في بيئة دولية وإقليمية تتسارع فيها التحولات، وتتقلص فيها المساحات الزمنية لاتخاذ القرار، يبدو النظام الإيراني وكأنه يتحرك وفق منطق مختلف؛ منطق يقيس مدى نجاح السياسة بالقدرة على تراكم إنجازات صغيرة ببطء، وإعادة تشكيل موازين القوة عبر الزمن، دون إهمال إمكانية تحقيق نتائج عاجلة إن أتيحت. فعلى مدار عقود، وظَّف النظام أدواته العسكرية والأيديولوجية والتفاوضية، ضمن إطار أكبر يتعامل فيه مع الزمن بوصفه مورداً استراتيجياً بحد ذاته، وأداة من أدوات القوة والمناورة، ومجالاً مهماً لإعادة تشكيل توازنات القوة بشكل تدريجي.
ولهذا، تبدو كثير من القراءات الغربية لسلوك إيران وسياساتها غير قادرة على تفسير قدرة النظام الإيراني على الاستمرار، رغم العقوبات الممتدة لعشرات السنوات، وما فرضته هذه العقوبات من ضغوط اقتصادية، إلى جانب الاحتجاجات الداخلية، وما نتج عن الحرب الأخيرة من اغتيال لرؤوس النظام والعديد من قياداته. إذ غالباً ما تنطلق هذه القراءات من فرضية أن الضغوط المتراكمة على النظام ستقود سريعاً إلى إنهاكه، أو على الأقل إلى دفعه إلى تقديم تنازلات جوهرية، بينما أظهرت التجربة أن النظام كثيراً ما يعمد إلى إدارة الزمن بدلاً من حسم الصراعات، والمراهنة على تغير الظروف الدولية والإقليمية بمرور الوقت.
ومن هنا، يمكن فهم السياسة الإيرانية باعتبارها سياسة قائمة على مبدأ "الصبر الاستراتيجي"، الذي يقدم نموذجاً مختلفاً لإدارة الزمن سياسياً وعسكرياً؛ بالاعتماد على عدة أدوات مثل؛ توظيف التأجيل، وإطالة أمد التفاوض، والاستنزاف البطيء، والتراكم التدريجي لبناء وتعزيز النفوذ، بهدف إعادة إنتاج القوة وتقليل تكلفة المواجهة المباشرة، وذلك مع التسليم بأن توظيف إيران للزمن كأداة استراتيجية، لا يعكس دائماً موقع قوة مطلقة لدى النظام الإيراني، إذ قد يرتبط ذلك الخيار أحياناً بمحاولات النظام تعويض اختلالات في موازين القوة مع الخصوم، أو يأتي كمحاولة لتجنب تكلفة المواجهة المباشرة في وقت غير ملائم بالنسبة له.
معضلة فهم السلوك الإيراني في إدارة الوقت
رجحت العديد من تقديرات الدوائر الغربية والإقليمية أن الضغوط المتراكمة على إيران ستقود قريباً إلى إنهاك النظام الإيراني أو تقليص قدرته على الاستمرار. وقد استندت هذه التقديرات إلى عوامل متعددة، من بينها؛ العقوبات الاقتصادية الممتدة، والاحتجاجات الداخلية، والضغوط الأمنية والعسكرية المتصاعدة. ومع كل أزمة جديدة، يتجدد الحديث عن اقتراب لحظة الانهيار، أو اضطرار النظام إلى تقديم تنازلات جوهرية تحت وطأة الضغوط.
إلا أن هذه التقديرات غالباً ما تأتي خارج السياق؛ مع قدرة النظام الإيراني على امتصاص الضغوط، نتيجة سياسته القائمة على شراء الوقت، أملاً في تغير موازين القوى، إلى جانب محاولته جعل الخصوم جزءاً من حالة استنزاف زمني متبادل، بحيث لا يكون الضغط أحادي الاتجاه على إيران فقط.
ويعود جزء من هذا الإخفاق في توقع السلوك الإيراني إلى أن كثيراً من المقاربات الغربية تنظر إلى دوافع القرار السياسي ونتائجه بمنطق المدى القصير؛ الذي يرتبط في الغالب بحدث ما منتظر، مثل اقتراب موعد استحقاق انتخابي، أو الحاجة لحل أزمة اقتصادية آنية، أو الدخول في مواجهة عسكرية محدودة زمنياً.
بينما يتحرك النظام الإيراني وفق تصور مختلف تماماً لعامل الزمن، يقوم هذا التصور على فكرة مفادها أن التحولات الكبرى لا تحسم بالضرورة خلال المواجهة الأولى، وإنما يمكن النجاح في تحقيقها عبر التراكم التدريجي للمكاسب، الذي قد يكون سبباً في تبدل موازين القوى على المدى الطويل، في مواجهة الخصوم بفعل ارتفاع التكلفة الاقتصادية عليهم، أو بسبب الإرهاق السياسي الناتج عن طول أمد الأزمة إن جاز التعبير.
وقد ظهر ذلك بوضوح في التعامل الإيراني في كثير من الأزمات، منها؛ العقوبات الأمريكية الممتدة لعشرات السنوات، وذلك على الرغم من التأثيرات الاقتصادية العنيفة التي تعرضت لها البلاد، إذ لم تدفع النظام إلى استجابة فورية أو تقديم تنازل شامل في الملفات الخلافية مع الغرب والولايات المتحدة، حيث تبنى النظام على مدى سنوات استراتيجية تقوم على التكيف البطيء، فضلاً عن الرهان على تغير الإدارات الأمريكية، والتحولات الدولية، وما تؤدي إليه هذه التغيرات والتحولات من تفاوت في شدة الضغط الواقع عليه.
كما تجلى الأمر ذاته عقب اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في العراق، حين توقعت قطاعات واسعة رداً إيرانياً سريعاً واسع النطاق، بينما فضل النظام الإيراني الرد التدريجي المركب، بما يحافظ على معادلات الردع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. فكان أول رد بعد خمس أيام من مقتل سليماني في 8 يناير 2020 بقصف صاروخي مكثف استهدف قاعدة عين الأسد الجوية في العراق، والتي كانت تتمركز فيها قوات أمريكية، إلى جانب قاعدة أخرى في أربيل.
كيف تشكلت عقيدة "الصبر الاستراتيجي" في إيران؟
يتداخل مفهوم "إدارة الزمن" و"الصبر الاستراتيجي" في السياسة الإيرانية مع عناصر ثقافية وتاريخية ساهمت في تشكيل العقل الاستراتيجي الإيراني في هذا الإطار. فإيران، بوصفها دولة ذات إرث إمبراطوري طويل، تنظر إلى نفسها باعتبارها فاعلاً تاريخياً، وليس مجرد دولة قومية مرتبطة بلحظة سياسية معينة وهي نجاح الثورة الإسلامية. وقد عزز هذا التصور الميل إلى التفكير بمنطق التراكم التاريخي، بدلاً من الالتفات إلى الانتصارات السريعة والحسم الفوري للصراعات.
فعلى سبيل المثال؛ لعبت الحرب العراقية-الإيرانية دوراً محورياً لا يمكن إغفاله في ترسيخ فكرة سياسة النفس الطويل داخل مؤسسات الدولة الإيرانية، لاسيما الأمنية والعسكرية منها. فالحرب التي بدأت ضد نظام وليد ما لبث أن ثبت أقدامه بعد الثورة، والتي استمرت ثماني سنوات قد أعادت تشكيل مفهوم الصمود والتحمل داخل الوعي السياسي الإيراني، ورسخت أهمية وقيمة "الصبر الاستراتيجي" باعتباره عنصراً أساسياً للبقاء.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن أيضاً تجاهل أثر البنية الرمزية المذهبية المرتبطة بفكرة المظلومية والصبر التاريخي داخل الخطاب الديني/السياسي الإيراني، وإن كان اختزال السياسة الإيرانية في بعدها المذهبي وحده يظل تبسيطاً مخلاً. إذ أن الأمر لا يتعلق فقط بعقيدة دينية، بل بتحول فقه الصبر، والتدرج والتراكم إلى جزء من الثقافة الاستراتيجية للنظام الإيراني ذاته.
هذا عطفاً على تأثير حرفة حياكة السجاد اليدوي الإيراني على عقلية النظام الإيراني، والتي تناولتها العديد من الأدبيات التفسيرية التي استعانت بصورة حياكة السجاد الإيراني لفهم الطبيعة التراكمية والبطيئة التي تدار بها السياسة الإيرانية بصورة عامة، إذ تقوم هذه الحرفة على صبر طويل وتراكم بطيء ودقة في العمل، حتى تظهر صورة السجادة بشكل كامل بعد سنوات من النسج المتواصل لتصميم شديد التعقيد.
توظيف الوقت في السياسة الإيرانية
تتجلى فكرة توظيف الزمن في السياسة الإيرانية بوضوح في عدد من الملفات الاستراتيجية التي يتعامل معها النظام الإيراني بوصفها مسارات طويلة المدى لا تخضع لمنطق الحسم السريع، ومنها:
1- إدارة الملف النووي: يمثل الملف النووي الإيراني النموذج الأكثر وضوحاً لتوظيف إيران للزمن كأداة سياسية. فمنذ بداية أزمة هذا الملف التي انطلقت في 2003، تعامل النظام الإيراني مع التفاوض بشأنه باعتباره عملية ممتدة، تسمح له بتحسين موقعه التفاوضي تدريجياً، من خلال حيازة أوراق ضغط متعددة، وليس كمسار للوصول السريع إلى تسوية نهائية، لتمر عملية التفاوض مع الغرب بعشرات الجولات من المفاوضات بدءاً بالترويكا الأوروبية ثم مجموعة "5+1" ثم الولايات المتحدة منفردة.
وقد استطاع النظام خلال هذه الفترات من التفاوض؛ التطوير التدريجي لقدراته النووية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على هامش للمناورة السياسية. حتى عقب توقيع الاتفاق الإطاري عام 2015، نظر النظام إلى الاتفاق باعتباره مرحلة ضمن مسار أطول منتظر من المفاوضات، إلى أن انسحبت إدارة دونالد ترامب من الاتفاق، ما دفع النظام إلى تبني سياسة تصعيدية تدريجية، عبر رفع نسب التخصيب على مراحل متتالية، بما سمح له بتعزيز وتقوية أوراق ضغطه، مع الحفاظ المتزامن على مساحة غموض محسوبة منحته قدرة على المناورة سواء برفع أو خفض مستوى التصعيد وفق سياق الضغوط الذي يتعرض لها دولياً.
2- تعزيز النفوذ الإقليمي: بنى النظام الإيراني نفوذه الإقليمي عبر تراكم ممتد لشبكات مصالح سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، خلال سنوات طويلة، انتظر قبلها الفرصة السانحة للتحرك في محيطه الإقليمي عقب سنوات من العزلة السياسية والاقتصادية التي فرضت عليه دولياً، حتى جاءت الفرصة في العراق عقب الغزو الأمريكي وإسقاط نظام صدام حسين في إبريل 2003، حيث عمل النظام على بناء شبكة نفوذ متعددة المستويات، شملت فاعلين سياسيين وفصائل مسلحة، فضلاً عن علاقات اقتصادية واستثمارات، إلى جانب شبكة من القوى الناعمة، من خلال مؤسسات دينية، وخيرية، بما منحه حضوراً متراكماً داخل المجال العراقي.
هذا النهج ذاته اتبعه النظام الإيراني في سوريا لاسيما عقب قيام الثورة، حيث بدأ الدور الإيراني بدعم سياسي وأمني محدود لنظام بشار الأسد، قبل أن يتحول تدريجياً إلى حضور عسكري واقتصادي واجتماعي أكثر عمقاً. أما في اليمن، فقد استفاد النظام من نموذج الاستثمار طويل المدى منخفض التكلفة، الذي سمح بتوسيع النفوذ دون الانخراط المباشر واسع النطاق. إذ اعتمد على تقديم مستويات محدودة نسبياً من الدعم السياسي والإعلامي والعسكري والتقني للحوثيين، بما سمح له ببناء نفوذ مؤثر داخل الساحة اليمنية دون الحاجة إلى انخراط عسكري مباشر واسع النطاق أو تحمل أعباء مالية وسياسية مماثلة لتلك التي تكبدها في ساحات إقليمية أخرى مثل سوريا.
وقد وفر هذا النموذج لإيران قدرة على ممارسة ضغط إقليمي وامتلاك ورقة التأثير في أمن البحر الأحمر والخليج، مقابل تكلفة أقل نسبياً مقارنة بعوائد النفوذ المتحقق. بينما يخرج نفوذه في لبنان قليلاً عن هذا الإطار نظراً لخصوصية العلاقة بين النظام الإيراني وحزب الله اللبناني، التي تقوم على ارتباط عقائدي وتنظيمي أكثر عمقاً، وهو ما جعل النفوذ الإيراني في لبنان أكثر رسوخاً ومؤسسية مقارنة ببعض ساحات النفوذ الإقليمية الأخرى. وبالتالي؛ ارتكز النظام الإيراني بشكل واضح على منطق توزيع النفوذ عبر الزمن، بدلاً من تركيز سيطرة مباشرة علي دولة معينة، بما يقلل تكلفة هذا النفوذ ويزيد من استمراريته.
3- التعامل مع العقوبات الدولية: على الرغم من التسليم بأن العقوبات التي فرضت على إيران، سواء الأممية منها أو الأمريكية المنفردة قد تسببت في وقوعها تحت ضغط اقتصادي هائل، ولفترات طويلة من العزلة السياسية، فإن التجربة الإيرانية أظهرت قدرة النظام على تحويل بيئة العقوبات إلى بيئة تكيف، من خلال ما أسماه النظام بـ "اقتصاد المقاومة"، لمواجهة الضغوط والعقوبات الدولية المتراكمة عليه، اعتمد في هذا النهج على آليات محددة؛ من أبرزها:
- الاعتماد على حلفاء دوليين: مثل روسيا والصين، حيث تصدر إيران أكثر من نصف إنتاجها النفطي إلى الأسوق الصينية بخصومات كبيرة لتأمين تدفقات نقدية، كما تعتمد على مساعدة شركات روسية في نقل وتصدير النفط من خلال ما يسمى أسطول الظل.
- الالتفاف على العقوبات: وذلك من خلال استخدام شبكات مالية سرية، ونظام مقايضة النفط مقابل السلع الأساسية والمعدات لتجاوز عقوبة تجميد الأصول المصرفية. وعدم إدراج النظام المصرفي الإيراني في النظام المالي العالمي بفعل العقوبات الأمريكية على القطاع المصرفي، فضلاً عن إبرام اتفاقيات للتبادل التجاري بالعملات المحلية وتطوير آليات مصرفية بديلة لنظام سويفت لحماية معاملاتهما من العقوبات الأمريكية.
- اعتماد سياسات التقشف ورفع الدعم: تبنت الحكومة الإيرانية سياسات تقشفية صارمة، واستمرت في خفض الدعم الحكومي على بعض السلع ومنها المشتقات النفطية للحد من عجز الموازنة.
فيما يمكن القول بأن إيران قد راهنت في هذا السياق، على أن خصومها قد تتفاوت قدرتهم على الحفاظ على مستويات الضغط ذاتها بمرور الزمن، لاسيما مع تغير الإدارات الأمريكية وتبدل أولويات النظام الدولي.
4- إدارة توقيت الرد: يميل النظام الإيراني في بناء سياسته الردعية إلى إبقاء توقيت التحرك أو الرد غير قابل للتوقع، ففي كثير من المواقف كان يتوقع منه الرد الفوري القوي، لكنه كان يفرض مستوى من الغموض على موعد هذا الرد، على الرغم من الانتقادات التي توجه له في هذا السياق داخلياً، كما حدث عقب استهداف واغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي بغارات إسرائيلية خلال الجولة الثانية من الحرب، حيث توقع أن يشن الحرس الثوري الإيراني رداً بحجم وقوة استهداف رأس النظام، إلا أن الرد الإيراني ظل على الوتيرة ذاتها مع تصعيد تدريجي شمل بنك أهداف أوسع، في إسرائيل وبعض دول الخليج، مع إصرار واضح على اكتساب أوراق ضغط أكثر خلال المواجهات وعلى أكثر من صعيد.
ومن ثم أصبح الوقت في هذا السياق جزءاً من استراتيجية إيرانية تقوم على خلق حالة من الترقب وعدم اليقين لدى الخصوم تقابله الأطراف الأخرى بالاضطرار إلى البقاء في حالة استعداد دائم تحسباً لاحتمالات رد مؤجل أو تصعيد غير متوقع. فيما تساعد هذه السياسة النظام الإيراني على توسيع هامش المناورة، وإدارة مستويات التصعيد، مع الحفاظ على القدرة على التحرك في توقيت يختاره هو، لا في التوقيت الذي يفرضه الخصم بفعل ضغط الحدث.
فجوة توظيف الزمن بين إيران وخصومها
من خلال ما سبق تكشف تجربة النظام الإيراني عن وجود اختلاف جوهري في قراءة الزمن وإدارته بين إيران وخصومها. فالولايات المتحدة على سبيل المثال، بوصفها نظاماً تحكمه الدورات الانتخابية، تميل إلى البحث عن نتائج سياسية تعزز فرص فوز مرشحي الأحزاب في الاستحقاقات الانتخابية المتعاقبة، بينما تتحرك إسرائيل وفق عقيدة أمنية ترتبط بالحسم والردع السريع، مع إيلاء أهمية كبيرة أيضاً لموعد الاستحقاقات الانتخابية.
أما النظام الإيراني، فغالباً ما يتحرك وفق منطق التدرج والتراكم والاستنزاف البطيء، وهو ما يمنحه قدرة على الصمود في الصراعات الممتدة، حتى وإن كان أقل تفوقاً بالحسابات التقليدية اقتصادياً وعسكرياً من خصومه. وبالتالي يظل جزء مهم من الصراع متأثراً بتفاوت القدرة على تحمل تبعات طول أمده، وحسابات المكسب والخسارة الناتجة عن امتداده.
وعلى الرغم من النجاحات النسبية التي حققها النظام الإيراني من خلال هذه السياسة، فإنها تضعه أمام تحديات متزايدة، لاسيما في ظل الضغوط الاقتصادية المتصاعدة عليه، والمستمرة منذ عشرات السنوات، فضلاً عن تراجع الثقة المجتمعية في قدرة النظام على الحيلولة دون انهيار مزيد من الطبقات الاجتماعية تحت وطأة الضغوط الاقتصادية، مع صعود جيل جديد أقل ارتباطاً بالسرديات الثورية التقليدية التي يحاول بها امتصاص غضب الداخل، بالإضافة إلى تزايد تكلفة الحفاظ على نفوذه الإقليمي، الذي أصبح بدوره أحد أهم الانتقادات الداخلية الشعبية، والتي ظهرت بجلاء واضح خلال احتجاجات الشارع الإيراني خلال السنوات الماضية، برفع شعارات تدعو إلى الاهتمام بالداخل والكف عن دعم حلفاء الخارج.
وأخيراً، يمكن القول إن فهم السلوك الإيراني في إدارة الوقت يتطلب فهم الكيفية التي يدير بها عامل الزمن بوصفه مورداً استراتيجياً. إذ يتعامل النظام معه باعتباره عنصراً ضاغطاً على الخصوم، وباعتباره أيضاً مساحة للمناورة، وإعادة بناء القوة، في انتظار مكاسب مجانية قد تنتج عن التحولات الدولية والإقليمية.
وقد سمح هذا المنطق لإيران، على مدار العقود الماضية، بالحفاظ على قدر من الاستمرارية السياسية رغم الضغوط الاقتصادية والعسكرية والأمنية الكبيرة. غير أن فعالية هذه الاستراتيجية تظل مرتبطة بقدرة النظام على تحمل التكلفة الداخلية المتزايدة لاستراتيجية الصبر الطويل، خاصة في ظل العديد من الأزمات الضاغطة في الداخل.