في‭ ‬فقه‭ ‬البقاء.. ‬قراءة‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬المصري‭ ‬واستراتيجيات‭ ‬الصمود‭ ‬
2026-6-27

د. إيمان مرعى
* خبير ورئيس تحرير دورية رؤى مصرية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

 

لا تُقاس حيوية الأمم وصلابة بنيانها بفترات الاستقرار والرخاء، وإنما تتجلى أصالتها، في تلك المنعطفات التاريخية الحافلة بالتحولات واللايقين. وفي قلب هذه اللحظات الفارقة يبرز المجتمع المصري كظاهرة إنسانية فريدة تمتلك طاقة استثنائية للتكيف؛ وهي طاقة لا يمكن تفسيرها بالمعادلات الاقتصادية الجامدة، بل هي انبثاق حي من مخزون حضاري وتاريخي تراكم عبر الآلاف السنين، ليشكل ما يمكن تسميته بـ«الهندسة الفطرية لإدارة الأزمات». هذه الهندسة الكامنة في الوجدان الجماعي تمثل شفرة البقاء السرية التي تجعل من المجتمع عصياً على الانكسار؛ في كل مرة يظن فيها المراقبون أن أدواته قد استُنفدت.

إن تفكيك هذه الظاهرة يتطلب الغوص في عمق الوجدان الشعبي، حيث الخصوصية الثقافية الضاربة في عمق التاريخ والتي تمنح الإنسان المصري نكهته المميزة في الصبر والرضا، والعمومية الإنسانية التي تجعله متأثراً بالتحولات العالمية ومتفاعلاً مع مستجداتها المعرفية والتكنولوجية. هذا المزيج الفريد ينعكس بشكل جلي على جغرافيا العيش والإنتاج في مصر؛ فالمجتمع في تماسه مع الأزمة يعيد صياغة العلاقات بين ريفه وحضره في مشهد تكاملي بديع، فرغم ما قد يظهر على الحضر من مظاهر الهشاشة الناتجة عن تعقد الحياة الاستهلاكية، فإن الريف يظل دائماً يمثل العمق الاستراتيجي الحاضن، ليس فقط من خلال مد الأسواق بمتطلبات البقاء والإنتاج الزراعي، بل من خلال تصدير قيم الترابط العائلي والتكافل العضوي التي تحمي البنية الاجتماعية الشاملة من التحلل أو التمزق كشبكة أمان تلقائية تتحرك بدافع من غريزة البقاء الجماعي التي توحد المصائر وقت الشدائد.

ويمتد هذا التناغم الأفقي في الجغرافيا ليتكامل مع تلاحم رأسي بين الأجيال؛ إذ يشهد المجتمع في أوقات الأزمات حواراً صامتاً وممتداً بين ثقافة جيلية مخضرمة استدعت من ذاكرتها خبرات الصبر الطويل، وسياسات التقشف والتدبير الذكي التي نجحت في عبور محطات تاريخية سابقة، وبين جيل شاب واعد يواجه أزمات عصره بأدوات رقمية ومعرفية مغايرة تماماً، حيث يسعى لتطوير سبل مبتكرة للتكيف والمواجهة من خلال اقتصاد المنصات والمبادرات المجتمعية الرقمية، ليتحول الصراع التقليدي بين الأجيال إلى تكامل خلاق؛ يمنح فيه الكبار الحكمة والصبر، بينما يضخ الشباب الابتكار والمرونة والديناميكية اللازمة للتعاطي مع واقع معقد وشديد التغير.

ومع ذلك، فإن هذا البنيان الصلب لا يتحرك في فراغ مثالي، بل يواجه في أوقات المحن حرباً من نوع آخر، هي حرب الوعي والمعلومات، ففي اللحظات التي تغيب فيها الحقائق، تنشط الشائعات مستهدفة الطعن في قدرة المجتمع على الصمود، وتحويل القلق الطبيعي إلى حالة من الهلع الجماعي. ومن هنا، تصبح حماية «المناعة النفسية» للمجتمع ضرورة وجودية قصوى. وفي خضم هذه المواجهات، يستدعي المصريون من أعماق سيكولوجيتهم الجماعية أسلحة دفاعية فطرية، تبرز في مقدمتها الفكاهة الساخرة،كآلية دفاعية بالغة الذكاء فى امتصاص الصدمات لتستمر الحياة. إن هذه القدرة الجماعية الفائقة على الصمود ليست مجرد رد فعل مؤقت أو آلية طوارئ عابرة، بل هي فلسفة عيش كامنة وصيغة بقاء متجددة للمجتمع المصرى الذى يثبت يوماً بعد يوم أنه ليس متلقياً سلبياً للأزمات، بل هو فاعل أساسي يمتلك القدرة على تجديد نفسه، والتحرك بنجاح وثقة.


رابط دائم: