أسفرت الجولة الثالثة من التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل المنعقدة في واشنطن يومي 14 و15 مايو 2026 عن تمديد الهدنة القائمة بين البلدين لمدة 45 يوماً تنتهي في آخر شهر يونيو القادم[1]. ولكن هذه الهدنة جدلية للغاية لأنها لا تتضمن وقفاً كاملاً لإطلاق النار من جانب إسرائيل التي تصر على استهداف كل ما تعتبره تهديداً لأمنها، وبالتالي هي هدنة انتقائية تتخللها عمليات حربية ضد أهداف تدّعي إسرائيل أنها تابعة لحزب الله. وفي المقابل، لا يمتثل حزب الله للهدنة بشكل كامل، وإنما يرد على كل انتهاك إسرائيلي للهدنة.
وتتواصل أرقام الضحايا اللبنانيين في الارتفاع لتبلغ بحسب وزارة الصحة اللبنانية نحو 2988 شهيداً و9210 جريحاً[2]، علماً بأن عدد الشهداء الذين سقطوا منذ بدء الهدنة في 17 إبريل الماضي قد بلغ نحو 400 فضلاً عن تدمير نحو 10 آلاف وحدة سكنية في لبنان[3].
ولكن الحكومة اللبنانية تعتبر أن انخراطها في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أمريكية قد نجح في اقتناص هدنة ولو جزئية، تُجنب لبنان توسيع العدوان الإسرائيلي بما يطال بيروت أو البنية التحتية للدولة اللبنانية. كما أنها تساعد لبنان على توطيد علاقتها بالأمريكيين من أجل رعاية اتفاق أشمل لوقف الاعتداءات المحتملة مستقبلاً على لبنان.
الجولة الثالثة من المفاوضات
تغيرت طبيعة الوفود المشاركة في المفاوضات خلال هذه الجولة الثالثة، فبعد أن كانت مقتصرة على سفيريّ لبنان وإسرائيل بواشنطن شملت شخصيات سياسية وعسكرية من الجانبين[4]. قاد وفد لبنان السفير سيمون كرم بالإضافة إلى السفيرة ندى حمادة والملحق العسكري اللبناني بواشنطن. بينما خاض المفاوضات عن إسرائيل سفيرها بواشنطن بالإضافة لقائد اللواء الاستراتيجي بالجيش الإسرائيلي وبحضور ووساطة من السفيرين الأمريكيين لكل من بيروت وتل أبيب ومستشار لوزير الخارجية الأمريكي[5].
وعلى عكس الجولات السابقة التي التقطت فيها الصور ونقلت للإعلام، جرت الجولة الثالثة دون حضور للصحافة على مدار يومين متتالين- الخميس والجمعة 14 و15 مايو الجاري. وارتكز النقاش خلال المفاوضات حول مسودة "إعلان نوايا" بين لبنان وإسرائيل من عشر نقاط يتضمن الاعتراف المتبادل بحق البلدين بالعيش بسلام وأمن ضمن حدودهما المعترف بها دولياً[6]. وتضمت النقاط العشرة أيضاً الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني بشكل حصري في الجنوب مع عودة النازحين إليه وإعادة بنائه دون تهديد أمن إسرائيل. على أن يتفق الطرفان برعاية أمريكية على آلية عسكرية تضمن المراقبة والمساعدة الأمنية بعد انسحاب قوات اليونيفل الذي ستنتهي ولايتها آخر عام 2026. بالإضافة إلى التعهد بتوفير التمويل اللازم لتجهيز وتدريب الجيش اللبناني على نحو احترافي وإطلاق عملية واسعة لإعادة إعمار الجنوب وإنعاش الاقتصاد اللبناني. وقد يتصل بذلك الزيارة الخاطفة التي قام بها قائد آلية "الميكانيزم" الجنرال الأمريكي جوزيف كليرفيلد لبيروت واجتماعه بقائد الجيش العماد رودولف هيكل في بداية مايو الجاري[7].
مع نهاية اليوم الثاني للتفاوض تم الإعلان عن تمديد الهدنة 45 يوماً إضافية حتى نهاية يونيو القادم. ولكن موعد دخول الهدنة حيز التنفيذ ظل ضبابياً، خاصةً مع استمرار انتهاك إسرائيل للهدنة السابقة، فبدا وكأن الوضع سيبقى على ما هو عليه وليس هناك ثمة التزام أكثر حزماً بوقف العمليات العسكرية. وانتظر الأهالي النازحون لحظة الإعلان عن الهدنة بشكل رسمي كي يعودون لتفقد أراضيهم ومساكنهم التي دمرها القصف الإسرائيلي في الجنوب، مما رتب خيبة أمل كبيرة عندما تبين أن الهدنة الممدة ستظل انتقائية وستواصل اسرائيل خرقها في منطقة جنوب الليطاني وما حولها. بل إن البعض قد شكك في مبدأ تمديد الهدنة باعتباره ليس إلا غطاءاً لنية إسرائيل توسيع عملياتها في لبنان بالاعتماد على عنصر المفاجأة كما سبق وخرقت الهدنة الأمريكية الإيرانية بقصف عنيف في يوم الأربعاء الأسود – 8 إبريل الماضي.
انقسام لبناني حاد
ينقسم اللبنانيون بشدة حول جدوى التفاوض، خاصةً عندما يتم الإعلان عن تمديد للهدنة بينما يستمر العدوان الإسرائيلي على أهداف متعددة أغلبها مدنية ولا يمكن التأكد من تبعيتها لحزب الله، وتتوالى إنذارات الإخلاء في قرى جنوب وشمال نهر الليطاني قبل تدميرها بشكل موسع يمحو معالمها الرئيسية، الأمر الذي يكرس حالة انقسام قوية في لبنان ليس فقط بين من يرفض ومن يوافق على المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ولكن أيضاً بين من يقع في دائرة الاستهداف الإسرائيلي المباشر وبين من يقع خارج دائرة الاستهداف. وهنا يكمن جوهر الانقسام اللبناني الراهن الذي يضعف موقف لبنان التفاوضي، فوفد إسرائيل يأتي موحداً على رغبة إسرائيل في الهيمنة ووفد لبنان يأتي من خلفية الخلاف العميق بين مؤسسات الدولة الشرعية وبين حزب الله[8].
يتهم موالون لحزب الله الحكومة اللبنانية بالاستسلام لرغبات واشنطن والتخلي عن فئة من اللبنانيين تقع يومياً فريسة للاعتداءات الإسرائيلية الغاشمة. إذ اعتبر النائب عن حزب الله إيهاب حمادة أن هذه المفاوضات ليست إلا "مسرحية قذرة" لا يتمثل فيها فريقان بل فريق واحد يمثل المشروع الأمريكي والصهيوني في لبنان[9]. ويواصل حزب الله رفضه للمفاوضات المباشرة التي يجريها لبنان مع إسرائيل وكل ما يصدر عنها من نتائج بحسب خطاب لأمينه العام نعيم قاسم الاسبوع الماضي[10]. بينما أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري في حديثه مع رئيس الجمهورية جوزيف عون وفي اجتماعه مع السفير الأمريكي ببيروت ميشال عيسى أنه متى التزمت إسرائيل بهدنة شاملة فإنه سيضمن امتثال حزب الله لوقف الحرب بالمثل. ولكن في الحقيقة لا شيء حتى الآن يدعو تل أبيب إلى وقف الحرب، بل إن حكومة نتنياهو تريد الإبقاء على لبنان كساحة خلفية للقتال المفتوح كي تحقق مكاسب انتخابية في الانتخابات المبكرة المرتقبة في إسرائيل.
بينما تواجه حكومة لبنان حملة تخوين واسعة على اعتبار أنها وافقت على بدء التفاوض دون إعلان وقف شامل للحرب مما يجعل هذا التفاوض تحت النار وكأن الحكومة لا تبالي لمصير الشهداء الذين يسقطون يومياً. ويُشبّه البعض ما يجري من مفاوضات حالية بما جرى قبل أكثر من 40 عاماً عندما عُقدت في 17 مايو 1983 اتفاقية سلام بين إسرائيل ولبنان الواقع تحت الاحتلال آنذاك، ثم سقطت هذه الاتفاقية برفض شعبي واسع في العام التالي. في حين تؤكد الحكومة اللبنانية تمسكها بخمسة ثوابت أساسية خلال المفاوضات، وهى وقف الحرب، واستعادة سيادة لبنان على كافة أراضيه مع انسحاب إسرائيلي كامل، وعودة النازحين إلى قراهم في الجنوب، وإعادة إعمار ما تهدم، واستعادة الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل. وقد اعتبر الوفد اللبناني أنه حقق تقدماً ملموساً في المباحثات وأن تمديد الهدنة يهدف لخلق أجواء مواتية للتقدم في المفاوضات المقبلة. فيما أعلن الأمريكيون عن جولة أولى للتفاوض العسكري تجري بين وفود عسكرية من لبنان وإسرائيل في مقر البنتاجون بواشنطن يوم 29 مايو، فيما يتم استئناف المفاوضات السياسية يوميّ 2 و3 يونيو القادم[11].
هذا المسار المتوازي للتفاوض السياسي والعسكري يعني أن المفاوضات تتقدم وتتسع للتفاصيل التقنية ولكن القضايا الخلافية لا تزال متعددة. إذ رفض لبنان مقترحاً أمريكياً بتكوين قوة خاصة داخل الجيش اللبناني لمطاردة ومصادرة سلاح حزب الله لما لذلك من تداعيات خطيرة على وحدة الجيش وعلى السلم الأهلي في لبنان. ولذا سيتركز التفاوض العسكري على بحث آلية عسكرية تضمن انتشار الجيش اللبناني في الجنوب لتنفيذ حصرية السلاح بيد الدولة عقب تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي. بينما قد يعهد لطرف عسكري ثالث مهمة التأكد من إتمام المهمة وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني وإبعاد خطر حزب الله عن استهداف شمال إسرائيل.
سلاح نوعي جديد في الميدان
على هامش مشهد التفاوض، تمكنت إسرائيل خلال الاسبوع الماضي من تنفيذ سلسلة اغتيالات موجهة ضد من تعتبرهم عناصر تابعين لحزب الله، بالإضافة إلى استهداف قائد قوة الرضوان بالحزب مالك بلوط من خلال مسيرة موجهة في الضاحية الجنوبية في 6 مايو[12]. وتتواصل كذلك إنذارات الإخلاء الاسرائيلية لتتخطى منطقة الخط الأصفر إلى شمال نهر الليطاني على نحو يعني أن إسرائيل لا تكتفي بالمنطقة التي حددتها مسبقاً بل تتوسع كلما سنحت الفرصة لذلك.
في المقابل، حقق حزب الله نجاحاً غير متوقع في الميدان عبر استخدام سلاح نوعي يتمثل في المسيرات FVP (First view person) المزودة بالكاميرات وحمولة تفجيرية متوسطة ويتم توجيهها عبر الألياف البصرية fiber optic ولا تحتاج لترددات راديو أو أنظمة ملاحة ولا يمكن رصدها إلا عبر الرؤية بالعين المجردة قبل أن تباغت هدفها بثواني معدودة[13]. ولذلك عجزت قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان عن التحسب لها حتى رغم نصب مجموعة من الشباك أو الأسلاك الشائكة لإعاقتها قبل بلوغ هدفها. ولكن بسبب قدرتها الفائقة على المناورة بمرونة لم تنجح هذه الاحترازات الإسرائيلية. جمّدت هذه المسيرات النوعية تقدم جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، وأجبرته على خفض الاعتماد على تحركات القوات الخاصة أو الآليات المدرعة كالدبابات، وذلك لأن مسيرات حزب الله - منخفضة التكلفة ولا تتخطى 400 دولاراً - تستهدف بسهولة دبابات الميركافا - باهظة التكلفة بملايين الدولارات - عبر عبوات مضادة للدروع خفيفة مثبتة على ظهرها[14]. ونظراً لتوجيهها عبر ألياف بصرية رقيقة شبه غير مرئية من الصعب للغاية تعقب مشغليها خاصةً أن امتداد خيوط التوجيه إلى ما قد يزيد عن 15 كيلومتراً[15].
حقق حزب الله عبر هذا السلاح النوعي -الذي ظهر لأول مرة في الحرب الروسية الأوكرانية- إصابات متعددة في صفوف جنود الاحتلال الإسرائيلي، حيث أصبح مشهد هبوط هيليكوبتر إسرائيلية لإخلاء القتلى والجرحي من الجنوب اللبناني إلى مشفى رامبام بحيفا مشهداً معتاداً، بينما انتشرت على نطاق واسع مقاطع مصورة من كاميرا المسيرات بثها حزب الله وهي تطارد جنود الاحتلال قبل أن تستهدفهم. وقد تسببت هذه المسيرات النوعية في مقتل نحو 20 جندياً إسرائيلياً بالإضافة إلى إصابة العشرات منذ تجدد الحرب مع إسرائيل في 2 مارس الماضي. فيما تجد إسرائيل صعوبة في اختراق الكتيبة التي تشغل هذه المسيرات أو تعقب العناصر الضالعة فيها لأنها تعتمد على توجيه يدوي غير قابل للتعقب الالكتروني[16]. فيما تدرس إسرائيل عدة خيارات لمواجهة هذا السلاح الجديد في المدى القصير مثل تزويد جنودها بمعدات وأسلحة للكشف عن هذه المسيرات وإسقاطها قبل بلوغ أهدافها مثل معدات للرؤية وبنادق للصيد مزودة بعدسات للرؤية عن بعد. أما في المدى البعيد، تدرس تل أبيب الاستفادة من التجربة الروسية والأوكرانية لإنشاء مصنع حربي لتصنيع المسيرات المفخخة[17].
ورغم أهمية هذه المسيرات الجديدة في إجبار إسرائيل على تعديل خطة انتشار قواتها في الجنوب، على الأقل في المدى القصير، إلا أنها لم تثبت بعد قدرتها على تغيير الخطط التوسعية الإسرائيلية أو دفعها للانسحاب الفوري أو حتى تغيير قواعد الاشتباك. بمعنى أن ميزان الردع لايزال يميل للكفة الإسرائيلية، وحزب الله غير قادر حتى اللحظة على إجبار إسرائيل على التراجع وإن كان قادراً بكفاءة على رفع تكلفة احتلالها للجنوب. وهذا الأمر سينعكس بلا شك على جولة المفاوضات القادمة، ولكن في ظل استمرار القطيعة بين حزب الله والحكومة اللبنانية، من غير المتوقع أن تستفيد هذه الأخيرة من أي تقدم يحرزه حزب الله في الميدان، الأمر الذي يجعل إعادة فتح قنوات التواصل بين حزب الله والحكومة ضرورة لبنانية قصوى، أولاً من أجل حفظ السلم الأهلي ومنع تحوّل حملات التخوين المتبادلة إلى اشتباكات محتملة. وثانياً من أجل ضمان أن يكون الموقف اللبناني موحداً وأن يتمكن الوفد اللبناني من تمثيل كل لبنان، دون أن تشعر فئة أنها مستبعدة أو حتى مستهدفة في هذه المفاوضات. وثالثاً وأخيراً، لا مستقبل لتنفيذ أي إتفاق ينتج عن هذه المفاوضات ما لم يتوفر له شرعية شعبية وسياسية واسعة، وهو أمر غير متحقق اليوم بسبب رفض فئة من اللبنانيين للتفاوض المباشر وتضرر ما يزيد عن مليون ومئتي نازح من احتلال وتدمير وتجريف نحو 10% من مساحة لبنان.