شهدت مصر خلال العقدين الأخيرين جدلاً مجتمعياً مرتبطاً بقضايا الأحوال الشخصية، وهو جدل تجاوز الإطار القانوني ليعكس تحولات أوسع في الثقافة الاجتماعية والحقوقية السائدة. إذ تحول النقاش حول مسائل الزواج والطلاق والحضانة والنفقة وحق الرؤية إلى ساحة تتقاطع فيها تصورات متعددة حول مفاهيم العدالة والحقوق والمساواة ودور الدولة في تنظيم المجال الأسري.
وفي هذا السياق، برز مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد باعتباره أحد أكثر المشروعات التشريعية إثارة للنقاش في المجال العام، لاسيما وأنه تزامن مع توسع واضح في حضور الخطاب الحقوقي داخل المجال العام المصري. فقد باتت مفاهيم مثل حقوق المرأة، وحقوق الطفل، والعدالة الأسرية، وأولوية مصلحة الطفل، جزءاً أساسياً من النقاش المجتمعي والإعلامي، وهو ما أسهم في إعادة صياغة طبيعة الجدل حول قضايا الأسرة بطبيعة الحال.
ويتمحور الخلاف حول مشروع القانون-الذي جاء تحت اسم "مشروع قانون الأسرة" ويسعي إلي دمج التشريعات المنظمة لشئون الأسرة في قانون واحد يتضمن ما يقرب من 355 مادة-في المجال العام المصري بين اتجاهين أساسيين: الأول؛ ينطلق من مرجعية فقهية تُعلي من أولوية الحفاظ على الترتيبات الأسرية المستقرة تاريخياً، الثاني؛ هو اتجاه مدعوم بخطابات حقوقية ونسوية، تتبنى رؤى تدعو إلى إعادة النظر في بعض هذه الترتيبات بما يحقق قدراً أكبر من المساواة بين أطراف العلاقة الأسرية. وقد انعكس ذلك في الجدل الدائر حول قضايا مثل سن الحضانة، وحق الاستضافة، وتوثيق الطلاق، والنفقة، وإجراءات التقاضي، والولاية التعليمية، وغيرها من المسائل التي تحولت إلى موضوعات للنقاش العام المستمر.
واللافت أن هذا الجدل لم يبدأ داخل المؤسسات التشريعية، بل سبقها إلى المجال العام عبر الدراما التلفزيونية وبرامج التوك شو ومنصات التواصل الاجتماعي، التي لعبت دوراً لا يمكن إغفاله في إعادة تعريف النزاعات الأسرية، باعتبارها نزاعات حقوقية تتعلق بالإنصاف والتمكين والحماية القانونية.
وبقدر ما أسهم هذا الانفتاح في التناول درامياً وإعلامياً في إنتاج وعي مجتمعي تجاه قضايا الأسرة، فإن ثمة انقساماً واستقطاباً حاداً تسبب فيه كيفية تناول هذه القضايا إعلامياً وفي بعض الأعمال الدرامية التي وصفت بالتحيز تارة للمرأة وتارة للرجل، ما جعل من مشروع قانون الأحوال الشخصية مجالاً تتداخل فيه الاعتبارات القانونية والدينية والاجتماعية والثقافية والإعلامية.
الثقافة الحقوقية وإعادة تعريف قضايا الأسرة
يعكس النقاش الراهن حول قانون الأحوال الشخصية في جوهره تحولات شهدها المجتمع المصري خلال السنوات الماضية، تمثلت في صعود ما يمكن تسميته بـ"الثقافة الحقوقية" "Rights Culture" داخل المجال العام، والتي سمحت بإعادة تعريف قضايا الأسرة وتفسيرها بصورة متزايدة من منظور حقوقي. وبالتالي أسهمت في انتقال النقاش حول قضايا الأسرة من المجال الاجتماعي الخاص إلى المجال العام بوصفها قضايا حقوقية.
فالثقافة الحقوقية في تعريفها المبسط تشير إلى مجموعة التصورات والممارسات التي يمتلكها الأفراد والجماعات حول الحقوق بوصفها معياراً لتنظيم العلاقات داخل المجتمع، والقائمة على معرفة القوانين، من ناحية، وكيفية إدراك الفرد معنى الحق نفسه من ناحية أخري. بمعني أدق، كيف يتحول الوعي بالحق إلى سلوك وموقف، ومن ثم خطاب عام. وغالبا ما يتشكل هذا الوعي من خلال اختبار التجارب الشخصية، ومن وسائل الإعلام، والخطاب الديني.
ويفترض أن يكون للثقافة الحقوقية داخل المجتمع مستويين أساسيين؛ أولهما: ثقافة حقوقية رسمية، تنتجها الدساتير والقوانين والمؤسسات الرسمية. وثانيهما: ثقافة حقوقية مجتمعية تتشكل خلال الحياة اليومية والنقاشات العامة.
وقد تعززت الثقافة الحقوقية في المجال العام المصري خلال السنوات الماضية مع تعدد مصادر المعرفة، ووجود فضاءات متعددة للنقاش في وسائل الإعلام التقليدية، والرقمية وبصفة خاصة السوشيال ميديا، وبالتالي لم تعد مؤسسات الدولة التقليدية وحدها من يتصدى لمناقشة القضايا ذات الطابع الحقوقي. وقد أسهمت هذه المنصات غير التقليدية في تحويل المسائل القانونية من ملفات متخصصة إلى قضايا رأي عام، وإعادة صياغتها بلغة عاطفية تجذب المتلقي تدور حول مفاهيم الظلم، والإنصاف والعدالة، مما أدى إلى توسيع قاعدة الاهتمام بالثقافة الحقوقية.
كما أسهم أيضاً الاهتمام العالمي بقضايا حقوق الإنسان، وانتشار خطابات المنظمات الحقوقية، بدوره في إدخال مفاهيم المساواة، عدم التمييز، والمصلحة الفضلى للطفل إلى النقاش المحلي.
بينما تظل التغيرات الاجتماعية داخل الأسر المصرية العامل المؤثر الأكبر في انتشار الثقافة الحقوقية في المجتمع، مع تراكم الخبرات الشخصية، المتعلقة بارتفاع معدلات الطلاق، وتغير أدوار النوع الاجتماعي، وزيادة مشاركة المرأة في العمل، وتراجع أنماط الارتباط بالأسرة الممتدة، نتيجة تغيرات اقتصادية وعمرانية وثقافية عززت من أهمية الاستقلالية الفردية والخصوصية الأسرية، وهو ما جعل القضايا الأسرية أكثر ارتباطاً بمفاهيم الحقوق خلافاً لارتباطها التقليدي القديم بالأعراف.
غير أن تعزز حضور الثقافة الحقوقية في المجتمع لم يؤد باستمرار إلى توافق مجتمعي حول قضايا الأسرة، بل إن هذا الحضور المتزايد قد أسهم في خلق تصورات متنافسة ومتعارضة بشأن تعريف الحقوق وحدودها. ذلك بالتوازي مع تنامي ما يعرف في الأدبيات السوسيولوجية بـ "الوعي القانوني"، الذي يشير إلى الكيفية التي يدرك بها الأفراد حياتهم اليومية ونزاعاتهم الاجتماعية من خلال لغة القانون والحقوق، ويستخدمونها في تفسير مطالبهم والدفاع عنها. ومن ثم، أصبح الجدل حول قانون الأحوال الشخصية يدور حول تعريف الحق نفسه وحدود ممارسته، على الرغم من اختلاف تجارب النزاعات الأسرية وتعدد أنماطها.
دور الدراما والإعلام في تشكيل الوعي بالتشريعات الأسرية
في ظل انفتاح المجال العام المصري على مناقشة قضاياه الاجتماعية، لم يعد تشكيل المواقف تجاه التشريعات الأسرية مقتصراً على المؤسسات القانونية والدينية، حيث أصبح لوسائل الإعلام والدراما التلفزيونية ومنصات التواصل الاجتماعي دور بارز كفاعلين ومؤثرين في إنتاج رؤية حول التشريعات والمساهمة في تشكيل البيئة الاجتماعية والثقافية التي يناقش التشريع في إطارها. إذ يسبق غالباً مشروع قانون ما خضوع القضية التي يعالجها سنوات من التداول الإعلامي والتناول الدرامي، الذي يسهم في بناء تصورات المواطنين حول طبيعة المشكلة وأسبابها والحلول المناسبة لها.
وفي هذا الإطار، لعبت الدراما دوراً يتجاوز مجرد عرض المشكلات الأسرية، إذ أسهمت في إعادة تأطيرها ضمن سرديات ترتبط بالعدالة والإنصاف والحقوق، حيث طورت الأعمال الدرامية تناولها للمشاكل الأسرية من خلال عدم الاكتفاء بتقديم النزاع الأسري باعتباره مشكلة خاصة، وإنما عبر تقدميه كانعكاس لاختلالات قانونية أو اجتماعية تستدعي التدخل والإصلاح. ونتيجة لذلك، تشكل جزء مهم من وعي المواطنين بقضايا الأحوال الشخصية من خلال عدة مسلسلات درامية، أكثر مما تشكل عبر الاطلاع المباشر على النصوص القانونية.
كما أسهمت منصات التواصل الاجتماعي في تعميق هذا المسار، عبر تحويل الخبرات الفردية إلى قضايا رأي عام. فأصبحت التجارب الشخصية لمشكلات النفقة والحضانة والرؤية والاستضافة تتجاوز نطاقها الشخصي لتصبح مادة للنقاش المجتمعي الواسع، والتي باتت تستخدم لتبرير مواقف الأطراف المختلفة أو لحشد التأييد المجتمعي لرؤية معينة للنزاع، بما يمنح الرأي العام دوراً متزايداً في التأثير على أولويات الإصلاح التشريعي واتجاهاته.
وقد أثار مسلسل "أب ولكن" الذي عرض في موسم رمضان الماضي 2026 فكرة توظيف السوشيال ميديا كوسائل ضغط من أطراف النزاع، إلى جانب عرضه لأزمة تعنت الأم تجاه حق الأب في الرؤية والاستضافة، وهي ذات الفكرة التي تناولها مسلسل "كان ياما كان"، وقد أسهم المسلسلان في توسيع مساحة النقاش العام حول حق الأب في ممارسة الأبوة عقب الانفصال، لاسيما وأن أغلب نقاشات القضايا الأسرية كانت تعتمد في سرديتها على المشكلات التي تواجه الأم عقب الطلاق مثل النفقة والولاية التعليمية، مثل مسلسل "فاتن أمل حربي" الذي عرض خلال موسم رمضان 2022، تأتي هذه المسلسلات الاجتماعية لتحاول إلقاء الضوء علي ضرورة النظر في القوانين المنظمة لحقوق الأم والأب والأطفال لضمان عدم جور أي طرف من أطراف النزاع علي الأطراف الأخرى.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن الإعلام والدراما قد أسهما في إتاحة المجال أمام استيعاب السرديات المتنافسة حول العدالة الأسرية، بعد أن كانت بعض القضايا تعرض من زاوية واحدة، الأمر الذي وسّع دائرة النقاش، لكنه أسهم في الوقت نفسه في تعقيد عملية بناء التوافق المجتمعي حول التشريعات الأسرية.
فيما تجدر الإشارة إلى أن أعمالاً درامية عدة قد مهدت الطريق أمام تغيير بعض القوانين مثل فيلم "أريد حلاً" الذي عرض عام 1975 وفيلم "جعلوني مجرماً" الذي عرض عام 1954، وأدى إلى صدور تشريع ينص على الإعفاء من تسجيل السابقة الجنائية الأولى في الصحيفة الجنائية للمواطنين، مما أتاح للمحكومين جنائياً فرصة الحصول على وظائف. وكذلك فيلم "كلمة شرف" المنتج عام 1973، الذي أدى إلى تغيير قانون زيارات السجون وذلك بالسماح للسجين بزيارة الأهل حال معاناتهم أمراضاً تعيقهم عن الحركة.
فيما تكشف هذه الأمثلة أن العلاقة بين الدراما والتشريع ليست ظاهرة مستحدثة، وإنما تمثل أحد المسارات التاريخية التي تتشكل من خلالها ما يمكن وصفه بـ "الشرعية الاجتماعية" للتغيير القانوني. وعلى الرغم من أن الأعمال الفنية لا تفرض التعديل التشريعي بصورة مباشرة، إلا أنها تسهم في إعادة التعريف بالمشكلة الاجتماعية في وعي الجمهور، وهو ما يُهيِّئ المجال العام لتقبل التغيير القانوني أو المطالبة به، الأمر الذي دفع العديد من النقاد والقانونيين إلى النظر لفيلم "أريد حلاً" باعتباره أحد الأعمال التي أسهمت في تهيئة المجال العام لتقبل إصلاحات قانونية لاحقة، من بينها النقاشات التي انتهت إلى إقرار قانون الخلع عام 2000.
وفي النهاية، يمكن القول إن الخلاف حول قانون الأحوال الشخصية بات يدور حول أي تصور للحق ينبغي أن يعتمد في التنظيم القانوني للعلاقات الأسرية. وهو ما يجعل عملية بناء التوافق المجتمعي أكثر تعقيداً، رغم اتساع حضور الخطاب الحقوقي في المجال العام، ما يضع على المؤسسة التشريعية عبء إدارة هذا التعدد في السرديات الاجتماعية والحقوقية، ومحاولة بلورة إطار قانوني قادر على استيعاب التباينات في التصورات حول العدالة الأسرية، بما يضمن في النهاية تحقيق قدر من التوازن بين متطلبات الحماية القانونية من جهة، واستقرار النسق الأسري في المجتمع المصري من جهة أخرى.