الهيمنة الخوارزمية ومناهضة جيل "زد"
2026-6-19

مروان شعبان
* باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
 
* المقال جزء من العدد رقم 138من دورية "الملف المصري" الإليكترونية، مايو 2026.
للاطلاع وتحميل العدد كاملًا: https://acpss.ahram.org.eg/Esdarat/MalafMasry/138/files/downloads/Malaf-138-May-Final.pdf

 

شهد العالم تطورات تكنولوجية عدة، كان لها أثرها البالغ في تطوير أساليب عرض المضمون الإعلامي. فخلال القرن العشرين، كانت وسائل عرض الرسائل والمضامين الإعلامية "تقليدية"، بدأت بالصحف، ثم أخذ التطور منحاه، فظهرت وسائل تكنولوجية جديدة كالراديو والتليفزيون. وفي تلك المرحلة، احتكرت المؤسسات الصحفية والإعلامية الكبرى إنتاج المعلومات وصياغة المضامين الإعلامية وتوزيعها على الجمهور، حتى شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين انتشارًا  للإنترنت بين الأفراد والمؤسسات، بما أحدثه من تحول جوهري في إنتاج المعلومات وتداولها. ومع بدايات القرن الحادي والعشرين، تشكل جيل جديد عُرف لاحقًا باسم جيل "زد" Gen Z، الذي نشأ في بيئة رقمية اتسمت بالاتصال الدائم والتفاعل الفوري مع المحتوى، وهو ما جعله أول جيل يعيش معظم مراحل تنشئته في ظل الفضاء الرقمي.

وعلى الرغم من خضوع جيل "زد" لبيئات رقمية تحكمها الخوارزميات، فإنه سعى  في الوقت نفسه إلى مناهضة الهيمنة الخوارزمية، مستفيدًا من مهاراته الرقمية العالية في تنظيم الحملات الإلكترونية وإنتاج محتوى مضاد للسرديات المهيمنة. وبذلك، لم يكن هذا الجيل مجرد متلقٍ لقرارات الخوارزميات، وإنما أصبح فاعلًا رقميًا يسعى إلى تعزيز الشفافية والمساءلة والحد من احتكار المنصات الكبرى لتدفق المعلومات.

تناقش هذه المقالة إشكالية هيمنة الشركات التقنية، عبر أدواتها الخوارزمية، على إتاحة ونشر سرديات محددة على وسائل التواصل الاجتماعي -خاصة خلال الصراعات والحروب- وفي الوقت نفسه، تقييد أخرى مغايرة لما تنشره، من خلال تناول مقاربة نظرية تفسر الأبعاد المختلفة للهيمنة الخوارزمية للشركات التقنية. فضلًا عن استكشاف تفاعلات وردود أفعال جيل "زد" تجاه الأحداث الكبرى التي يشاهدها، لا سيما الحروب، على منصات التواصل الاجتماعي، وذلك من خلال طرح تساؤل رئيسي، هو: كيف يوظف أبناء جيل "زد" وعيهم التقني في التفاعل مع الأنظمة الخوارزمية للمنصات الرقمية، وتطوير آليات للتكيف أو تجاوز قيودها، بما يسهم في إتاحة نشر سردياتهم ووجهات نظرهم المغايرة؟

أولًا: حراس البوابة "الرقمية"

تسهم نظرية "حارس البوابة الإعلامية" في تفسير ظاهرة آليات التحكم في تدفق المعلومات وتشكيل سردياتها. وتعود الجذور النظرية لمفهوم "حارس البوابة الإعلامية" إلى عالم النفس الاجتماعي الأمريكي من أصل ألماني كيرت لوين في أربعينيات القرن العشرين.

تنطلق النظرية من فرضية رئيسية تتمثل في توظيف المعلومات ضمن عملية اتصال إعلامي في سلسلة أو "بوابات" متصلة ببعضها بعضًا. في كل بوابة، يوجد مسئول أو "حارس" يتمتع بالحق في تمرير تلك المعلومات التي أتته من البوابة التي سبقته للبوابة التي تليه أم لا، أو إذا كان سينقلها بشكل مطابق كيفما جاءته، أم سيضفي عليها بعض التغييرات أو التعديلات، أو كيفما تعرض على الجمهور. فالمعلومات أو الناتج الإعلامي النهائي يمر عبر عدة بوابات، وظيفتها تنظيم أو "فلترة" قدر وطبيعة محتوى المعلومات التي ستعبر من خلالها لتظهر كناتج إعلامي للجمهور.

بالتالي، يمكن القول إن حارس البوابة -أو القائم بالاتصال- هو الوسيط الذي تنتقل المعلومات المختارة -بعد أن صيغت في رسائل محددة- من خلال بوابته إلى البوابات التي تليه، ثم إلى الوسيلة الإعلامية، ومن ثم إلى المشاهد أو المستمع[1].

حارس البوابة الإعلامية في البيئة الإعلامية "التقليدية" تحكمه وتقيده ثلاثة محددات رئيسية تؤثر في عمله العاكف على انسيابية المعلومات، سواء إلى البوابات الإعلامية المتتالية أو إلى الجمهور: أولها، القيود المجتمعية، التي تتمثل في المعايير والقيم والتقاليد الراسخة لمجتمع هذا "الحارس"، والتي تستند إليها عملية التنشئة الاجتماعية لهذا المجتمع، وتقيد من قرار الحارس، سواء فيما يخص نشر أو معالجة جميع المعلومات التي يمتلكها، حفاظًا على تلك القيم والتعاليم الراسخة. ثانيها، الصفات الشخصية لـ"حارس البوابة" التي تشكل مرجعيته ورؤيته تجاه جمع ومعالجة المعلومات. ثالثها، القيود المهنية، التي تتمثل في إطار العمل المهني للحارس من حيث السياسة التي أقرتها المؤسسة -التي يعمل بها الحارس- لإنتاج الرسائل الإعلامية، فضلًا عن تنافسية البيئة العملية التي تؤثر في مدى إنتاجية الرسائل الإعلامية[2].

غرفة أخبار صحيفة "The New York Times" إبان عام 1942

ومع تطور العالم تكنولوجيًا ورقميًا، وبالانتقال لبدايات القرن الحادي والعشرين، استمرت الوسائل الإعلامية التقليدية -كالصحف والقنوات التليفزيونية- في أداء وظيفتها في إمداد الجمهور المعتاد بالرسائل والمنتجات الإعلامية. ومع انتشار "الإنترنت" الواسع النطاق والهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، تغيرت أساليب عرض الرسائل الإعلامية؛ حيث لم تعد وسائل الإعلام التقليدية قادرة على الانفراد بعرض الرسائل والمضامين الإعلامية كما كان الحال سابقًا، بعد أن فقدت احتكارها لإنتاج المعلومات وتوزيعها في ظل البيئة الرقمية الجديدة. وأصبحت تتنافس مع المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي على جذب انتباه الجمهور، لا سيما جيل "زد" (Gen Z)، الذي نشأ في بيئة إعلامية تفاعلية تتسم بتعدد مصادر المعلومات وسرعة تداولها. وبالتالي، بات من الضروري أن يتغير حارس "البوابة الإعلامية التقليدي" إلى حارس بوابة جديد وبأدوات "رقمية".

فقد أدت إتاحة أدوات النشر الرقمي للجميع إلى إعادة تشكيل وظيفة "حراسة البوابة" بعد أن أصبح الأفراد قادرين على الوصول إلى خدمات الإنترنت، ومن ثم أصبح الفرد يؤدي أدوارًا متعددة داخل البيئة الرقمية، فلم يعد مجرد متلقٍ للمعلومات، وإنما تحول إلى منتج للمحتوى وناشر له ومشارك في انتقائه وترويجه. وبالتالي، لم يعد دور "حراسة البوابة" حكرًا على الحراس القدامى، مثل الصحفيين أو المحررين المنتميين لمؤسسات صحفية أو إعلامية؛ حيث أصبح هناك فاعلون جدد. كما لم تعد هناك المحددات والقواعد التقليدية المهنية "القديمة" التي كانت تقيد وتحكم قرار حارس البوابة بعد أن انتقلت هذه الوظيفة تدريجيًا إلى المنصات الرقمية والخوارزميات التي باتت تتحكم في ترتيب المحتوى وإبرازه للجمهور، حيث صار يضطلع بدور "المفلتر والحارس الجديد" للأخبار وللمعلومات "الشركات التقنية" وأداتها الجديدة، وهي "الخوارزميات".

لم يتوقف التطور الإعلامي الرقمي عند هذا الحد، وإنما شهدت البيئة الإعلامية ظهور مؤسسات إعلامية رقمية جديدة، إلى جانب المؤسسات التقليدية التي نجحت في التكيف مع التحولات الرقمية. وقد اعتمدت هذه المؤسسات على قنوات ومنصات نشر مستحدثة لإيصال رسائلها الإعلامية إلى الجمهور، مثل المدونات، والمواقع الإخبارية الإلكترونية، ومنصات التواصل الاجتماعي، بما أتاح أشكالًا أكثر سرعة وتفاعلية في إنتاج المحتوى وتداوله.

لم يقف تطور المشهد الإعلامي الرقمي عند هذا الحد، فقد زاد تعقيدًا ويسرًا في الوقت نفسه مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. فمن جهة، أتاحت هذه المنصات للمؤسسات الإعلامية، سواء التقليدية أو الرقمية، أدوات فورية لقياس وتقييم تفاعل الجمهور مع المحتوى المنشور عبر الإنترنت وتحليل أنماط استهلاكه وتفضيلاته عوضًا عن الطرق المكلفة إبان عصر العرض التقليدي.

من جهة أخرى، فإنه رغم الآمال التي صاحبت صعود الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في بناء فضاء إعلامي أكثر ديمقراطية وتعددية، إلا أن الواقع لم يشهد سوى عملية "استبدال" حارس آخر جديد بالحارس القديم. هذا الحارس الجديد يمتلك أداة جديدة "الخوارزميات"، وهي التي تحدد -بشكل تلقائي ومؤتمت- ما إذا كان المضمون الذي يراد نشره مهمًا أم لا، وما إذا كان المضمون مخالفًا لـ"معايير وقيم" جديدة أم لا؟، حيث أصبحت المؤسسات الإعلامية والصحفية، التي كانت تاريخيًا تحدد السياسات التحريرية وتتحكم في صياغة المضمون الإعلامي، تعمل اليوم ضمن بيئة رقمية تنصاع فيها لمعايير "الحارس الخوارزمي الجديد"، الذي بدوره يسمح أو يمنع الرسالة الإعلامية، والذي خلق بدوره حالة "تبعية" مطلقة للمؤسسات الإعلامية لوسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس حالة "لا ديمقراطية" في صنع المادة الإعلامية، على عكس ما كان متوقعًا ومستشرفًا في بدايات انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث كان متوقعًا خلق إطار أكبر وأوسع لحالة "عرض المادة غير الإعلامية" من حيث صنعها وطبيعة محتواها ومدى تفاعل صناعها مع مختلف الآراء. ولكن ما حدث إبان هذا التطور الرقمي -كما ذكرنا سابقًا- أن استُبدل بالحارس التقليدي حارس رقمي أقوى، يمارس الدور نفسه بفعالية أكبر؛ يمنع أو يسمح بالمحتوى المصاغ[3].

                       

أمثلة لمؤسسات إعلامية وصحفية غربية واكبت التطور الرقمي والتكنولوجي

من ثم، يمكن استخلاص بعض الآثار التي نتجت عن التطور الإعلامي الرقمي، أبرزها: أن عملية جمع المعلومات لم تعد تعتمد بصورة حصرية على الجهد الميداني التقليدي من خلال الاحتكاك المباشر بالواقع الاجتماعي والنزول إلى "الشارع"؛ وذلك بفضل الأدوات الاتصالية الجديدة، ما أدى إلى اعتماد أكبر على المصادر الرقمية. كما فرض ذلك التطور إعادة تشكيل العلاقة بين منتج المحتوى والجمهور؛ حيث أصبح من الضروري أن يوفر صانع المادة الإعلامية "طرقًا" لتلقى "التغذية الراجعة" من قبل الجمهور حول المحتوى المنشور.

بالتالي، لا يمكن الجزم بعدم فعالية مفهوم "حارس البوابة الإعلامي" كون المصطلح ظهر في منتصف القرن العشرين، إبان سياقات سياسية واجتماعية مختلفة عن عالمنا اليوم، ومواطنين وأفراد مختلفين -سواء منتجي محتوى المواد الإعلامية أو الجمهور- تحكمهم قيم مجتمعية مختلفة تتباين من حيث الموطن والجغرافيا.

بيد أنه يمكن الجزم بأن هذا المفهوم "طُور" ليلائم العالم الرقمي الحديث، والمواطن الجديد؛ حيث أصبحت الخوارزميات واحدة، موجهة لنشر أو منع المحتوى على نطاق عالمي واحد، وموجهة لمواطن عالمي واحد، لا تقيده الحدود أو الجغرافيا القديمة. هذا المواطن العالمي الذي أصبح المشاهد الجديد للناتج الإعلامي الجديد المتطور رقميًا، باتت تمثل شريحته الكبرى، الشباب أو Gen Z.

نتيجة لما سبق، يمكن القول إن صعود الرقابة الخوارزمية "أداة الحارس الجديد" جاء مواجهًا لنمو متزايد في كم معلومات المحتوى الرقمي الذي جعل عملية المراقبة البشرية "مستحيلة"، ما دفع الشركات التقنية الكبرى المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي للاعتماد على "الأداة الخوارزمية الجديدة" كونها تعد أنظمة تعتمد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي في رصد المحتوى وتقييمه مسبقًا أو لحظيًا قبل أو في أثناء انتشاره، من خلال برمجتها لتقديم حلول فورية للتعامل مع أنواع المحتوى الجديد، والحد من الانتشار السريع للمعلومات المضللة والمؤذية (كالمحتوى الدموي)، لا سيما خلال الأزمات والصراعات.

ولكن في الوقت نفسه، وفي ظل صراع السرديات، تفرض الخوارزميات السردية المتحيزة التي توافق "القيم والمعايير" التي تم برمجتها عليها، وهذا هو الأساس البنيوي الذي تبنى عليه "آلية الرقابة الخوارزمية".

على سبيل المثال، وإبان أبرز أزمة إنسانية شهدها العصر الحديث (حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة)، تضافرت التحيزات الخوارزمية لمنصات التواصل الاجتماعي مع السياسات الحكومية الإسرائيلية لتكريس رقابة رقمية ممنهجة؛ حيث استغلت "الوحدة السيبرانية الإسرائيلية" -المنشأة عام 2015 التي تعني وظيفتها بجمع المعلومات الإلكترونية المتعلقة بالجرائم السيبرانية، وإدارة القضايا الجنائية التي تنطوي على جرائم حاسوبية، وتنفيذ تدابير لمكافحة الأنشطة المحظورة في الفضاء الإلكتروني- غياب الشفافية القانونية الداخلية لها، لتمرير طلبات لحذف المحتوى المؤيد للفلسطينيين وسردية مقاومتهم للاحتلال وفرض "الحظر المظلل" (Shadowbanning) بذريعة مكافحة التحريض الإرهابي. وقد تجلى ذلك المسار التحيزي باستحداث تحديثات رقمية جديدة في منصات التواصل الاجتماعي، كمنصة فيس بوك "Facebook"، التي تستخدم ذرائع لحجب ومنع التعبير السياسي المناهض للسردية المؤتمتة[4]، حيث امتثلت المنصة لنحو 90% من طلبات الوحدة لإزالة المنشورات والحسابات الفلسطينية المناهضة للسردية الإسرائيلية المهيمنة في الفضاء الرقمي.

احتجاجات لنشطاء فلسطينيين بمدينة الخليل في الضفة الغربية، رفضًا لتقييد المحتوى الرقمي المؤيد لفلسطين من قِبل منصة "Facebook"، في عام 2021

يضاف إلى ما سبق، أن هذه الممارسات التحيزية تجاوزت الحذف أو تقييد نشر المحتوى، لتشمل توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تعمل على مراقبة النشاط الرقمي للفلسطينيين على منصات التواصل الاجتماعي وتحليله عبر تتبع "كلمات مفتاحية مكتوبة ومنشورة"، مثل: شهيد، والأقصى. ومن ثم، تقوم الخوارزميات ببناء ملفات خوارزمية مسبقة وتنبئية تُستخدم إسرائيليًا في الاعتقالات الاستباقية المبنية على توقعات لجرائم لم -وقد لن- تقع بعد[5].

ثانيًا: التعريف بجيل زد "Gen Z"

يُعرف جيل "زد" أو ما يعرف بــ"Gen Z، بأنه الجيل الذي يضم المولودين في منتصف التسعينيات، بعد عام 1996 حتى عام 2010[6]. كما يُعدّ من الأجيال الأكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا الرقمية، والأول الذي نشأ بالكامل في ظل شيوع الإنترنت والتقنيات الرقمية منذ مراحلها الأولى[7]. هذا الجيل يمثل جيل "المواطنة الرقمية" الذي يعتمد على الإنترنت كوسيلة رئيسية لخلق حياة اجتماعية "افتراضية" في مناحٍ متعددة؛ تكوين الصداقات، والعمل، والتسوق.

في عام 2018، وبحسب استطلاع رأي أجراه مركز بيو للأبحاثPew Research Center في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن 95% من المبحوثين الذين تراوحت أعمارهم حينها بين 13 و17 عامًا -وهو ما يعني أن أعمارهم الحالية تتراوح تقريبًا بين 21 و25 عامًا- كانوا يمتلكون هواتف ذكية. كما أظهرت النتائج أن 97% منهم يمتلكون حسابات على واحد أو أكثر من منصات التواصل الاجتماعي الرئيسية[8].

وبما أن هذا النسق الرقمي أصبح عالميًا، وعابرًا للحدود الجغرافية، فإنه يمكن الإشارة إلى أبناء جيل زد في القارة الآسيوية الذين يقضون في المتوسط نحو 6 ساعات يوميًا على الإنترنت. في هذا السياق، تشير بعض البيانات الإحصائية إلى الأهمية المتزايدة لهذا الجيل داخل الفضاء الرقمي، إذ يمثل هذا الجيل نحو 60% من بين أكثر من مليار مستخدم لتطبيق ومنصة تيك توك  TikTok حول العالم[9].

على صعيد تكوين منظومتهم القيمية، يتميز جيل زد بالانفتاح على الاختلاف والتعددية وكل طارئ اجتماعي جديد؛ حيث لديهم إيمان راسخ بالتفكير النقدي، والعدالة، وقيمة المساواة[10]. ورغم نزعتهم الفردية القوية وحاجتهم للتعبير المستقل عن الذات عبر المنصات، إلا أنهم يبحثون بشغف عن الانتماء لمجتمعات داعمة وشاملة وتبني علاقات اجتماعية[11]، كما يتسمون بسعة الأفق وتقبل رأي الآخر دون نبذه؛ حيث يرون أن المعلومة أو الحقيقة هي نتاج فكري جماعي وليست نتاجًا فرديًا جامدًا[12].

لا يمكن اعتبار جيل زد وحدة متجانسة الآراء، لكنه يشترك في سمات عامة، أبرزها؛ ضعف الثقة تجاه المؤسسات التقليدية الرسمية، والعزوف عن أشكال المشاركة السياسية التقليدية[13]. وبدلًا من ذلك، يميلون بقوة إلى التشكيك في الروايات السياسية الرسمية (المنتشرة)، والبحث عن الرواية المغايرة؛ حيث تبقى الأحداث -سواء كانت التاريخية أو المعاصرة- لديهم قيد البحث والتفحص والتنظير الدائم[14]. على سبيل المثال، يُعد هذا الجيل في الولايات المتحدة الأقل ميلًا لتصديق سردية التفوق العالمي الأمريكي على باقي دول العالم[15].

وتُعد المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي الساحة الحيوية وإحدى الساحات الأساسية لتكوين رأيهم العام، وتنشئتهم سياسيًا، والتعبير عن هويتهم[16]. لذا، يُفضلون المسارات الأقل مؤسسية، مثل "التعبئة الرقمية" لمناصرة القضايا التي يؤمنون بها، وممارسة الضغط على الحكومات والأنظمة، ويتعاظم استخدامهم لهذه الأدوات بشكل خاص إبان الأزمات.

ثالثًا: هل يناهض جيل "زد" الهيمنة الخوارزمية؟

إبان عملية الانتشار الواسع للإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، رحب المستخدمون الجدد بالوسائل الرقمية الجديدة لما توفره وستوفره الخوارزميات من اقتراحات "متوقعة" من جراء تفضيلاتهم المخزنة على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، قد تساعدهم أو تسهل لهم وجودهم على تلك المواقع. ولكن مع التطورات التكنولوجية المتسارعة التي يفرضها العصر الرقمي، ومع تزايد كم المعلومات الموجودة على الإنترنت، أضحت الخوارزميات تشبه "الكيان" المفكر الذي لديه وعي وعقل، يفرض سطوته على المستخدمين، كما يصنع "فقاعة" خاصة لكل مستخدم على حدة، صُنعت خصيصًا له، يتم لها الأتمتة باستمرار وبشكل يومي[17].

في هذا السياق، أضحت تساؤلات عدة تُثار حول تأثير تلك المعلومات في العملية الإبداعية والإبتكارية للمستخدمين، والأكثر وطأة، إذا كانت تلك المعلومات "المبرمجة" خوارزميًا" تفرض سردية واحدة على المستخدمين إبان الأحداث الكبرى كالحروب والصراعات.

وفي ظل تطورات العصر الرقمي المتزايدة، وتزايد تفاعل مستخدميه، خاصةً مواطنه الرقمي الأول "جيل زد" الذي شاهد بداية نشأـته، ثم تطوره اليومي، أصبح هناك تساؤل رئيسي، هو: هل يناهض جيل زد الهيمنة الخوارزمية؟ وكيف يناهض تلك الهيمنة إبان الحروب والصراعات؟

قبل البحث في أبرز أساليب هذا الجيل الرقمية لمواجهة هيمنة الخوارزميات، لابد من الشروع أولًا في إجابة سؤال لا يقل أهمية عما سبق طرحه من تساؤلات، وهو كيف تفاعل جيل "زد" مع الأحداث الكبرى إبان العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وحتى وقتنا الراهن؟

    جيل "زد"، هو جيل نشأ بالكامل منذ بدايته، في واقع سياسي يتسم بحالة دائمة من "اللايقين" تجاه الأحداث العالمية الكبرى؛ فقد شهد أحداثًا سياسية، مثل: الاحتلال الأمريكي للعراق، والغزو الأمريكي لأفغانستان، وثورات "الربيع العربي"، وحروب في مواقع جغرافية متاخمة ومجاورة وبعيدة. كما شهد كوارث صحية ومناخية. هذه الحالة اللايقينية المستمرة، خلفَّت نسقًا من "السخرية" في صيغتها الرقمية، فأضحت النكات أو "الميمز" هي اللغة الجديدة للتعبير عن تلك الحالة لجيل يكتشف واقع لا يريد الإنخراط فيه؛ حيث يرونه واقعًا يهدد مستقبلهم[18].

على سبيل المثال، عندما شنت الولايات المتحدة الأمريكية ضرباتها العسكرية على إيران في الثامن والعشرين من شهر فبراير 2026 انتشرت موجة واسعة من الميمز في الولايات المتحدة، تناولت بسخرية تساؤلات حول ما إذا كانت المهارات المكتسبة من ممارسة "ألعاب الفيديو" ستجدي نفعًا حال أقرت الولايات المتحدة الأمريكية التجنيد الإجباري أم لا؟. فبالرغم من كون هذا الطرح "مزحة" إلا أنها تكشف المنظور الجيلي المخالف لجيل زد.

فإذا كان أبناء جيل "زد" قد عبروا عن عدم واقعية سيناريو التجنيد الإجباري في الولايات المتحدة، فإن الأجيال الأكبر سنًا قد تعبر عن الموقف نفسه بوسائل مختلفة مقارنة بجيل "زد"؛ فالجيل الذي كانت تنشئته السياسية إبان الحروب الخارجية للولايات المتحدة تتمحور حول "الانتماء الوطني"، لن يكن تفاعله مع هذه الحرب الضروس مثل تفاعل الجيل الأصغر.

أمثلة مختلفة للـ"ميمز" "Memes" التي انتشرت بشكل أساسي من قبل جيل "زد"، تعبيرًا عن السياق السياسي العالمي العام

ومن ثم، أدرك جيل زد أن "الميمز" يعد إحدى الأدوات الفاعلة ضمن ما يُعرف بــ"اقتصاد الانتباه"؛ إذ تتيح تحويل مشاعر الاستياء واللايقين إلى محتوى بصري ساخر وقابل للتداول والانتشار. فمن خلال هذا النمط من التواصل الرقمي يمكن للميمز أن تؤدي وظائف تعبوية ورمزية مؤثرة عند انتشارها على نطاق واسع، وتنجح بدورها في تقليل تكلُفة المشاركة السياسية الإدراكية مقارنة بالبيانات السياسية التقليدية[19].

فضلًا عما سبق، فإن هذا التفاعل الشبابي يعكس نتيجة أخرى تتمثل في أن الحرب وحيثياتها والقرارات المرتبطة بها، سواء التي يتم اتخاذها أو التي يحتمل اتخاذها، لم تعد حكرًا على دوائر صنع القرار أو النقاشات السياسية المغلقة، بل أضحى لها أن تناقش شبابيًا وتتداول علنيًا عبر منصات التواصل الاجتماعي من خلال فيديوهات "ريلز"، وغيرها من أشكال المحتوى الرقمي[20].

وفي سياق مكاني مختلف وزماني واحد؛ برز إبان حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة (منذ أكتوبر 2023 وحتى وقتنا الراهن) جيل زد العالمي بوصفه فاعلًا مؤثرًا في المجال الإعلامي الرقمي؛ حيث حمل على عاتقه مهمة تداول وتوثيق ونشر المحتوى المرتبط بالإبادة؛ وذلك في وجه السيطرة الإعلامية التي تؤازر سردية الاحتلال الإسرائيلي. كما تصدى هذا الجيل للتهم أو النعوت التي وصفتهم بـ"التعاطف مع الإرهابيين"[21].

في السياق نفسه، يمكن الإشارة إلى أحد التكتيكات المبتكرة التي مورست على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي ساعدت المستخدمين -خاصة الشباب-، في نشر سرديتهم المغايرة لما ينشره "الأقوياء"، ومقاومة الهيمنة الخوارزمية، وهي "التحايل اللغوي".

ابتكر هذا التكتيك التقني من قِبل المستخدمين وجيل زد -وأبرزهم المناهضون لآلة الحرب الإسرائيلية- لإخفاء النص بغرض التحايل خوارزميًا على الخوارزميات المراقبة التي قد تمنع المنشورات الموسومة بالدعم الفلسطيني. على سبيل المثال، يتم استبدال أحرف وإضافة أرقام أو رموز داخل الكلمة الواحدة بغرض تمريرها خوارزميًا، مثل كلمتي "Isr@3l" و"P@l3stin3"، ما يؤدي لعدم قدرة الخوارزميات لفرض سطوتها الرقمية عليها.

في كشف إحصائي تم خلال الفترة من (7 أكتوبر 2023 إلى 27 أبريل 2024) على 21 مجموعة نشطة على منصة Facebook، بعدد 779500 مستخدم عربي و10095 منشورًا، توصل القائمون على هذا الكشف الإحصائي إلى النتيجة التالية: المستخدمون العرب طوروا أنماطًا لغوية جديدة ومتكررة ومبتكرة (نتج عن الكشف استحداث 407 كلمات جديدة) للالتفاف على أدوات الرقابة الخوارزمية في المنصة. فلإبراز كلمات مفتاحية، مثل "غزة"، و"فلسطين"، و"إسرائيل"، و"الصهيونية"، وحركة "حماس"، تلاعب المستخدمون بالكلمات لغويًا وبصريًا لتمريرها. على سبيل المثال، استخدم المستخدمون "الكشايد" والنقاط في كلمة "حـ.ـركـ.ـة حـ.ـمـ.ـا.س"، وأطالوا كلمة "فــــــلــــــــــسًــــــــطيـــــــّن" لتمويهها بصريًا، كما فصلوا كلمتي "اسـ/ ـرائـ _ـيل" و"ال ص ه يو ن ي ة"، وبدلوا حرفًا واحدًا بحرف باللغة الإنجليزية في كلمة "طوfان" وحرف عربي في كلمة "اخرائيل".

وبالتالي، كانت الأساليب المستخدمة المضللة خوارزميًا، هي: الاستبدال (كما في كلمة الجـ8ــاد)، والتقسيم (كما في كلمة G,e,n,o,c,i,d,e)، والإضافة (كما في كلمة ڠزتنا، أو بإضافة رمز "البطيخة" الذي يرمز لألوان العلم الفلسطيني[22]، والتنقيط الإضافي (كما في كلمة إسززااائيل)، وعدم التنقيط (كما في كلمة المڡاومه)، والحذف (كما في كلمة فلسطي)، والدمج (كما في كلمة غزة تحت القصف)[23]، وهو ما أسهم في إنتاج نسق جديد في خطاب مدني داعم للقضية الفلسطينية وبشكل لا يضلل الخوارزميات فحسب، بل يضفي أيضًا أسلوبًا رقميًا جديدًا في طرح الخطاب المناضل لسردية "ذات مصداقية" لا "مبرمجة".

انفوجراف رقم (1)

ختامًا، بات واضحًا أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت إحدى المصادر الرئيسية للتنشئة السياسية لدى جيل "زد". ورغم فرض تلك المنصات لآليات خوارزمية تتحكم في السيل المعلوماتي الهائل وتصفية السرديات المغايرة، أضحى لجيل "زد" أسلوبه الخاص في التفاعل مع الأحداث الكبرى من خلال إنتاج وتداول سرديات رقمية بديلة عبر المنصات الاجتماعية، وذلك في مواجهة خوارزميات قد تعيقه عن التعبير عن رأيه، وفي اتخاذ قراره بالمشاركة السياسية بشكل رقمي ومستحدث.

المصادر


[1]- مكيري مالية. حراسة البوابة الإعلامية مقاربة مفاهيمية في ظل البيئة الإلكترونية، جامعة الجيلالي بونعامة - خميس مليانة: مجلة المعيار. يناير 2018. متاح على الرابط التالي: https://asjp.cerist.dz/en/article/33638

[2] - المصدر السابق

[3]- إلهام بوثلجي ونزيهة وهابي. الخوارزميات في البيئة الرقمية ... الوجه الآخر لحارس البوابة التقليدي، جامعة لونيسي علي البليدة 2: مجلة الرسالة للدراسات والبحوث الإنسانية. 30 أبريل 2023. متاح على الرابط التالي: https://asjp.cerist.dz/en/article/219736

[4]- Ravale Mohydin. Algorithmic Censorship and Israel's War on Gaza. TRT WORLD: Research Center. 20 December 2023. Available at: https://researchcentre.trtworld.com/publications/policy-outlook/algorithmic-censorship-and-israels-war-on-gaza/

[5]- Ibid.

[6]- تريز حسام وسيف دسوقي. الذاكرة التاريخية من منظور الشباب. مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: فصلية أحوال مصرية، ص ص 37-49. و

Kim Parker And Ruth Igielnik. On the Cusp of Adulthood and Facing an Uncertain Future: What We Know About Gen Z So Far. PEW RESEARCH CENTER. Available at: https://tinyurl.com/mw3pb3z8

[7]- دينا شحاتة، كيف يعيد جيل Z تشكيل السياسة الامريكية؟ التوجهات، الأولويات، وأنماط المشاركة. مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. متاح على الرابط التالي:

https://acpss.ahram.org.eg/News/21675.aspx و

Kim Parker And Ruth Igielnik. Op.Cit.

[8]- Ibid.

[9]- Ibid.

 [10]- دينا شحاتة، مصدر سبق ذكره. وتريز حسام وسيف دسوقي، مصدر سبق ذكره.

[11]- What is Gen Z? McKinsey and Company. 28 August 2024. Available at: https://www.mckinsey.com/featured-insights/mckinsey-explainers/what-is-gen-z#/ & Kim Parker And Ruth Igielnik. Op.Cit.

 [12]- تريز حسام وسيف دسوقي، مصدر سبق ذكره

 [13]- دينا شحاتة، مصدر سبق ذكره

 [14]- تريز حسام وسيف دسوقي، مصدر سبق ذكره

[15]- Kim Parker And Ruth Igielnik. Op.Cit.

[16]- دينا شحاتة، مصدر سبق ذكره. وتريز حسام وسيف دسوقي، مصدر سبق ذكره

[17]- Kelly Beaton. Gen Z, Millennial Consumers Leading ‘Anti-Algorithm’ Movement. The Food Insistitute. 27 October 2025. Available at: https://foodinstitute.com/focus/gen-z-millennial-consumers-leading-anti-algorithm-movement/

[18]- WWIII – How is Generation Z turning global conflict into digital resistance? Tomorrow’s affairs. 19 June 2025. Available at: https://tomorrowsaffairs.com/wwiii-how-is-generation-z-turning-global-conflict-into-digital-resistance

[19]- Mr. Tee. How Gen Z Uses Memes as Weapons for Social Change. Medium. 27 September 2025. Available at: https://medium.com/@tanveerofficial7772/how-gen-z-uses-memes-as-weapons-for-social-change-51177da51097

[20]- Robert Lockett Jr. War, drafts and memes: Why Gen Z is watching the Iran conflict closely. Colonel Media Group. 5 March 2026. Available at: https://thenichollsworth.com/7015467/news/war-drafts-and-memes-why-gen-z-is-watching-the-iran-conflict-closely/

[21]- Laura Cugusi. Gen Z and Palestine: how social media activists are changing journalism forever. Untold Mag. 12 January 2024. Available at: https://untoldmag.org/gen-z-and-palestine-how-social-media-activists-are-changing-journalism-forever/

[22]- Ravale Mohydin. Op.Cit.

[23]- Reham Hosny and Mohamed A Nasef. Lexical algorithmic resistance: Tactics of deceiving Arabic content moderation algorithms on Facebook. 19 May 2025. Sage Journals: Big data & society. Available at: https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/20539517251318277


رابط دائم: