نتنياهو يعيد تقييم سياسة تغيير الشرق الأوسط
2026-5-16

سعيد عكاشة
* خبير مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

أشار رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو - حسب تقرير نشرته صحيفة إسرئيل هايوم في 4 مايو 2026 - إلى أن السياسة الأمنية الإسرائيلية باتت معتمدة على مبدأين أساسيين وهما تعزيز القوة العسكرية والاستقلال الدفاعي. بدا هذا التصريح كما لو كان تراجعاً عن الفكرة الجوهرية التي قادت سياسة نتنياهو منذ توقيع اتفاقات السلام الإبراهيمي عام 2020 وهي "تغيير الشرق الأوسط"، كأهم مكون في السياسة الأمنية الإسرائيلية.

لماذا حدث هذا التراجع؟، وما هى تداعياته على نظرة إسرائيل لمستقبل الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط؟، وقبل ذلك كله كيف تطورت سياسة "تغيير الشرق الأوسط" وفق المفهوم الإسرائيلي؟ 

المفهوم الإسرائيلي لتغيير الشرق الأوسط

رغم تصريحات نتنياهو المتكررة عن سعيه لتغيير الشرق الأوسط، إلا أنه لم يوضح ما يقصده بهذا التغيير بشكل محدد، وبدلاً من ذلك لجأ إلى اللغة البلاغية التي يمكن أن تفسر على أكثر من منحى، وهو ما عكسته كلمات خطابه في الأمم المتحدة في سبتمبر 2023 عندما تحدث عن وجود فرص لجلب "النعمة" إلى المنطقة، في مقابل محاولات "من أهل الشر" لزرع "اللعنة" هناك.

أحد التفسيرات التي كانت حاضرة بقوة في التناولات الإعلامية الإسرائيلية لمعنى التغيير الذي ينشده نتنياهو للشرق الأوسط احتوى على المضامين التالية:

1- صوغ معادلة إسرائيلية نقيضة للمعادلة التي تتبناها الدول العربية والإسلامية، فبدلاً من أن تكون عملية إقامة علاقات طبيعية بين إسرائيل والعالمين العربي والإسلامى مشروطة بإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 كما تنص المبادرة التي تبنتها الجامعة العربية عام 2002، تسعى إسرائيل لجعل إقامة العلاقات الطبيعية بينها وبين العالمين العربي والإسلامي هي المدخل للنقاش لاحقاً حول حل القضية الفلسطينية.

2- إن إيران ومحورها يشكلان خطراً بالغاً على الأمن الإسرائيلي وعلى استقرار الشرق الأوسط ودوله، ومن ثم فإن تغيير الشرق الأوسط يمكن أن يبدأ بإقامة منظومة للتعاون الأمني والاقتصادي بين إسرائيل والدول العربية والإسلامية التي تستشعر مخاطر سعى إيران لتعزيز حضورها الإقليمي في الشرق الأوسط.

3- إن تدشين وإنجاح مسيرة السلام الإبراهيمي التي بدأت في عام 2020 سيؤدي إلى خلق كتلة مناهضة للطموحات الإيرانية والمخاطر التي تترتب عليها مستقبلاً.

4- البدء بمبادرات أمنية وهو ما حدث في نوفمبر 2021 عندما تم إطلاق أول مناورة عسكرية شاركت فيها بوارج حربية من الإمارات والبحرين وإسرائيل، إضافة إلى الولايات المتحدة، وذلك "من أجل تأمين حركة الملاحة البحرية".

5- في اتجاه موازٍ لتوسيع نطاق اتفاقات السلام الإبراهيمي، سعت إسرائيل لإنشاء منتدى النقب في مارس 2022 الذي جمع وزراء خارجية إسرائيل ومصر والإمارات والمغرب والبحرين بالإضافة لوزير الخارجية الأمريكي، وقرروا عقد اجتماعات منتظمة سنوياً حول الأمن الإقليمي والالتزام بمواصلة التوسع في التعاون الاقتصادي والدبلوماسي.

6- السعى لضم المملكة العربية السعودية للاتفاقات الإبراهيمية أو تبني نموذج مختلف لإقامة السلام معها يتوخى الهدف نفسه، وهو تقديم التعاون الأمني والاقتصادي كهدف مستقل عن السعي لحل القضية الفلسطينية.

إن أي تقييم موضوعي للنقاط السابقة يثير شكوكاً قوية حول مدى نجاح استراتيجية نتنياهو لتغيير الشرق الأوسط. فالنظام الإيراني ما يزال موجوداً ويتبنى أهدافه نفسها وعلى رأسها إزالة إسرائيل من الوجود، كما أن الفصائل في لبنان واليمن والعراق ما تزال قادرة على البقاء عسكرياً، ولم يتم عقد منتدى النقب منذ عام 2023 وحتى الآن، ولم تتكرر سابقة المناورات العسكرية المشتركة مع دول عربية، بل إن حروب إسرائيل المستمرة في غزة ولبنان على وجه الخصوص، بالإضافة إلى سعى ائتلاف نتنياهو حالياً للانسحاب من اتفاق أوسلو وإسقاط السلطة الفلسطينية في رام الله، باتت تهدد اتفاقات السلام الإبراهيمي بسبب ضغوط الرأي العام في الدول الموقعة عليها، مما يقضي على فرص توسعها مستقبلاً.    

مصير استراتيجية تغيير الشرق الأوسط

كشفت التعقيدات التي تمر بها المواجهة الحالية بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران ومحورها من الجهة الأخرى، عن احتمالات كبيرة لأن تسعى إسرائيل لإعادة هيكلة استراتيجية تغيير الشرق الأوسط التي تبنتها في السنوات الأخيرة، بحيث تركز على إمكانياتها الذاتية مرحلياً دون إسقاط سعيها نحو تحقيق هذا التغيير وبالآليات نفسها في مرحلة لاحقة.

ويمكن تلخيص دوافع إسرائيل لإعادة تقييم الوسائل التي اعتمدتها في استراتيجيتها لتغيير الشرق الأوسط في النقاط التالية:

1- غموض الموقف الأمريكي حيال الكيفية التي سيتم إتباعها لإنهاء الحرب مع إيران، حيث تخشى إسرائيل من أن تقدم الولايات المتحدة تنازلات تسمح لإيران بإعادة بناء قوتها العسكرية مجدداً في حالة رفع العقوبات عنها، وهو ما يمكن فهمه من تصريح نتنياهو السابق حول مبادئ سياسته الأمنية التي تعتمد على القوة العسكرية والاستقلال الدفاعي.

2- سيادة اتجاه بين المحللين الإسرائيليين يحذر من الاعتماد على الولايات المتحدة في تحقيق الأمن الإسرائيلي. فعلى سبيل المثال، في مقال نشره المؤرخ الإسرائيلي ارئيل فيلدشتاين في إسرائيل هايوم في 4 مايو الجاري، حذّر من تبعية السياسة الإسرائيلية لترامب أثناء الصراع مع إيران، منادياً بتعزيز الشراكة مع الولايات المتحدة مع الحفاظ على هامش للاستقلالية في القرارات الأمنية والاستراتيجية خاصة مع توقعات بتغيرات جوهرية في التوجهات الأمريكية بعد رحيل إدارة ترامب.

3- عدم اليقين من إمكانية توحيد مواقف دول الخليج حول سياسة تجاه الحرب الدائرة مع إيران، خاصة وأن أغلب هذه الدول يميل لإعطاء فرصة لجهود الوساطة وإيجاد حل سلمي للصراع، وهو ما يتعارض مع رغبة إسرائيل في استكمال الحرب لضمان منع إيران من الاستمرار في مشروعها النووي، خاصة في ظل تراجع احتمالات سقوط النظام الإيراني من الداخل.

4- شعور إسرائيل بالقلق من التقارب المصري مع كل من تركيا والسعودية بالإضافة لباكستان والذي تراه إسرائيل بمثابة تحدٍ يصعب مجابهته لمشروعها الخاص بتغيير الشرق الأوسط، وفقاً لتقرير نشرته معاريف في 18 يناير 2026.

بدائل إسرائيل لمواجهة العقبات أمام استراتيجيتها

تشير النقاط الأربع السابقة إلى أن إسرائيل ربما تجمد لفترة طويلة سعيها للعمل على مخطط تغيير الشرق الأوسط وفق التصور الذي كان نتنياهو قد قدمه قبل نشوب حرب غزة وما تبعها من مواجهات مستمرة مع إيران ومحورها حتى اليوم، ولكنها لن تتخلى عن هذا الهدف كليةً، بل ستعمل بدلاً من ذلك على المحاور التالية في المدى المنظور:

1- الاعتراف بصعوبة توسيع اتفاقات السلام الإبراهيمي، والعمل فقط على محاولة الحفاظ على الاتفاقات القائمة فعلاً.

2- القبول بخفض مؤشرات التقارب السياسي والدبلوماسي مع دول السلام الإبراهيمي، مقابل زيادة التعاون الأمني والعسكري معها.

3- بناء تحالفات مضادة في مواجهة الخصوم والمنافسين الإقليميين، وهو ما نوه له تقرير صحيفة معاريف في يناير الماضي والذي أشار إلى سعى إسرائيل واليونان وقبرص إلى رفع تحالفها العسكري إلى مستوى متقدم.

4- التركيز على دول جنوب شرق آسيا المسلمة لمحاولة إقناعها بالانضمام إلى اتفاقات السلام الإبراهيمي تعويضاً عن ضعف فرص توسيعها مع الدول العربية.

5- تقوية العلاقات مع الدول المناهضة للتنسيق الجاري بين أطراف المعسكر المنافس، بزيادة التعاون بين إسرائيل وكل من إثيوبيا والحركات الكردية في تركيا وإيران والعراق، جنباً إلى جنب مع التوغل في الصومال في مواجهة التواجد العسكري للعديد من الأطراف المناوئة لإسرائيل في منطقة القرن الأفريقي عامة.

6- التمسك بسياسة إقامة المناطق العازلة على الحدود مع الدول المعادية (لبنان، سوريا، بالإضافة لقطاع غزة) واحتلالها حتى يتم التوصل إلى اتفاق لنزع أسلحة هذه الجهات أو الاستمرار في محاولة تحقيق هذا الهدف بالقوة العسكرية لإسرائيل.

خلاصة ونتائج

أدركت إسرائيل في وقت مبكر استحالة قيام نظام إقليمي يضمها داخل الشرق الأوسط، لذلك كان حديث نتنياهو منذ وصوله للحكم عام 2009 يتركز فقط على "تغيير" الشرق الأوسط من حالة العداء التي تسيطر على دوله ضد إسرائيل إلى حالة الإقرار بأهميتها (أي إسرائيل) للمساعدة في استقرار الإقليم الذي يعاني جراء توسع النفوذ الإيراني كما تعاني إسرائيل من خطر إيران على أمنها.

ولكن مع اندلاع المواجهات الواسعة بين إسرائيل وإيران ومحورها بعد أكتوبر 2023، تراجعت فرص إسرائيل في مواصلة السعي لتغيير الشرق الأوسط وفق المعنى الذي تقصده بهذا التغيير، كما أنها باتت تتحسب للتغيرات التي يمكن أن تلحق بمواقف إدارة ترامب أو من سيخلفها مستقبلاً فيما يخص الصراعات التي يعج بها الشرق الأوسط، ومن ثم فإن إسرائيل قد تذهب مجدداً إلى تبني سياسة الانعزال عن المنطقة والرهان على قوتها الذاتية للدفاع عن أمنها بما في ذلك الاستمرار في توجيه الضربات العسكرية والاستخباراتية ضد الدول التي تهدد أمنها، دون إهمال محاولات الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من علاقات تم بناؤها مع أطراف إقليمية في السنوات الماضية، ولكن بالتركيز على الجوانب الأمنية في تلك العلاقات.


رابط دائم: