثاً يخص المجال الشيعي الأوسع، وأن مكانته تتجاوز حدود الدولة إلى خارجها.

ومع اختتام مراسم التشييع في مدينة مشهد، حيث دفن المرشد في جوار مرقد الإمام الثامن على بن موسى الرضا، بمكانته الاستثنائية في العقيدة الشيعية، وكونه الإمام الوحيد المدفون داخل إيران، ويعد مرقده أحد أهم مراكز الحج الديني في العالم الشيعي. وهنا يأتي التأكيد على أن ولاية الفقيه امتداد لمسار الإمامة في الوعي الشيعي، وهو ما يعزز الشرعية الرمزية للمؤسسة التي يمثلها المرشد، حتى بعد وفاته. ويبدو أن هذه الفكرة قد حال الحرص على تنفيذها دون دفن خامنئي في طهران، إلى جوار الإمام الخميني، باعتبارهما قائدي الجمهورية الإسلامية.

- الحشود الجماهيرية: كان للحشود الشعبية التي شاركت في التشيع في كل من إيران والعراق موقع محوري في البناء الاتصالي لمراسم التشييع، باعتبارها أحد أهم محددات المشهد الذي سعت الدولة إلى إنتاجه، حيث مثّلت هذه الحشود قاعدة جماهيرية حاول من خلالها النظام توفير دليل بصري على أن شرعيته الشعبية لم تتأثر بالأزمات أو الضغوط التي يواجهها.

ومن هذا المنطلق، جاءت الكثافة العددية، واتساع الانتشار الجغرافي، واستمرار المشاركة على امتداد أيام التشييع الستة، كعناصر أساسية في بناء صورة للنظام بدا من خلالها ما زال قادراً على الحشد والتعبئة، رغم الحرب والضغوط الأمنية والاقتصادية التي مرت بها البلاد خلال الأشهر السابقة.

جاء أيضاً رفع الرايات الحمراء بكثافة من قبل المشيعين والمعبرة عن الثأر، أكثر من الرايات السوداء المعبرة عن الحداد، والتي ترتبط تاريخياً بواقعة كربلاء، وترمز إلى الدم الذي لم يؤخذ بثأره بعد، وإلى استمرار المطالبة بالقصاص - ليشير إلى أن الحشود في حد ذاتها قد تحولت إلي دليل مرئي على الالتفاف الشعبي حول خطاب الثأر الذي تبناه النظام، الذي استطاع في الوقت نفسه توظيف هذا الامتداد البصري للمشاركين براياتهم الحمراء في مختلف المدن للتأكيد على أن اغتيال المرشد قضية تخص الأمة وليس النظام فقط.

- البروتوكول التنظيمي: عكس البروتوكول الذي اتبعه النظام الإيراني في تسيير التشييع أحد مستويات الخطاب السياسي الذي أرادت الدولة الإيرانية توجيهه خلال المراسم. إذ بدا ترتيب المشاركين، وآليات الاستقبال، وتسلسل المراسم، جزءاً من عملية إنتاج المعنى السياسي، ظهر ذلك بوضوح في تنظيم حضور الوفود الرسمية، وترتيب مواقع كبار المسئولين، وآليات استقبال الشخصيات الأجنبية.

فعلى سبيل المثال، جاء ظهور الرئيس، ورئيس السلطة القضائية، ورئيس البرلمان، وقادة الحرس الثوري والجيش، والوزراء، جنباً إلى جنب، ليؤكد على أن كل مراكز القوة في النظام قد حضرت باعتبارها مؤسسات للدولة، وليس مراكز نفوذ متنافسة.

كما حملت طريقة استقبال الوفود الأجنبية وترتيب حضورها دلالات تتجاوز المجاملة الدبلوماسية، إذ عكست رؤية إيران لترتيب دوائرها السياسية والإقليمية، وأبرزت الأطراف التي أرادت الدولة التأكيد على استمرار علاقاتها الإستراتيجية معها، بما جعل البروتوكول نفسه وسيلة للتعبير عن أولويات السياسة الخارجية.

- الرموز الدينية: وظَّف النظام الإيراني الرموز الدينية والنص القرآني بوصفهما أحد أهم مصادر شرعيتها السياسية، وهو ما انعكس بوضوح في مراسم التشييع، من خلال الاختيار الدقيق للآيات القرآنية التي تليت خلال مراحل التشييع المختلفة، والتي جاءت محملة بدلالات سياسية ارتبطت بمفاهيم الصبر، والثبات، والشهادة، ونصرة المؤمنين، واستمرار الرسالة، بما ساعد على إعادة تأطير اغتيال المرشد باعتباره حلقة ضمن مسيرة الثورة الإسلامية.

كما حمل اختيار المدرسة المصرية في التلاوة القرآنية خلال المراسم دلالات عكست رغبة في تقديم المراسم في صورة جامعة تستند إلى أحد أكثر أنماط التلاوة قبولاً وانتشاراً في العالم الإسلامي، بما يوسع من دائرة التلقي، ويمنح المشهد بعداً إسلامياً يتجاوز الإطار المذهبي الضيق. فضلاً عن الحديث عن أن ذلك الاختيار جاء في بعد منه لتفضيل المرشد الراحل سماع التلاوة المصرية للقرآن الكريم -حسب العديد من القراءات الإيرانية لهذا المشهد-

- التناول الإعلامي: قدمت التغطية الإعلامية لتشييع خامنئي على مدى ستة أيام رواية رسمية متماسكة للحظة الاغتيال وما أعقبها، مع تخصيص ساعات بث طويلة لنقل المواكب، والوفود، والتلاوات القرآنية، وكلمات التأبين، وحركة الجماهير والحشود، بما حافظ على استمرار تواجد الحدث في المجال العام طوال فترة التشييع، ورسخ حضوره بوصفه قضية مركزية داخل المجال الإعلامي الإيراني.

وقد ركز الإعلام الإيراني على تصوير الجماهير من زوايا بعيدة وواسعة تظهر كثافة الحشود، ولقطات قريبة من وجوه المشاركين، لرصد مشاعرهم، إلى جانب التركيز على تواجد الرموز الوطنية والدينية بين الحشود، ما أسهم في إنتاج صورة توحي بوحدة المجتمع والنظام في مواجهة لحظة الاغتيال بإخراج إعلامي اتسم بدرجة عالية من التخطيط المسبق، وليس وليد اللحظة أو معتمداً فقط على كفاءة من ينقل الحدث عبر المدن الإيرانية، نظراً لاستدامة الحدث لما يقرب من أسبوع، ظهر ذلك من خلال اختيار زوايا التصوير، وترتيب المشاهد، وتكرار صور معينة، والتي أسهمت جميعها في بناء إدراك بصري خاص للحظة التشييع.

2- الرسائل السياسية

مع التسليم بأن بناء المشهد الاتصالي لمراسم تشييع المرشد الأعلى كان وسيلة لإنتاج مجموعة من الرسائل السياسية الموجهة إلى جماهير متعددة، اختلفت طبيعتها باختلاف المتلقي، فإن المراسم قد وجهت رسائل متوازية مستفيدة في ذلك من تكامل عناصر البناء الاتصالي التي تم توظيفها، وذلك على النحو التالي:

- رسائل الداخل: وجهت مراسم التشييع رسالتها الأولى إلى الداخل الإيراني، حيث كان التحدي الأكبر أمام النظام يتمثل في احتواء التداعيات السياسية والنفسية لاغتيال المرشد الأعلى، ومنع تحول الحدث إلى مصدر للفوضى والتأثير على قدرة النظام على الاستمرار. ولذلك ركز الخطاب الرسمي منذ الاغتيال، على مؤسسات الدولة، وقدرتها على مواصلة أداء وظائفها بصورة طبيعية، رغم فقدان أعلى سلطة في النظام.

ومن خلال الانتقال المنظم بين المدن، واستمرار المراسم لعدة أيام، والحضور الكثيف لمؤسسات الدولة، بدا واضحاً أن الرسالة الأساسية تتمثل في أن الدولة استمرت في العمل دون تأثير، كما حملت المراسم رسالة نفسية للداخل الإيراني، مفادها أن الحرب والاغتيال لم ينجحا في كسر قدرة الدولة على إدارة المجال العام.

فيما لم تقتصر رسائل الداخل على تلك الموجهة لعامة الشعب الإيراني فقط، حيث وجهت رسائل أيضاً لنخبة الداخل، مفادها التأكيد على وحدة مراكز القوة وتماسك النظام، حيث حرصت الدولة على أن تقدم صورة تتسم بدرجة عالية من الانضباط المؤسسي، سواء في ترتيب المسئولين، وحضور القيادات العسكرية والدينية، وإدارة البروتوكول، بما عكس استمرار التنسيق بين مؤسسات النظام المختلفة وتكاملها.

كما تم توظيف الآيات القرآنية أيضاً خلال استقبال وفود النخبة الإيرانية، فعلى سبيل المثال تليت الآية 95 من سورة "النساء"، التي تبدأ بقوله تعالى: "لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" بالتزامن مع دخول وفد يقوده حسن الخميني، الذي انسحب - حسب مقطع الفيديو المذاع له أثناء إلقاءه النظرة الأخيرة على الجثمان - فور سماعه بداية التلاوة، وهو ما يعد خروجاً عن البروتوكول المعتاد في مثل هذه المناسبات، حيث جرت العادة على بقاء الحضور حتى انتهاء التلاوة. فيما يمكن قراءة هذا المشهد بوصفه رسالة سياسية مفادها عدم انسجام النظام مع مواقف حفيد الإمام الخميني، وفهم الأخير للرسالة التي وجهها إليه النظام.

فيما حمل أيضاً التغيير المفاجئ لشخص إمام صلاة الجنازة؛ إذ كانت الترتيبات الأولية تشير إلى أن المرجع آية الله حسين نوري همداني هو من سيتولى الصلاة على المرشد، قبل أن يُعلن في اللحظة الأخيرة أن من سيؤم المصلين هو مصطفى خامنئي، أكبر أبناء المرشد سناً.

وعلى الأرجح، جاء هذا التغيير بإسناد المهمة إلى الابن الأكبر، في محاولة للحفاظ على مكانة العائلة، ومنحها موقعاً رمزياً في لحظة الوداع الأخيرة، دون أن يمس ذلك التعديل من التوازنات السياسية داخل النظام. لتحمل في النهاية المراسم رسالة طمأنة للنخب، مفادها أن عملية انتقال السلطة قد انتهت بالفعل، وأن مؤسسات الدولة ما زالت تعمل وفق قواعدها التقليدية، دون أن تؤدي لحظة الاغتيال إلى تغيير في توازناتها الداخلية.

- رسائل للحلفاء: حملت المحطات التي شهدها التشييع رسالة سياسية إلى حلفاء إيران في الإقليم، مفادها أن شبكة العلاقات التي بناها النظام خلال العقود الماضية لا تزال قائمة، وأن اغتيال رأس النظام لم يؤد إلى انقطاع الامتداد الإقليمي الذي تستند إليه سياستها الخارجية. كما مثّلت هذه المحطات تأكيداً على استمرار حضور إيران داخل المجال الشيعي في الإقليم.

فقد اكتسبت المراسم التي أقيمت في العراق أهمية خاصة، إذ عكست حرص طهران على إظهار أن رمزية المرشد تتجاوز الحدود الإيرانية، وأن إيران لا تزال قادرة على تحريك شبكاتها الإقليمية، والحفاظ على تماسكها.

كما حملت طريقة التعامل البروتوكولي مع وفود القوى الحليفة، عدة دلالات حيث حظيت وفود حزب الله اللبناني – الذي عد أكبر الوفود المعزية، إذ شارك في العزاء أفراد من أسرة حسن نصرلله، كما كان الوفد الرسمي الوحيد التي يضم نساء-، وحركة حماس، وجماعة أنصار الله الحوثيين، بحضور بارز في مراسم العزاء، وحرصت وسائل الإعلام الإيرانية على إبراز مشاركتها ولقاءاتها بالقيادة الإيرانية.

ومن خلال الآيات القرآنية التي تليت خلال استقبال هذه الوفود أرسلت رسائل دبلوماسية حيث اختيرت نصوص القرآنية لتؤكد على معاني الصبر والثبات ونصرة المؤمنين ووحدة الصف ومواصلة الجهاد في مواجهة الأعداء.

- رسائل الخصوم: يمكن القول بأن مراسم تشييع خامنئي بكل ما حملته من دلالات ورسائل فإن تلك الموجهة للخصوم كانت هي الأهم والأكثر وضوحاً، والتي تمركزت حول استمرار شعبية النظام الإيراني، وفشل مخططات الخارج في الإطاحة باستقرار البلاد، وأن اغتيال المرشد، رغم رمزيته، لم يؤد إلى إرباك مؤسسات الدولة أو تعطيل عملية انتقال السلطة، كما لم ينجح في تقليص قدرة النظام على الحشد أو الحفاظ على امتداده الإقليمي.

ومن خلال المشهد الجماهيري، واستمرار المراسم على مدى ستة أيام، وتزامنها مع حضور الحلفاء ووفود أجنبية، سعت إيران إلى نفي التصور الذي راهن على أن يؤدي اغتيال رأس النظام إلى تفككه أو دخوله في أزمة شرعية من شأنها زعزعة استقراره، وتؤثر على مستقبله، وهو ما عبر عنه بالفعل الرئيس دونالد ترامب في مقابلة مع موقع أكسيوس الذي أبدي فيه استغرابه لبكاء الإيرانيين في مراسم العزاء، على نحو يعكس استمرار الفجوة في فهم دوائر غربية لطبيعة المجتمع الإيراني، وقدرته على الصمود وامتصاص الصدمات التي اكتسبها من حروب وأزمات امتدت لسنوات عديدة.

- رسائل للمجتمع الدولي: ساعد حضور الوفود الأجنبية، واستمرار المراسم وفق جدول زمني منظم، وكثافة التغطية الإعلامية، في ترسيخ صورة دولة ما زالت قادرة على إدارة علاقاتها الخارجية، واستقبال ممثلي الدول والمنظمات، والحفاظ على وظائفها الدبلوماسية، رغم الظروف الأمنية والعسكرية التي تمر بها، حيث حرصت إيران على أن تقدم نفسها بوصفها دولة تمتلك مؤسسات قادرة على إدارة أخطر أزماتها وفق ترتيبات منظمة، بعيداً عن مشاهد الفوضى والانقسام.

وفق ما سبق؛ تكشف مراسم تشييع المرشد الأعلى أن الدولة الإيرانية قد اعتبرت هذه المراسم فرصة لإعادة بناء السردية السياسية التي تقدم بها نفسها إلى الداخل والخارج في مرحلة حرجة تخوض فيها حرباً لا زالت احتمالات اندلاعها مرة أخري مفتوحة، وفي ظل غياب أعلى قياداتها.

ومن هذا المنظور، فإن أهمية هذه المراسم تكمن في الكيفية التي تحولت بها الطقوس الدينية والبروتوكول الرسمي والرموز والإعلام إلى أدوات لإدارة الإدراك العام، بما يجعل الحدث نفسه وسيلة لإنتاج شرعية النظام، الذي حاولت الحرب إسقاطه، أو على الأقل إضعافه، وهو ما يؤكد أن عملية الاتصال السياسي في الحالة الإيرانية بات ممارسة مؤسسية قادرة على توظيف الفضاءات الدينية والرمزية والاجتماعية في صياغة المعنى السياسي وتوجيهه، وعدم الاعتماد فقط على البيانات والخطابات الرسمية، والحماسية التي تعد ثمة أساسية في نمط إدارة النظام الإيراني للمجال العام.


رابط دائم: