فى 14 مايو 2026، وبعد أن أعلن رئيس الوزراء العراقى الجديد على فالح الزيدى عن تشكيل الحكومة العراقية، بتمرير(14) وزارة وتأجيل حسم خيارات (9) وزارات أخرى لم تتوافق الكتل السياسية داخل البرلمان على من يشغلها وأبرزها الدفاع والداخلية، وافق البرلمان العراقى على البيان الحكومى الأول للزيدى، حيث تصدر موضوع "حصر السلاح بيد الدولة وتنفيذ القانون"، البنود الأولى للبيان الذى وافقت عليه قوى الإطار التنسيقى نفسها، ومنح الإطار بمقتضاه على الزيدى، رئيس الحكومة الجديد، مهلة (60) يوماً لحسم هذا الملف ومعالجته. البيان لم يكن مقتصراً على حصر السلاح فى يد الدولة عبر المؤسسات الرسمية، وإنما شمل أيضاً العمل على فك ارتباط الفصائل المسلحة بالقوى السياسية؛ بمعنى فك ارتباط فصائل الحشد الشعبى عن القوى السياسية التى تمثلها داخل الإطار؛ أى أن لا يكون هناك ظهير سياسى للفصائل داخل الإطار والعكس؛ بمعنى أن لا يكون للفصائل المسلحة رديف سياسي لها داخل الإطار وفصل العلاقة بينهما حال وجودها.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض الفصائل تمتلك بالفعل قوى سياسية ممثلة لها فى البرلمان أبرزها: حركة صادقون الظهير السياسى لفصائل عصائب أهل الحق، وحركة حقوق الظهير السياسى لحزب الله العراقى، ومنظمة بدر الظهير السياسى لفيلق بدر، وحركة النجباء التى لها ظهير سياسى إسلامى متشدد يحمل الاسم نفسه.
دلالات لافتة
تفعيلاً للبيان، باشرت اللجنة المشكلة من جانب المؤسسة العسكرية، وتحت قيادة رئيس الوزراء الجديد بوصفه القائد العام للقوات المسلحة، مهامها فى 3 يونيو الجارى، والتى تتمثل فى وضع آليات دمج التشكيلات المسلحة المعنية ضمن المؤسسة العسكرية الرسمية، وكذلك وضع خطوات تنفيذية لتسليم الأسلحة والمعدات العسكرية ومقار المعسكرات إلى الجهات الأمنية العراقية. وتجدر الإشارة إلى أن اللجنة تضم كلاً من وزارتى الدفاع والداخلية، وقيادة العمليات المشتركة، وهيئة الحشد الشعبى، وتضم أيضاً كلاً من رئيس الوزراء الجديد على الزيدى، ورئيس الوزراء السابق محمد شياع السودانى، ورئيس منظمة بدر هادى العامرى.
على الجهة الأخرى، كان التيار الصدرى أول من قام بتطبيق القرار، فبعد أن أعلن مقتدى الصدر فك ارتباط التيار بذراعة العسكرية المسماة بـ "سرايا السلام" فى مايو الماضى، اتجه فى 14 يونيو الجارى إلى إعلان دمج الفصيل المذكور ضمن القوات الأمنية الرسمية، كما قام بتسليم كافة المقار الخاصة به للجنة. وبخلاف "سرايا السلام"، أعلنت فصائل عصائب أهل الحق لقيس الخزعلى – الظهير العسكرى لحركة صادقون - مباركتها لقرار دمج الفصائل ضمن المؤسسة الرسمية ما يعد تحولاً نوعياً مفاجئاً، لاسيما وأن الفصيل كان من أشد المعارضين لحل الفصائل أو حتى دمجها ضمن المؤسسة العسكرية الرسمية، فضلاً عن معارضته الشديدة لنزع سلاحها، الأمر الذى يجعل من موافقته على تسليم السلاح والاندماج ضمن المؤسسة الأمنية للدولة أمراً بالغ الدلالة، وكذلك الوضع بالنسبة لكتائب الإمام على - الذراع العسكرية لحركة العراق الإسلامية - والتى وافقت على تطبيق إجراءات الدمج ضمن الأطر العسكرية الرسمية للدولة وعلى تسليم السلاح وتفكيك بنيتها العسكرية من مقار عسكرية ولوجستية.
فى المقابل، رفضت عدة فصائل قرار الحكومة العراقية الجديدة وما تمخض عنه من لجان تتولى الدمج وحصر السلاح، وكان من أبرز تلك الفصائل: حركة النجباء، وكتائب حزب الله العراقى، وكتائب سيد الشهداء، وأولياء الدم.
تشير بعض الدلالات إلى أن مسعى الحكومة الجديدة لحصر السلاح ودمج الفصائل ضمن أطر المؤسسة العسكرية الرسمية لا ينفصل بأى حال من الأحوال عن الإطار الإقليمى الأوسع، والتطورات المتعلقة بالحرب الأمريكية على إيران فى جولتها الثانية التى بدأت فى 28 فبراير الماضى، وأن هذا الإجراء، وإن كان هدفاً لعدد من الحكومات العراقية السابقة كحكومة مصطفى الكاظمى وحكومة شياع السودانى، إلا أن إعادة طرح هذا الطلب فى الظروف الإقليمية الراهنة واتخاذ خطوات عملية بشأنه يحمل عدة دلالات:
أولها؛ يشير إلى أن قرار حصر السلاح ودمج الفصائل كان بموافقة القوى السياسية الشيعية التى تشكل الإطار التنسيقى الحاكم نفسه، وهو ما يعكس رغبة الإطار التعامل بقدر كبير من المرونة مع ضغوط الولايات المتحدة والمتطلبات التى أملتها على العراق فى سياق وضعه ضمن معادلة الصراع الأمريكي-الإيرانى، خاصة مطلب تفكيك سلاح الفصائل الموالية لإيران. ومن المفارقة أن إيران نفسها لم تعترض على مسعى قوى الإطار التنسيقى العراقية فى الشأن نفسه رغم أن الإطار يحظى بدعم سياسى إيرانى مباشر؛ وذلك بهدف تفويت الفرصة على الإدارة الامريكية الحالية لخنق أذرع إيران فى العراق ومحاولة شلها بصورة كاملة سياسياً ومالياً عبر إخضاع المزيد منها للعقوبات المالية، بما قد يؤدى إلى خسارة إيران الساحة العراقية كليةً على غرار خسارتها للساحة السورية، بخلاف ما يواجهه حزب الله فى لبنان من حرب وجود بينه وبين دولة الكيان الإسرائيلى فى الجنوب اللبنانى. وهذه المرونة "التكتيكية" التى تبديها إيران فى مواجهة مطلب واشنطن بفك ارتباط الفصائل العراقية المسلحة بها يستهدف على المدى البعيد "استراتيجياً" الإبقاء على العراق كساحة نفوذ إيرانية، حتى وإن كانت التطورات الحالية تشى بغير ذلك.
وربما يمكن القول هنا إن إيران لديها خبرة كبيرة فى التعامل مع الجانب الأمريكى فى العراق على خلفية سنوات تاريخية سابقة منذ الاحتلال الأمريكى فى عام 2003، وما تمخض عنه من نظام حكم محاصصى عام 2005، باركته الولايات المتحدة ونتج عنه معادلة نفوذ "ثنائية الطابع" فى العراق بينها وبين إيران مستمرة حتى اللحظة، وإن كانت تشهد تقلبات سياسية وأمنية من آنٍ لآخر، إلا أنها فى النهاية تُبقى العراق كساحة نفوذ لكلا الطرفين الأمريكى والإيرانى؛ فالطرف الأمريكى يرغب فى ضمان استمرار عملية ربط عائد النفط العراقى ضمن الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى، والطرف الإيرانى يرغب فى إبقاء السيطرة السياسية على مجريات المشهد العراقى عبر دعم استمرارية تصدر الحكم الشيعى سدة السلطة فى العراق، بما يوفر لإيران عمقاً استراتيجياً سياسياً واقتصادياً بالقرب من منطقة الخليج العربي.
ثانيها؛ أن قرار تشكيل لجنة للنظر عملياً فى حصر السلاح وتفكيك الفصائل ودمجها فى الأطر الرسمية للدولة من خلال وضع خطط زمنية قابلة للتنفيذ، لا يتوقف عند هذا الحد، وإنما يتسع ليشمل هدفاً غاية فى الأهمية وهو وضع منظومة الحشد الشعبى ككل ضمن الأطر الرسمية للدولة؛ بمعنى استكمال تحويل هيئة الحشد الشعبى إلى مؤسسة رسمية ضمن مؤسسات الدولة استكمالاً لخطوات اتخذت فى هذا الشأن عام 2016. ليس هذا فقط بل إن الحكومة العراقية بصدد عرض الأمر على الإدارة الأمريكية لطمأنتها بشأن توجهات الحكومة الجديدة لفرض سيطرتها على هيئة الحشد، عبر جعلها مؤسسة حكومية ضمن مؤسسات الدولة، وليس هيئة مستقلة رديفة للمؤسسات الأمنية الرسمية.
ثالثها؛ أن مباركة فصائل عصائب أهل الحق، وكتائب الإمام على لمطلب حصر السلاح ودمج الفصائل ضمن المؤسسة العسكرية الرسمية يأتى ضمن رغبة تلك الفصائل فى الحصول على مقابل يتمثل فى مزايا ومناصب مهمة داخل التشكيل الحكومى الجديد، لاسيما مع وجود (9) حقائب وزارية لا زال منصب من يرأسها محل جدل بين القوى السياسية داخل الإطار التنسيقى نفسه. وتجدر الإشارة هنا إلى أن من المفترض أن تمتلك الحركة منصبين فى الحكومة بالنظر إلى كتلتها البرلمانية التى تمثل (29) مقعداً. أما رفض فصائل أخرى كحزب الله العراقى والنجباء وسيد الشهداء إنما يعود إلى الجانب الصلب فى الداعم الإيرانى؛ بمعنى أن إيران "تناور" الولايات المتحدة داخل العراق عبر مسارين: أحدهما يعتمد المرونة بشأن حصرية السلاح وتفكيك الفصائل ويمثله تيار سياسى وازن فى الإطار التنسيقى إلى جانب فصائل مثل العصائب حالياً على سبيل المثال، والآخر يعتمد التشدد فى مواجهة المطلب نفسه وتمثله كتائب حزب الله والنجباء وسيد الشهداء، والتى أعلنت أن بقاءها مستمر مادام استمر الوجود الأمريكى فى العراق، بل وصفت سلاحها بأنه "السلاح المقدس".
وجدير بالذكر أن تلك الفصائل هى نفسها المصنفة على قوائم الإرهاب الأمريكية وتخضع لعقوبات مالية على قياداتها، كما أن قرارها يخضع مباشرة لقيادات الحرس الثورى الإيرانى وليس لقيادة هيئة الحشد الشعبى. وفى سياق آخر، ثمة أنباء بأنه فى حالة توصل إيران والولايات المتحدة لاتفاق شامل لوقف الحرب الإقليمية بينهما وضمان عدم الاعتداء مجدداً، فإن إيران قد تمارس ضغوطاً على كتائب حزب الله العراقية وحركة النجباء لحملهما على تسليم السلاح للحكومة العراقية خاصة مع انتهاء مهمة التحالف الدولى فى العراق خلال سبتمبر المقبل.
رابعها؛ أن الولايات المتحدة ستتجه لممارسة ضغوط صعبة على الحكومة العراقية الجديدة لدفعها إلى اتخاذ خطط إجرائية تنفيذية فى مسارين: الأول، منع مشاركة الفصائل فى الحكومة الجديدة، وهو ما تحقق حتى اللحظة. والثانى، وقف تدفق العائد الدولارى من عائدات النفط العراقى إلى البنك المركزى، لاسيما وأن غلق مضيق هرمز، على خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، قد فاقم من الوضع الاقتصادى العراقى نتيجة توقف صادرات النفط، هذا فضلاً عن احتمالية تعليق التعاون الأمنى عالى المستوى بين الجانبين.
استجابة عملية أم إعادة تموضع؟
تبدو الضغوط الامريكية بشأن عملية فك الارتباط بين الفصائل العراقية المسلحة وإيران من ناحية، وقبول الاندماج الشامل فى المؤسسات الأمنية الرسمية للدولة العراقية من قبل تلك الفصائل من ناحية ثانية، وحصر سلاحها النوعى تحديداً (المسيرات والصواريخ الباليستية) فى يد الدولة من ناحية ثالثة، إما توصيفاً لحالة من الاستجابة العملية الناتجة عن تأثير الحرب الإقليمية الراهنة بين إيران والولايات المتحدة على وضع العراق ضمن معادلة التوازن فى علاقاته مع الطرفين من ناحية، وإما توصيفاً بإعادة تموضع تلك الفصائل داخل المشهد السياسى والعسكرى العراقى فى مرحلة ما بعد انتخابات نوفمبر 2025، وما بعد الحرب الأمريكية على إيران فى فبراير 2026 من ناحية ثانية. وإن كان احتمال إعادة التموضوع الجديد هو الأقرب إلى التوصيف الحالى؛ وذلك بالنظر إلى قيود وصعوبات التخلى المباشر والسريع من قبل تلك الفصائل عن تقديم الدعم لإيران خلال مرحلة الحرب والترتيبات الأمنية التى تليها إذا ما توصل الطرفان الإيرانى والأمريكى لاتفاق شامل بينهما. والعكس بمعنى أن إيران لن تتخلى بسهولة عن العراق كساحة إقليمية لنفوذها بعد النكسات التى تعرض لها مشروعها الإقليمى فى سوريا وإلى حد ما فى لبنان، وبالتالى فإن نفاذيتها داخل العراق سياسياً واقتصادياً عبر منظومة حكم شيعية سياسية (الإطار التنسيقى) وعسكرية (الفصائل داخل الحشد الشعبى وخارجه) لاتزال هى الخيار الأكثر ترجمة للواقع الحالى فى العراق، حتى وإن جاءت حكومة جديدة تبدو وكأنها تسعى للاستجابة النوعية لبعض الضغوط الأمريكية الصعبة، لأن هذه الاستجابة، وإن لم تعد شكلية بالنظر إلى تهديدات أمريكية فعلية بوقف تدفق عائد النفط إلى المركزى العراقى، إلا أنها تبدو فى مجملها ضغوطاً "مؤقتة" تفرضها تداعيات الصراع الأمريكى الإيرانى الحالى، سرعان ما يمكن وقفها فى حالة التوصل لاتفاق شامل أمريكى إيرانى قد يكون قريباً. كما أن خيار اندماج الفصائل داخل المؤسسة الأمنية للدولة العراقية لا يعنى بأى حال من الأحوال انتهاء دورها فى الحياة السياسية العراقية؛ لأنها لازالت تمتلك السلطة والثروة وممثلة برلمانياً فى كتلة واحدة، ومن ثم أصبحت جزءاً رئيسياً فى معادلة السلطة العراقية.
فى الأخير، يمكن القول إن عودة الحديث عن جدلية نزع سلاح الفصائل العراقية ودمجها ضمن الأطر المؤسسية الأمنية للدولة العراقية، يأتى فى أحد مسبباته استجابة لارتدادات الحرب الأمريكية على إيران بوصف الأخيرة تمثل الداعم الإقليمى للفصائل المسلحة العراقية، فضلاً عن صعوبة تخلى الفصائل ذاتها عن ترسانتها العسكرية طالما استمرت هذه الحرب قائمة. ومن ثم يصنف قرار الحكومة العراقية الجديدة، برئاسة على فالح الزيدى، بحصر سلاح الفصائل وتفكيكها، ضمن الضغوط الاقتصادية والأمنية التى تمارسها الولايات المتحدة عليه، وأن هذه الضغوط لن تدفع الفصائل كلها إلى التخلى عن منظومتها العسكرية التى راكمتها على مدار عقود وسنوات، لكنها فى الوقت نفسه قد تدفعها إلى إعادة تعريف نفسها ضمن منظومة السلطة العراقية فى ظل الحكومة الجديدة عبر آليات تنفيذية جديدة تعيد "تموضعها" داخل الدولة العراقية مستقبلاً.