من الخطاب الثوري إلى "From Tehran to D.C": كيف أعاد "AI" تشكيل أدوات الدعاية الإيرانية؟
2026-6-9

رانيا مكرم
* خبيرة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية - رئيس برنامج دراسات الإعلام والرأي العام

 

في ظل تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وامتداد حالة اللا سلم ولا حرب لنحو شهرين؛ امتدت المواجهات بينهما لتشمل المجال الرقمي، الذي بات ساحة مركزية لحرب سرديات الطرفين. وفي هذا السياق، برزت الأغنية الإيرانية "From Tehran to D.C." بوصفها مدخلاً دالاً على بدء إيران في اتباع نمط جديد من الإنتاج الإعلامي الرقمي الذي تستعين به لبث رسائلها السياسية داخلياً وخارجياً، فجاءت الأغنية لتجمع بين الموسيقى الغربية السريعة والذكاء الاصطناعي، والكلمات المباشرة، ضمن موجة أوسع من الفيديوهات المستوحاة من لعبة "الليجو" الشهيرة عالمياً ما وفر لها فرص انتشار واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

وقد برزت ظاهرة ما بات يعرف إعلامياً بـ "فيديوهات الليجو" المرتبطة بالدعاية المؤيدة لإيران، مع بداية الحرب عليها، تلك الفيديوهات التي تعتمد في تخليقها على الذكاء الاصطناعي بهدف إنتاج محتوى بصري قصير، شديد السرعة، قادر على الانتشار، تقدم فيه مشاهد مكثفة للحرب تتضمن طائرات مقاتلة، ومشاهد قصف وتدمير، وشخصيات سياسية مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتنياهو، وقيادات إيرانية عدة، وهي في الواقع ليست فيديوهات ترفيهية في الأساس، وإنما هي عبارة عن مادة بصرية دعائية سياسية تحمل رسائل أيديولوجية واضحة، مفادها أن إيران معتدى عليها، وعليها أن تقاوم، وأن إسرائيل والولايات المتحدة هما من فرضا هذه الحرب وبدأها.

وعلى الرغم من أن إيران لم تستحدث هذا النمط التوظيفي للفيديوهات الرقمية القصيرة، إلا أن استعانتها بها مع تطويرها لتخرج في شكل حرب "الليجو" يعد تحولاً في نمط الإعلام الكلاسيكي الذي تعتمده إيران في العموم، للترويج لخطابها السياسي التقليدي، عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة المسيطر عليها من قبل النظام، في ظل استخدام محدود ومقيد للإنترنت داخل البلاد.

مظاهر تحول أدوات الدعاية الإيرانية

تأتي أغنية "From Tehran to D.C." ضمن تحول كبير في المنتج الإعلامي الإيراني الموجه، باعتبار أن الأغنية منتج هجين يجمع بين موسيقى الراب الشهيرة في الغرب، والصورة المعبرة بشخصيات جاذبة للأطفال والشباب وهي شخصيات "الليجو"، والرسالة السياسية الواضحة، والمختلفة كثيراً عن خطابات الداخل السياسية التي عادة لا تتناول المستويات الشعبية من العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية في ظل الخلاف المتجذر بينهما منذ نجاح الثورة الإسلامية، حيث تخاطب الأغنية الشعب الأمريكي، عن معاناة الشعبين؛ الإيراني من استهداف أراضيه وقتل المدنيين، والأمريكي اقتصادياً بسبب ارتفاع فاتورة الحرب، على عكس أغاني سابقة كانت تتحدث بعدائية للولايات المتحدة، مثل أغنية "رسالة من النساء: يا أمريكا، احتفظي بقنابلك لنفسك" المصنعة بتقنيات الذكاء الاصطناعي أيضاً. كل ذلك يأتي في إطار واحد سريع الاستهلاك والانتشار، إذ حظيت أغنية "From Tehran " بمشاهدات عالية منذ لحظة بثها، فيما تعددت المنصات التي قامت بإعادة نشرها على صفحات التواصل الاجتماعي بشكل كثيف.

يعكس هذا النمط تحولاً في بنية المنتج الإعلامي الإيراني وطريقة توظيفه، على أكثر من صعيد، على النحو التالي:

1- دمج رسائل السياسة بالفن الرقمي: وهو تحول يأتي متأثراً بالتطور العالمي في هذا المجال، حيث باتت الرسالة السياسية تقدم داخل قالب بصري، لا يفصل بين الفن والسياسة، ويذكر في هذا النمط من التوظيف مصطلح "Slopaganda"، الذي يشير إلى المحتوى البصري السريع المشحون عاطفياً، بدلاً من الاعتماد على الخطاب المباشر أو الإقناع العقلاني، بهدف تشكيل استجابة شعورية مباشرة، ما يعيد تعريف مفهوم التأثير السياسي في البيئة الرقمية. ويلاحظ أن استخدام أسلوب "الليجو" البصري، الذي اعتمدته إيران منذ بداية الحرب، إلى جانب الموسيقى والإيقاع السريع، قد أسهم بشكل كبير في تسهيل انتشار المحتوى عبر المنصات الرقمية، خاصة تلك التي تعتمد على التفاعل اللحظي مثل منصات؛ تيك توك وإكس. فيما أسهم أيضاً هذا التداخل بين الإنتاج البصري والسياسة؛ في إنتاج تأثير عاطفي مباشر لدى الجمهور الذي بات يتلقى المعلومة من خلال هذا الإنتاج البصري بشكل أيسر وأسرع وربما أكثر تصديقاً من الخطابات السياسية.

2- تراجع احتكار المؤسسات الإعلامية الكبرى والخطابات الرسمية إنتاج السرديات السياسية: من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي، بات بإمكان فرق صغيرة إنتاج محتوى بصري عالي الجودة قادر على المنافسة عالمياً من حيث الانتشار والتأثير، بدلاً من الاعتماد على فرق إعلامية ضخمة أو مؤسسات رسمية.

إذ كشفت فيديوهات "الليجو" الإيرانية عن استعانة إيران بشركة خاصة تحمل اسم "Explosive Media"، أشار ممثل عنها في حوار مع شبكة بي بي سي، إلى أن الشركة مستقلة، وأن النظام الإيراني عميل لديها، الأمر الذي يوضح أيضاً مستوى كبيراً من التداخل بين الإنتاج الإعلامي والتمويل السياسي المباشر.

ومن جانب آخر، فعلى الأرجح لاقت فيديوهات "الليجو" كل هذا الرواج والنجاح اعتماداً على أن أدوات الذكاء الاصطناعي مدربة على بيانات وخطابات ثقافية غربية، وبالتالي أصبحت قادرة على إنتاج محتوى ملائم ثقافياً للجمهور الغربي نفسه، ما جعل هذه الدعاية أكثر قدرة على الاختراق والتأثير مقارنة بالأشكال التقليدية السابقة.

3- اعتماد نهج تسييس التعاطف الإنساني: تظهر أغنية "From Tehran" نموذجاً واضحاً لتوظيف القيم الإنسانية في سياق سياسي. فالخطاب القائم على معاناة المدنيين والدعوة إلى السلام، تقدمه الأغنية كقيمة في حد ذاتها، وفي إطار لإعادة جذب التعاطف الدولي. فيما اعتمدت الأغنية في ذلك على الفصل الواضح بين الشعوب والأنظمة، وبالتالي يصبح التعاطف ذاته أداة سياسية، يتم توظيفها لإعادة تشكيل إدراك الجمهور العالمي لطبيعة الصراع وموقع إيران فيه.

 4- إعادة صياغة الأحداث وصناعة الواقع البديل: لجأت فيديوهات "الليجو" الداعمة لإيران إلى الاعتماد على نهج يعيد صياغة الأحداث وفق الرؤية الإيرانية، بغض النظر عن الحقيقة على الأرض، ففي أحد مقاطع "الليجو"، تم تصوير الجيش الإيراني وهو يأسر طياراً أمريكياً، بينما تؤكد المصادر الأمريكية الرسمية على أن الطيار قد تم إنقاذه بعملية كوماندوز خاصة. كما لجأت أيضاً في فيديو آخر لإعادة توظيف الشخصيات المعروفة، وأحداث حساسة مثل ذلك المقطع الذي احتوى شخصية جورج فلويد الأمريكي من أصل أفريقي الذي قتل أثناء اعتقاله في مدينة منيابولس بولاية منيسوتا في 25 مايو 2020، داخل سياق سياسي يخدم الرسالة الدعائية، القائمة على ادعاء الولايات المتحدة بتبني حقوق الإنسان، وانتقاد خصومها باسم الديمقراطية، في حين تعاني داخلياً من أزمات مرتبطة بالعنف والتمييز وعدم المساواة.

أي أن رمز فلويد هنا قد استخدم باعتباره قضية إنسانية، ودليلاً بصرياً على ازدواجية المعايير الأمريكية، هذا النمط من إعادة السرد يهدف إلى التأثير في المتلقي، من خلال إعادة تذكيره بمعلومات من شأنها أن تغيير رؤيته الحالية للأحداث.

5- الاعتماد على تحالفات نشر غير مباشرة: على الرغم من التضييق الشديد في إيران على استخدام الإنترنت، وقطع الاتصال به خلال الفترة الماضية، فإن هذا التضييق يعكس إدراكاً واضحاً من جانب النظام الإيراني بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وقدرتها على تشكيل وعي مستخدميها، ووفق التقرير الذي نشرته بي بي سي عن فيديو "From Tehran" فإن مقاطع "ليجو" الحرب لا تبقى داخل حسابات إنتاجها الأصلية، بل يتم إعادة نشرها عبر حسابات إعلامية مرتبطة بروسيا وإيران على منصات التواصل الاجتماعي لاسيما إكس وتيك توك، ما يؤدي إلى تضخيم نطاق انتشارها بشكل كبير. هذا النمط من النشر والتداول يمكن تسميته بـتحالفات النشر غير المباشرة، حيث يتم التحكم في المحتوى عبر شبكة من الحسابات التي تعيد إنتاجه وتقطيعه وتدويره بشكل مستمر.

دلالات إعادة تشكيل أدوات التأثير الإيراني

تشير هذه التحولات التي طرأت على أدوات التأثير الإعلامي الإيراني إلى اهتمام أوسع بمفهوم القوة الناعمة للدولة، وطبيعة تأثيرها في العلاقات الدولية المعاصرة، في ظل إدراك النظام لفكرة أن التأثير الإعلامي الآن بات مرهوناً بالقدرة على إنتاج محتوى قابل للانتشار الواسع والسريع داخل الفضاء الرقمي، ضمن مفاهيم جديدة مثل "الدبلوماسية الرقمية" و"حرب الميمز" بوصفها أدوات تأثير موازية للدبلوماسية الرسمية، والصراعات المسلحة التقليدية، حيث انتقلت مستويات الصراع من مستوى السيطرة على المعلومات باحتكارها أو توظيفها، إلى مستوى السيطرة على انتباه المتلقي، من خلال شغل مساحات التلقي بما يرغب بثه من محتوى بصري سريع الانتشار، فيما يظل التفاعل معياراً أساسياً للقوة الإعلامية في هذه البيئة الرقمية، وهو بالفعل ما استطاعت إيران تحقيقه.

وفي هذا الإطار، يمكن القول إن ظاهرة فيديوهات "الليجو" المؤيدة لإيران تكشف عن تحول في طبيعة الصراع الإعلامي المعاصر، وإدراك إيران لمثل هذا التحول، الذي تنتج فيه الحقيقة عبر بيئة رقمية شديدة السيولة، تتداخل فيها التكنولوجيا بالدعاية السياسية، والتمويل السياسي، لتصبح الإشكالية المركزية كامنة في هوية من يستطيع امتلاك القدرة على تحويل روايته إلى محتوى أكثر قابلية للانتشار السريع والتصديق داخل الفضاء الرقمي.


رابط دائم: