جاءت زيارة نواف سلام رئيس الحكومة اللبنانية إلى دمشق ولقائه بالرئيس السوري أحمد الشرع لتضع أسس لعلاقة متوازنة لم تكن يوماً كذلك بين البلدين الشقيقين. جاءت الزيارة عبر الجو، حيث توجه سلام بالطائرة إلى دمشق على رأس وفد وزاري يشمل نائب رئيس الحكومة ووزراء الطاقة والمياة، والنقل والأشغال، والاقتصاد والتجارة، ثم عقد مؤتمراً صحفياً شاملاً بمطار دمشق قبل المغادرة للحديث عن نتائج الزيارة. في العادة وخلال الوصاية السورية على لبنان، كان رئيس الوزراء اللبناني يتم استدعائه لدمشق لإملاء القرارات عليه فيذهب بالسيارة وكأنه ذاهب لمقابلة رئيسه في العمل ولا يفصح عما جرى في المقابلة.
عبء الماضي
دخلت قوات سورية إلى لبنان في عام 1976 بقرار من جامعة الدول العربية بدعوى حفظ الأمن والسلم الأهلي في البلد الذي كان حينها على شفا حرب أهلية مدمرة. لم يجنب وجود القوات السورية في لبنان وقوع الحرب الأهلية بل ربما عمّقتها، ولم تغادرها إلا في إبريل عام 2005 بعد ثورة شعبية لبنانية حاشدة عقب اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، حيث اُتهم نظام الأسد باغتياله لمخالفته تفضيلاته السياسية في لبنان. وبين هذين التاريخين، كانت دمشق تُملي على بيروت كل أولويات الحكم من السياسة الأمنية إلى الصفقات الاقتصادية والترتيبات الإقليمية والعسكرية. في هذه الأثناء كانت المخابرات السورية لنظام الأسد تعبث بلبنان كساحة خلفية فتغتال الخصوم السياسيين وتعتقل المعارضين وتُغيّبهم، مما تسبب بحصيلة كبيرة من المفقودين اللبنانيين في عهدة المخابرات السورية.
ولكن بعد عام 2013 انعكست الصورة، وأصبح لحزب الله برعاية إيران نفوذاً كبيراً في سوريا لمساندة نظام الأسد ضد الثورة الشعبية التي اندلعت في 2011. اعترف زعيم حزب الله السابق حسن نصرالله لأول مرة بوجود قواته في سوريا لقتال كتائب المعارضة هناك في إبريل 2013، وهو الوجود العسكري الذي استمر حتى أيام قليلة قبل سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024. بل إن انسحاب حزب الله تحت وطأة الضربات الإسرائيلية على لبنان آنذاك قد يكون أحد أهم عوامل اختلال جيش الأسد نفسه فسقط بسهولة في معاركه مع الكتائب المعارضة التي تولت الحكم لاحقاً بقيادة الشرع نفسه.
كان استقبال سلام في دمشق السبت 9 مايو وفق الأسس البرتوكولية لاستقبال زعماء الدول، حيث وضع علم البلدين في خلفية المشهد ووضع مقعدين متساويين للزعيمين، والأهم أن جدول أعمال اللقاء كان يركز على المصالح المشتركة ولم يكن إملاءات طرف على آخر. تحرص القيادة السياسية للبلدين على رسم علاقة جديدة تطوي صفحة الماضي بمشكلاته الكثيرة وتؤسس لتفاعل متوازن يراعي مصالح الطرفين. بعيداً عن التنسيق الأمني في الخفاء الذي كان سمة العلاقة بين البلدين سابقاً، حرص سلام على عقد مؤتمر صحفي لإفادة الرأي العام بشأن ما تم تداوله في اللقاء.
تفاصيل تقنية للمباحثات
هذه الزيارة هي الثانية لسلام لدمشق، فالأولى كانت في إبريل 2025 ووصفها حينها بأنها طي لصفحة الماضي، أما هذه الزيارة الأخيرة فكانت لإطلاق العلاقة المستقبلية. بجدول أعمال مزدحم، ناقش الطرفان استكمال نقل السجناء السوريين في لبنان إلى بلدهم، وهم في أغلبهم محكومين أو قيد التحقيق بقضايا إرهاب وجرائم أخرى صغرى. يشكك الكثيرون بصدقية اتهامهم بالإرهاب، ويعتبرونه اتهاماً سياسياً كان غطاءاً لملاحقة كل من يعارض الأسد في لبنان. بينما لايزال في لبنان من يرفض إعادة السجناء السوريين إلى بلدهم إذا كانوا متورطين في الاشتباكات مع الجيش اللبناني التي وقعت على الحدود بين البلدين في أغسطس 2014. يركز البحث المشترك على المقاربة القانونية والإنسانية في بحث ملف السجناء السوريين وأيضاً المفقودين اللبنانيين بيد مخابرات الأسد، كي يصبح الطرح تقنياً أكثر من كونه خاضعاً للأهواء والمزايدات السياسية.
ناقش الطرفان أيضاً تسهيل وتيسير إجراءات الانتقال والسفر ونقل البضائع بين البلدين عبر افتتاح معابر حدودية جديدة وتوحيد إجراءات التفتيش ونقل وفحص البضائع وتثبيت الرسوم. السيولة البرية بين البلدين تعد شرطاً أساسياً لازدهار التجارة والاستثمار بينهما، وفيما كان تغول المخابرات السورية خلال حكم الأسد هو ما يحكم التفاعلات على المعابر بين البلدين، يصبح ضرورياً اليوم بعد زوال الأسد وضع أسس ومعايير تقنية وفنية تخلو من الانتهاكات السابقة مثل الرشاوي وفرض الإتاوات الجزافية أو الاعتقالات دون سند قانوني.
وكانت الحكومة السورية قد أصدرت في فبراير الماضي قراراً بمنع دخول الشاحنات غير السورية لنقل البضائع إلى وجهاتها داخل سوريا، على أن يعاد تفريغ شحنتها ونقلها لشاحنات سورية في موقع المعابر. أضر هذا القرار كثيراً بالصادرات اللبنانية إلى سوريا وأدى لتكدس الشاحنات بالمعابر التي لا تحوى أماكن مخصصة لتفريغ الشاحنات. وكان الأردن قد توصل لاحقاً في مارس الماضي لاتفاق ثنائي مع الحكومة السورية للسماح بدخول شاحناته إلى سوريا مع سماح مقابل للشاحنات السورية، وهو الاتفاق الذي يطمح لبنان إلى عقد مثله مع السلطات السورية.[1]
غير أن الطموح اللبناني لم ينصب فقط على تيسير طرق التجارة بين البلدين، بل أيضاً البحث في فرص الاستثمار المشتركة والاستفادة من القرب بين السوقين اللبناني والسوري لتحقيق التكامل اللازم لتعميق التنمية في البلدين. ومن المتوقع أن تشهد سوريا في السنوات المقبلة ورشة كبيرة لإعادة الإعمار باستثمارات خليجية واسعة، ويطمح القطاع الخاص اللبناني أن يكون شريكاً في عمليات إعادة البناء، خاصةً أن سوريا تبدو في موقع الأفضلية بالنسبة للأموال الخليجية، في حين يبقى لبنان في موضع المشروطية تبعاً لمستقبل نفوذ حزب الله في البلاد.
تم البحث أيضاً في مشاريع الربط الكهربائي وعبور الغاز الطبيعي إلى لبنان برياً عبر سوريا والبحث في بدائل التمويل والتنفيذ الهندسي لهذه الخطط عبر لجان فنية وتقنية بما يضمن استدامة مرفق الطاقة في لبنان رغم التقلبات السياسية. وطرحت أيضاً مسألة تسهيل عودة اللاجئين السوريين الطوعية من لبنان عبر تذليل بعض العقبات القانونية مثل تسجيل المواليد وتوثيق عقود الزواج وشهادات الميلاد والوفاة. بالإضافة إلى صياغة قواعد لتقنين وضع العمالة السورية التي ستستمر بالعمل بلبنان حتى لو عادت عائلاتهم إلى سوريا.
البعد الأمني والجيوسياسي
ولايزال أيضاً ضبط الحدود المشتركة نقطة عالقة جادة بين البلدين، فغياب الجهود الجادة لترسيم الحدود البرية على مدار سنوات سمح بنمو نشاط تهريب معقد للمخدرات والسلاح في بؤر رمادية غير منضبطة أمنياً من الطرفين، وهو ما تسعى حكومتا البلدين حالياً لتلافيه خاصةً مع اكتشاف وتدمير عدد من الأنفاق الحدودية سمحت بدخول عناصر خطرة إلى داخل سوريا.
وكانت وزارة الداخلية السورية قد أعلنت الأسبوع الماضي -5 مايو- عن إلقاء القبض على شبكة إرهابية تابعة لحزب الله اللبناني كانت تستعد لتنفيذ عمليات تخريب في عدة محافظات سورية على التوازي لزعزعة أركان السلطة الجديدة. وصادرت السلطات السورية كميات متنوعة من الأسلحة والذخائر والمقذوفات والعتاد وخطط الاستهداف وألقت القبض على أفراد تلقوا تدريبات نوعية في لبنان ثم تسللوا إلى سوريا لتنفيذ عمليات تخريبية[2]. ورغم نفي حزب الله ضلوعه في هذه الهجمات المفترضة، تواصل الحكومة السورية اتهامه باستضافة وتنسيق جهود الضباط السابقين لنظام الأسد من أجل زعزعة الحكم الجديد في سوريا.
وعلق رئيس الوزراء اللبناني على هذه الواقعة بالقول بأنه كما أضر النظام السوري السابق بلبنان، أضر أنخراط حزب الله في الحرب السورية بسوريا، ولكن في المرحلة الجديدة لن يُستخدم لبنان كمنصة لإيذاء الأشقاء العرب أو زعزعة الاستقرار في المنطقة[3]. يقف رئيس الورزاء اللبناني اليوم على النقيض السياسي من حزب الله، حيث يسعى للتفاوض المباشر مع إسرائيل لوقف الحرب، فيما يخوض حزب الله ضده معركة تشويه وتخوين بسبب قبوله التفاوض المباشر. بينما قد تجد زيارة سلام إلى دمشق أصداء إيجابية لدى شريحة واسعة من اللبنانيين الذين ملوا من استحواذ حزب الله على القرار اللبناني بالقوة بدعوى مقاومة الاحتلال. إذ كان تدخل حزب الله في الحرب السورية عنواناً لهيمنة أمنية وسياسية مارسها على مدار سنوات في لبنان.
ولذا لم تكن زيارة سلام لدمشق – بخلاف عناوينها التقنية الاقتصادية والقانونية – إلا تذكيراً بظروف جيوسياسية جديدة بدأت تتكشف في المنطقة، حيث يصبح النفوذ الإيراني عبءاً مقيداً لسلطة الدولة اللبنانية والعلاقة المتوازنة مع سوريا تعني دعماً لسلطة الدولة وتقييداً للفوضى الأمنية. فعلى خط الاصطفاف الإقليمي، يقف سلام والشرع على نفس الجانب من أجل بناء مؤسسات للدولة بعيداً عن الهيمنة الإيرانية في المنطقة، ولكنهما في نفس الوقت يفتقران لأوراق التفاوض الكافية عند خوض التفاوض المباشر مع إسرائيل ويحاولان تعويض ذلك بالتحالف مع قوى عربية وإقليمية وازنة. وفي المقابل، يملك حزب الله القوة العسكرية التي تمكنه من عرقلة التقدم الإسرائيلي في الجنوب، ولكن لا تمكنه من حماية لبنان في المطلق، بل يظل لبنان ملحقاً بالإرادة الإيرانية التي تكافح للإبقاء على نفوذها الإقليمي.
ولكن في المقابل، فإن بناء وتعزيز سلطة الدولة في كل من لبنان وسوريا يؤثر سلباً على نفوذ حزب الله، فانتشار الجيش اللبناني في الجنوب، والذي يصر عليه لبنان الرسمي، سيمنع حزب الله من تنفيذ عملياته ضد إسرائيل بحسب التوقيت الإيراني. وانتشار الجيش السوري على الحدود مع لبنان أعاق حزب الله فعلياً من استرداد جزء مهم من ترسانته التي لا يزال يحتفظ بها في سوريا. ولذا يحاول لبنان وسوريا إعادة تأسيس العلاقة بينهما على مفردات جديدة تتعلق بسلطة الدولة وحقوق ومصالح الشعوب لتعزيز الاستقرار والتنمية ولا تتمحور حول لعبة النفوذ الإقليمي أو مغامرات اللاعبين من دون الدولة.
وعلى التوازي مع ذلك، تظل بعض المفردات القديمة قائمة ولكنها إيجابية أيضاً، إذ سبقت زيارة سلام، توجه الزعيم السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط لدمشق في زيارة تشاورية، تعكس ترسيخ تحالف سياسي عابر للطوائف ولا يقتصر على العلاقة المؤسسية بين البلدين. فجنبلاط كان أول زعيم لبناني يزور دمشق بعد سقوط الأسد في ديسمبر 2024، ولعب دوراً مركزياً في استكشاف نوايا سوريا الجديدة تجاة لبنان ونقلها لمختلف القوى السياسية اللبنانية. كما أن لجنبلاط دور وازن مهم في أوساط الدروز في المنطقة، فهو دائم التأكيد على رسوخ الموقف الدرزي في مواجهة مشاريع التقسيم الإسرائيلية في المنطقة، حيث تروّج إسرائيل من البوابة السورية لدور مزعوم لرعاية الأقليات بالاستفادة من أخطاء الإدارة السورية الجديدة في مقاربة ملف السويداء منذ الصيف الماضي. ولكن موقف جنبلاط الراسخ في مواجهة مشاريع التقسيم يعطي وزناً مهماً للدور الدرزي في إفشال الهيمنة الإسرائيلية، في مقابل أدوار أخرى تم استحداثها مؤخراً في أوساط الدروز السوريين كالزعيم الروحي حكمت الهجري أو دروز إسرائيل مثل المنسق العسكري الإسرائيلي للدروز في المنطقة غسان عليان[4].
وإذا كانت أصداء زيارة سلام لدمشق تصب في خانة العلاقات الرسمية، فإن زيارة جنبلاط تفتح الباب لتنسيق المواقف أبعد من الأطر الرسمية، بل قد تختبر أيضاً مساحات غير مطروقة من التفاهمات الإقليمية. إذ علّق البرلماني السابق عن حزب الله نواف الموسوي بشكل إيجابي على بعض ما تسرّب من لقاء الشرع-جنبلاط حول الموقف من إسرائيل، معتبراً أنه ينم عن وعي وإدراك للتوازنات الإقليمية الدقيقة[5]، مما يوحي بأن العلاقات السورية اللبنانية ورغم إعادة تأسيسيها الرسمي على أسس جديدة، فلا تزال تحمل في طياتها أبعاد كثيرة غير مطروقة قد يساعد استكشافها البلدين على تعظيم الاستفادة من الجوار الجغرافي وتشابك المصالح.