لم تعد أزمة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مجرد ارتداد مباشر لهزيمة حزب العمال في الانتخابات المحلية والانتخابات الإقليمية في اسكتلندا وويلز، بل تحولت خلال أيام قليلة إلى أزمة قيادة مفتوحة داخل الحزب الحاكم. فنتائج انتخابات مايو 2026 كشفت أولًا عن تراجع حاد في الثقة الشعبية بحكومة العمال، لكنها سرعان ما فتحت سؤالًا أكثر خطورة: هل يستطيع ستارمر الاستمرار في قيادة الحكومة والحزب حتى الانتخابات العامة المقبلة، أم أن حزب العمال بات مقبلًا على انتقال قيادي مبكر قبل عام 2029؟
تكتسب هذه الأزمة أهميتها من توقيتها وحجمها معًا. فقد جاءت بعد أقل من عامين على الفوز الكبير الذي حققه حزب العمال في انتخابات 2024، وهو ما يجعلها مختلفة عن الخسائر التقليدية التي تتعرض لها الحكومات في منتصف الدورة السياسية. فقد خسر الحزب ما يقرب من 1500 مقعد محلي، وفقد السيطرة على أكثر من 30 مجلسًا، من بينها ويغان، وهاكني، وهافرينغ، وتامسايد، في واحدة من أقسى الخسائر المحلية التي تعرض لها حزب حاكم في بريطانيا منذ عقود. وفي المقابل، حقق حزب الإصلاح البريطاني Reform UK مكاسب واسعة، إذ فاز بنحو 1453 مقعد وسيطر على 14 مجلسًا، بينما فاز الخضر بـ 440 مقعدًا وسيطروا على 5 مجالس، في حين لم يستفد المحافظون من تراجع العمال، بل خسروا هم أيضًا نحو 500 مقعد محلي. ولهذا، لم تكن النتائج مجرد تصويت عقابي ضد الحكومة، بل مؤشرًا على تفكك أوسع في الخريطة الحزبية البريطانية[1] .
كما لا تنفصل أزمة ستارمر عن السياق الخارجي الضاغط الذي تتحرك فيه حكومته. فقد جاءت الهزيمة الانتخابية وأزمة القيادة في لحظة تتعرض فيها بريطانيا لتداعيات الحرب على إيران، وما رافقها من ارتفاع في أسعار الطاقة والوقود وضغوط إضافية على تكلفة المعيشة. وكانت الحكومة قد حاولت التعامل مع هذه الضغوط عبر اجتماعات وإجراءات موجهة لدعم الفئات الأكثر تضررًا، لكن ذلك لم يكن كافيًا لتغيير الانطباع بأن حكومة العمال عاجزة عن تقديم استجابة سريعة ومقنعة لأزمة معيشية متجددة. ومن ثم، فإن العوامل الخارجية لم تصنع أزمة ستارمر وحدها، لكنها زادت من حدتها، لأنها وضعت الحكومة أمام اختبار يومي في ملف هو أصلًا من أكثر الملفات حساسية لدى الناخب البريطاني: الأسعار ومستوى المعيشة.
من هزيمة انتخابية إلى أزمة قيادة
أقر ستارمر بصعوبة النتائج، لكنه رفض تقديم استقالته، مؤكدًا أن حكومته ليست مشروعًا قصير الأمد، بل "مشروع لعشر سنوات"، في محاولة لتصوير الأزمة باعتبارها تعثرًا مبكرًا يمكن تجاوزه لا نهاية سياسية وشيكة[2]. غير أن هذه الرسالة لم توقف تصاعد الضغوط داخل حزب العمال، إذ طالبه عدد متزايد من نواب الحزب بالاستقالة أو بوضع جدول زمني للمغادرة، في ظل شعور متنامٍٍ بأن الحكومة فقدت القدرة على إقناع القاعدة الانتخابية التي أوصلتها إلى السلطة.[3]
وقد تعمقت الأزمة مع استقالة وزير الصحة ويس ستريتينج، وهي الاستقالة التي حولت السخط الداخلي من اعتراضات متفرقة إلى تحدٍ سياسي أكثر وضوحًا عقب استقالة 4 وزراء آخرين. فستريتينج لم يطلق تحديًا رسميًا ضد ستارمر حتى الآن، لكنه دعا إلى منافسة أوسع على قيادة الحزب، وقال إنه فقد الثقة في قيادة رئيس الوزراء[4]. وهنا تكمن أهمية التمييز بين الدعوة إلى تحدٍ قيادي وبين إطلاق التحدي رسميًا؛ فالأولى تعكس تصاعد التمرد السياسي، أما الثانية فتتطلب قدرة تنظيمية لم تتضح بعد بصورة نهائية.
وفق قواعد حزب العمال، يحتاج أي مرشح منافس إلى دعم 20% من نواب الحزب، أي نحو 81 نائبًا في ظل امتلاك العمال 403 مقاعد. كما أن كل مرشح يحتاج إلى هذا النصاب بصورة مستقلة، وهو ما يخلق عقبة إضافية أمام خصوم ستارمر؛ إذ إن تداخل قواعد الدعم بين ويس ستريتينج، وأنجيلا راينر، وأندي بيرنهام، أو غيرهم، قد يمنع أي مرشح من بلوغ العتبة المطلوبة إذا لم يحدث اصطفاف واضح خلف اسم واحد[5]. لذلك، لا تكمن الأزمة فقط في تعدد البدائل المحتملة، بل في صعوبة تحويل الغضب الداخلي إلى تحدٍ تنظيمي ناجح.
جذور الأزمة: ائتلاف انتخابي يتفكك
تكشف أزمة ستارمر عن مشكلة أعمق من الأداء الحكومي اليومي. فقد وصل حزب العمال إلى الحكم عبر ائتلاف انتخابي واسع جمع ناخبين من الطبقة العاملة التقليدية، وشرائح وسطية تريد الاستقرار بعد سنوات من أزمات المحافظين، وقطاعات تقدمية رأت في العمال بديلًا اجتماعيًا وأخلاقيًا. غير أن نتائج مايو 2026 أظهرت أن هذا الائتلاف بدأ يتسرب في اتجاهات متعارضة.
في مناطق صناعية وطبقية تقليدية، وجد حزب الإصلاح البريطاني فرصة لتقديم نفسه كصوت احتجاجي ضد الهجرة، وضد النخب، وضد عجز الدولة عن تحسين الخدمات، خاصة بعدما استطاع التقدم في مناطق عمالية سابقة وأخرى محافظة تقليدية. وفي المدن والمناطق ذات المزاج التقدمي، تقدم الخضر على حساب العمال، مستفيدين من شعور قطاعات شبابية ويسارية بأن حكومة ستارمر تحركت نحو الوسط واليمين دون أن تقدم مشروعًا اجتماعيًا واضحًا ومواقفه من قضية غزة، وهو ما عكسته مكاسبهم في بعض المعاقل العمالية في لندن، بما في ذلك الفوز بعمودية هاكني.
هذا يعني أن ستارمر لا يواجه خصمًا واحدًا يمكن احتواؤه عبر تعديل محدود في الخطاب. فإذا شدد خطابه بشأن الهجرة والأمن لاستعادة ناخبين ذهبوا إلى حزب الاصلاح، فإنه يخاطر بفقدان مزيد من الناخبين التقدميين لصالح الخضر. وإذا اندفع يسارًا لاستعادة الشباب واليسار العمالي، فقد يعمق خسائره في الدوائر التي تميل إلى المحافظة ثقافيًا. ومن ثم، فإن المعضلة ليست إعلامية فقط، بل استراتيجية: كيف يعيد حزب العمال بناء أغلبية اجتماعية في لحظة لم تعد فيها السياسة البريطانية محكومة بثنائية العمال والمحافظين؟
أما في ويلز، فقد تصدر حزب بلايد كامريPlaid Cymru انتخابات البرلمان الويلزي بحصوله على 43 مقعدًا من أصل 96، مقابل 34 مقعدًا لحزب الإصلاح، بينما تراجع العمال إلى المركز الثالث بتسعة مقاعد فقط، في نتيجة أنهت هيمنته التاريخية على السياسة الويلزية منذ تأسيس الحكم الذاتي. وفي اسكتلندا، ظل الحزب القومي الأسكتلندي القوة الأكبر بحصوله على 58 مقعدًا، لكنه لم يحقق أغلبية، بينما حقق حزب الإصلاح اختراقًا مهمًا بحصوله على 15.8% من الأصوات وتعادله مع العمال عند 17 مقعدًا.[6]
وتفسر خسارة العمال في ويلز واسكتلندا بفشله في الفصل بين صورته كحزب حاكم في وستمنستر وأدائه الطويل داخل الأقاليم. ففي ويلز، بدا الحزب مسئولًا عن مشكلات تراكمت خلال سنوات طويلة من قيادته للحكومة الويلزية، خاصة في ملفات الخدمات العامة والاقتصاد المحلي، ما أتاح لبلايد كامري تقديم نفسه كبديل وطني تقدمي، ولحزب الإصلاح التقاط جانب من التصويت الاحتجاجي. أما في اسكتلندا، فلم يتمكن العمال من التحول إلى بديل مستقر للحزب القومي الاسكتلندي، لأن العلاقة مع وستمنستر ومستقبل الاتحاد لا تزال تؤثر بقوة في سلوك الناخبين. وقد يؤدي ذلك إلى إضعاف صورة العمال كحزب جامع للمملكة المتحدة، ومنح القوميين مساحة أكبر للضغط على لندن من أجل صلاحيات وتمويل أوسع، وفتح نقاش جديد حول مستقبل العلاقة بين الأقاليم والحكومة المركزية.
خريطة البدائل داخل العمال
أول الأسماء المطروحة هو ويس ستريتينج. قوته أنه كان وزيرًا بارزًا، ويمثل تيارًا وسطيًا داخل الحزب، وقد يقدم نفسه باعتباره شخصية قادرة على إعادة الانضباط والوضوح إلى الحكومة. كما أن بعض التقديرات السوقية تنظر إليه كخيار قد يكون مريحًا نسبيًا بسبب صورته المؤيدة لعلاقات أوثق مع أوروبا وبسبب خطابه المالي الحذر. لكن نقطة ضعفه الأساسية أنه كان جزءًا من حكومة ستارمر، بما يجعله شريكًا في سجلها لا بديلًا كاملًا عنها. كما أن عدم إطلاقه تحديًا رسميًا حتى الآن يوحي بأن معسكره لا يزال يحسب ميزان القوى البرلماني بدقة، خاصة في ظل تضارب التقديرات بشأن قدرته على تأمين عتبة الترشيح المطلوبة.
الاسم الثاني هو أنجيلا راينر. وقد تعزز موقعها بعد تقارير أفادت بأنها خرجت من أزمة شئونها الضريبية دون عوائق قانونية جوهرية، بما يزيل عقبة كانت تحد من قدرتها على التحرك. وتمتلك راينر ميزة أنها قادرة على مخاطبة قطاعات أوسع داخل القاعدة العمالية واليسار النقابي، وقد تظهر كخيار أكثر ارتباطًا بجذور الحزب الاجتماعية من ستريتينج[7]. لكن ضعفها المحتمل يكمن في أن بعض أجنحة الحزب قد ترى فيها خيارًا أقل طمأنة للوسط الانتخابي والأسواق، كما أن دخولها السباق قد يؤدي إلى تفتيت أصوات المعارضين لستارمر بدلًا من توحيدها.
أما أندي بيرنهام، عمدة مانشستر الكبرى، فيمثل خيارًا سياسيًا مختلفًا، لأنه يملك مسافة نسبية عن حكومة وستمنستر، وقد يقدم نفسه بوصفه صوتًا أقرب إلى المناطق الشمالية والطبقة العاملة. غير أن موقعه أصبح أكثر تعقيدًا بعد استقالة النائب العمالي جوش سيمونز عن مقعد ميكرفيلد، بما قد يفتح أمام بيرنهام طريقًا للعودة إلى مجلس العموم عبر انتخابات فرعية تمهّد لاحتمال دخوله سباق القيادة. ومع ذلك، لا يعني هذا أن العقبة الإجرائية زالت بالكامل؛ إذ لا يزال عليه الفوز أولًا بالمقعد في مواجهة قد يستفيد فيها حزب الإصلاح من تراجع شعبية العمال، ثم تأمين دعم 81 نائبًا بصورة مستقلة. لذلك، انتقل بيرنهام من كونه اسمًا مطروحًا من خارج البرلمان إلى مرشح محتمل يملك مسارًا عمليًا للعودة، لكنه لا يزال يواجه اختبارين متتاليين: الفوز بالمقعد، ثم تحويل شعبيته الإقليمية إلى دعم برلماني داخل الحزب[8].
التداعيات الأوسع: الحكم والأسواق وأوروبا
لا تقتصر أزمة ستارمر على حزب العمال. فقد بدأت تنعكس على قدرة الحكومة على تقديم نفسها كسلطة مستقرة. فقد غطت أزمة القيادة على افتتاح البرلمان وخطاب الملك، الذي كان يفترض أن يمثل فرصة لإعادة إطلاق أجندة الحكومة في ملفات النمو والطاقة والدفاع والعلاقة مع أوروبا[9]. وكلما ازداد انشغال الحكومة بإدارة أزمتها الداخلية، تراجعت قدرتها على الدفع بإصلاحات صعبة أو تمرير تفاهمات طويلة الأمد.
كما ظهرت إشارات اقتصادية مباشرة، إذ تراجع الجنيه الإسترليني بدرجة محدودة عقب استقالة ستريتينج وتصاعد الحديث عن تحدٍ قيادي، في إشارة إلى أن الأسواق لا تتعامل مع الأزمة باعتبارها شأنًا حزبيًا داخليًا فقط، بل كعامل قد يؤثر في مسار السياسة المالية والاستقرار الحكومي[10]. ورغم أن التحركات لم تصل إلى مستوى صدمة مالية كبيرة، فإنها تكشف حساسية بريطانيا لأي عودة إلى عدم اليقين السياسي بعد سنوات من الاضطراب المرتبط بالبريكست وتغير الحكومات المحافظة.
خارجيًا، تثير الأزمة قلقًا خاصًا لدى الاتحاد الأوروبي. فقد كان ستارمر يسعى إلى جعل إعادة ضبط العلاقة مع بروكسل جزءًا من مشروعه الاقتصادي والسياسي، لكن ضعف موقعه الداخلي يجعل الأوروبيين أكثر حذرًا في الدخول في ترتيبات كبرى مع حكومة قد تتغير قيادتها أو تضعف قدرتها على تمرير التزاماتها داخليًا[11]. ولهذا، فإن أزمة ستارمر قد لا توقف التقارب البريطاني الأوروبي، لكنها قد تجعله أبطأ وأكثر حذرًا وأقل طموحًا.
مسارات محتملة للأزمة
في ضوء تداخل الضغوط الانتخابية والتنظيمية والاقتصادية، تبدو أزمة ستارمر مفتوحة على أكثر من مسار، لكن ترجيح أي منها يظل مرتبطًا بقدرة رئيس الوزراء على استعادة المبادرة من ناحية، وبقدرة خصومه داخل الحزب على توحيد صفوفهم من ناحية أخرى.
يبدو السيناريو الأول، والأكثر ترجيحًا في المدى القصير، هو بقاء ستارمر مع محاولة تقديم "إعادة إطلاق" سياسية للحكومة. ويستند هذا السيناريو إلى صعوبة إسقاطه فورًا من الناحية التنظيمية، وإلى عدم وجود مرشح واحد نجح حتى الآن في توحيد المعارضين حوله. لكن هذا البقاء سيكون مشروطًا؛ فستارمر لم يعد يمتلك هامشًا واسعًا للمناورة، وأي خسائر انتخابية فرعية جديدة أو تراجع إضافي في الاستطلاعات قد يعيد إثارة الأزمة بصورة أكثر حدة.
السيناريو الثاني هو انتقال منظم للقيادة، بحيث يتزايد الضغط على ستارمر لتحديد جدول زمني للمغادرة بدلًا من الدخول في صدام مفتوح مع الحزب. وقد يكون هذا الخيار مفضلًا لدى بعض القيادات التي تخشى أن يؤدي تحدٍ مباشر إلى انقسام داخلي يضر بالحكومة والحزب معًا. غير أن نجاح هذا السيناريو يتطلب موافقة ستارمر وهو أمر يستمر في الإصرار على رفضه رغم كل التطورات، وتوافقًا داخل النخبة العمالية على اسم أو مسار واضح، وهو ما لا يبدو متحققًا بالكامل حتى الآن.
أما السيناريو الثالث فهو إطلاق تحدي قيادي رسمي إذا تمكن أحد المرشحين من جمع دعم 81 نائبًا بصورة مستقلة. وهنا ستكون المسألة مرتبطة بقدرة خصوم ستارمر على تجاوز تشتتهم. فإذا تحولت الأزمة إلى سباق بين عدة طامحين يتداخلون في القواعد نفسها، فقد يستفيد ستارمر من انقسامهم. أما إذا توحدت الكتل المعارضة خلف مرشح واحد (أندي بيرنهام يبدو المفضل والأقرب للتوافق عليه)، فقد يصبح بقاؤه أكثر صعوبة.
في المجمل، يمكن القول إن ستارمر لم يسقط سياسيًا بعد، لكنه فقد جزءًا كبيرًا من الحصانة التي كان يتمتع بها بعد فوز 2024. فالأزمة لم تعد أزمة انتخابات محلية، بل أزمة ثقة في القيادة، وفي قدرة حزب العمال على الحفاظ على ائتلافه الانتخابي، وفي قدرة النظام الحزبي البريطاني نفسه على العودة إلى استقراره التقليدي. ومن ثم، فإن العبارة الأدق لوصف المرحلة الحالية هي أن ستارمر باقٍ مؤقتًا، لكنه لم يعد آمنًا سياسيًا.