تُمثل قمة "أفريقيا إلى الأمام" لعام 2026 في نيروبي إحدى أهم اللحظات الفارقة في العلاقات الفرنسية-الأفريقية المعاصرة. وقد استضافها الرئيس الكيني ويليام روتو والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كما تمّ تقديمها بحسبانها "فصلاً جديداً" في الشراكات الأفريقية-الفرنسية، حيث ترتكز على قضايا الابتكار وريادة الأعمال وتمويل المناخ والتقنيات الرقمية والإصلاح متعدد الأطراف. غير أنه وراء هذا التوجه العصري والخطاب الواعد، تكمن إعادة صياغة جيوسياسية أعمق، تتشكل بفعل تراجع النفوذ الفرنسي في أفريقيا الناطقة بالفرنسية، وتنامي روح الاستقلال الاستراتيجي لأفريقيا، والتحول الأوسع نحو نظام دولي متعدد الأقطاب.
وفي هذا السياق تكتسب قمة نيروبي أهمية تاريخية لعدة أسباب:
أولاً، تعد أول قمة فرنسية-أفريقية تُعقد في دولة أفريقية ناطقة بالإنجليزية لا تربطها علاقة استعمارية بفرنسا.
ثانياً، توقيت القمة، إذ تعقد في أعقاب التدهور الحاد للنفوذ الفرنسي في منطقة الساحل، لا سيما في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، حيث أدى تصاعد المشاعر المعادية لفرنسا والانقلابات العسكرية وطرد القوات الفرنسية إلى إضعاف هيمنة باريس الإقليمية التقليدية بشكل كبير.
ثالثاً، تعكس القمة محاولة فرنسا إعادة تموضعها ليس باعتبارها دولة وصاية ما بعد استعمارية، بل كشريك استراتيجي ينافس في بيئة جيوسياسية متزايدة التعقيد تُشكلها قوى صاعدة مثل الصين وروسيا ودول الخليج وتركيا والولايات المتحدة.
رابعاً، ومن جهة أخرى كان لمشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة ثقل جيوسياسي كبير يتجاوز مجرد الدبلوماسية الرمزية. فقد أبرز حضور مصر انخراط القاهرة المتزايد في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي في ظل تغير التحالفات الإقليمية، لا سيما فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر، وسياسات مياه النيل، والتنافس على النفوذ في الساحة الأفريقية الأوسع. كما تعكس مشاركة الرئيس السيسي سعي مصر لترسيخ مكانتها كقوة أفريقية ومتوسطية لا غنى عنها، قادرة على التفاعل في آنٍ واحد مع أوروبا ودول الخليج والدول الأفريقية ضمن الأطر المتعددة الأطراف الآخذة في التشكل.
وفي جوهرها، تظهر قمة نيروبي أن فرنسا لا تتخلى عن أفريقيا، بل تعيد تعريف شروط التعامل معها. ولذلك، لم تُمثل القمة قطيعة مع الماضي بقدر ما مثّلت تكيفاً استراتيجياً مع الواقع السياسي الجديد.
استراتيجية ماكرون: "ما بعد فرنسا أفريك"
منذ توليه السلطة عام 2017، وعد ماكرون مراراً وتكراراً بتفكيك منظومة مصطلح "فرنسا أفريك" التقليدية الذي هيمن على علاقات فرنسا الأفريقية في مرحلة ما بعد الاستعمار. ويشير هذا المصطلح، الذي شاع استخدامه على يد فرانسوا-كزافييه فيرشاف عام 1999، إلى نظام نفوذ استعماري جديد يتميز بشبكات سياسية واقتصادية غير رسمية. أتاحت هذه الشبكات لفرنسا الحفاظ على سيطرتها الاستراتيجية على مستعمراتها السابقة، لا سيما من خلال اتفاقيات التعاون العسكري والاقتصادي والنقدي. وفي هذا السياق، كان دور فرنك غرب أفريقيا، الذي أُنشئ عام 1945، مثيراً للجدل بشكل خاص. فمع أنه ضمن الاستقرار النقدي، إلا أنه يُنتقد أيضاً باعتباره أداة للهيمنة الاقتصادية. علاوة على ذلك، أثار دعم فرنسا لبعض الأنظمة الاستبدادية في غرب أفريقيا، بذريعة ضمان الاستقرار وحماية مصالحها الاستراتيجية، انتقادات بشأن تأثيره على الديمقراطية والتنمية في الدول الأفريقية.
وقد سعى ماكرون بالفعل إلى استبدال هذا النموذج بما وصفه بالشراكة "على قدم المساواة"، مؤكداً على ريادة الأعمال، ومشاركة الشباب، والابتكار، والاستثمار بدلاً من الاعتماد على المساعدات. وقد أطلق على هذه السياسة الجديدة اسم "مبدأ ماكرون"، والذي يتألف من ثلاثة أركان أساسية هي: الاعتذار عن المظالم الاستعمارية، واتباع نهج نيوليبرالي يركز على الشركات الصغيرة في برامج المساعدة، وقيام فرنسا بتطوير تحالفات جديدة خارج أفريقيا الفرنسية. وتماشياً مع جهوده الأوسع لإعادة تعريف علاقة فرنسا بأفريقيا ومعالجة الإرث الاستعماري المثير للجدل، أقر الرئيس إيمانويل ماكرون في عام 2021 بأن المحامي والمناضل الجزائري الشهيد علي بومنجل قد تعرض للتعذيب والاغتيال على يد الجيش الفرنسي عام 1957.
وقد عكست قمة نيروبي بوضوح هذا التحول الاستراتيجي. ولعل تسمية الحدث باسم "أفريقيا إلى الأمام" بدلاً من "قمة فرنسا-أفريقيا" يعني في حقيقته ومبناه التخلص من الارتباطات الاستعمارية وإبراز صورة من الندية والتعاون المستقبلي. ويعني ذلك أيضاً أن قرار فرنسا باستضافة القمة في كينيا بدلاً من دولة ناطقة بالفرنسية يعد ذا دلالة رمزية مماثلة، إذ أشار إلى نية باريس تنويع شراكاتها الأفريقية خارج نطاق نفوذها المتقلص في غرب أفريقيا. ومع ذلك، وعلى الرغم من خطاب ماكرون، كشفت القمة أيضاً عن تناقضات السياسة الفرنسية تجاه أفريقيا. فقد تراجع نفوذ فرنسا في غرب أفريقيا ليس فقط بسبب المنافسة الروسية والصينية، بل أيضاً لأن العديد من المجتمعات الأفريقية باتت تنظر إلى السياسة الفرنسية على أنها متعجرفة، وتدخلية، وانتقائية في تطبيق قضايا الديمقراطية. وعليه، لم يكن طرد القوات الفرنسية من منطقة الساحل مجرد انتكاسة عسكرية، بل كان انعكاساً لأزمة شرعية أعمق تحيط بدور فرنسا في القارة.
وبالتالي، مثّلت القمة محاولة من باريس لاستعادة مصداقيتها عبر الدبلوماسية الاقتصادية والقوة الناعمة. وبدلاً من التركيز على الشراكات العسكرية، ركّزت القمة بشكل كبير على منتديات الأعمال، والذكاء الاصطناعي، والتصنيع الأخضر، والابتكار الرقمي، وريادة الأعمال الشبابية. إلا أن هذا التحوّل يعكس مقتضيات الضرورة أكثر منه تحولاً أيديولوجياً. فلم تعد فرنسا تمتلك النفوذ المطلق الذي تمتعت به سابقاً في أفريقيا، وبات عليها أن تقبل التنافس بشكل متزايد ضمن سوق جيوسياسي متعدد الأقطاب.
الحسابات الاستراتيجية لكينيا
بالنسبة لكينيا، مثّلت استضافة القمة فرصة دبلوماسية مهمة. إذ تسعى نيروبي جاهدةً إلى ترسيخ مكانتها كمركز دبلوماسي واقتصادي قاري، قادر على مدّ جسور التواصل بين أفريقيا والقوى العالمية الكبرى. لقد استضافت كينيا العديد من المؤتمرات الدولية في السنوات الأخيرة، بما في ذلك قمة المناخ الأفريقية، في الوقت الذي دعمت فيه علاقاتها مع الصين والهند ودول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. وليس بخافٍ أن حكومة روتو تنظر إلى كينيا باعتبارها قوة صاعدة تتجاوز حدود شرق أفريقيا. فمن خلال استضافة قمة أفريقيا إلى الأمام، تسعى نيروبي إلى تعزيز مكانتها القارية ومنافسة النفوذ الدبلوماسي المرتبط تقليدياً بجنوب أفريقيا أو نيجيريا. كما يعطى صورة إيجابية لها كبوابة مستقرة للاستثمار في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي.
ومن الجدير بالذكر أن روتو وماكرون يتشاركان رؤى سياسية واقتصادية متشابهة. فكلاهما يُشدد على ريادة الأعمال، والإصلاحات الموجهة نحو السوق، وتمويل المناخ، والنمو الذي يقوده القطاع الخاص. ويتماشى خطاب روتو عن "أمة المكافحين" بشكل وثيق مع تركيز ماكرون النيوليبرالي على الشركات الناشئة ومنظومات الابتكار كمحرّكات للتنمية بعيداً عن تدخل الدولة. ويُفسّر هذا التقارب الفكري جزئياً تركيز القمة القوي على بناء الشراكات التجارية، والشراكات التقنية، وتيسير الاستثمار.
مع ذلك، لم تكن قمة نيروبي ذات طابعٍ فكريٍّ فحسب. إذ تُدرك النخبة الحاكمة في كينيا تماماً تصاعد حدة التكالب الدولي على أفريقيا. ومن خلال التعاون مع فرنسا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتٍ متينة مع الصين ودول الخليج والقوى الصاعدة، تنتهج كينيا استراتيجية شراكاتٍ متنوعة تهدف إلى تعظيم استقلالها الاستراتيجي. وبهذا المعنى، أوضحت القمة كيف ترفض الدول الأفريقية بشكلٍ متزايد التحالفات الجيوسياسية الثنائية، وتتجه بدلاً من ذلك إلى إدارة شراكاتٍ انتقائية متعددة ومتنافسة في آنٍ واحد.
الأجندة الاقتصادية للقمة: الابتكار أم استمرارية الليبرالية الجديدة؟
لعل من أبرز سمات القمة تركيزها على سبعة محاور رئيسية، بما في ذلك انتقال الطاقة، والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، ومبادرات الاقتصاد الأزرق، والزراعة المستدامة، وأنظمة الرعاية الصحية المرنة، والإصلاح المالي، والسلام والأمن. وظاهرياً، يعكس هذا البرنامج نموذج شراكة تقدمياً وواعداً. فمن خلال التركيز على القطاعات الناشئة بدلاً من الصناعات الاستخراجية أو أطر المساعدات التقليدية، تسعى فرنسا وكينيا إلى بناء سردية تتمحور حول التنمية المشتركة والابتكار المتبادل. غير أن التحليل النقدي يكشف عن وجود استمرارية غير خافية لنماذج التنمية النيوليبرالية. فقد أولت القمة اهتماماً بالغاً بالاستثمار الخاص، وبيئات الشركات الناشئة، والحلول القائمة على السوق، مبتعدة إلى حد كبير عن القضايا الهيكلية المتعلقة بالديون، وعدم المساواة التجارية، والتبعية الصناعية، أو استغلال العمالة. وربما يُهدد خطاب ريادة الأعمال بإخفاء علاقات القوة غير المتكافئة المتأصلة في الاقتصاد العالمي.
ومن جهة أخرى، يتجلى هذا التناقض بوضوح في النقاشات الدائرة حول الذكاء الاصطناعي. إذ تُشجع فرنسا التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي والشراكات التكنولوجية مع الدول الأفريقية. ومع ذلك، فإن جزءاً كبيراً من العمالة التي تدعم أنظمة الذكاء الاصطناعي العالمية يعمل في بيئات منخفضة الأجور مثل كينيا، حيث يقوم العمال بتصنيف البيانات ومراقبة المحتوى في ظروف قاسية. ويصف النقاد هذه الأماكن بشكل متزايد بأنها "ورش عمل استغلالية للذكاء الاصطناعي"، من خلال تسليط الضوء على كيفية إعادة إنتاج الاقتصادات الرقمية للتسلسلات الهرمية القديمة بأشكال تكنولوجية جديدة. وبالمثل، تكشف مناقشات تمويل المناخ عن توترات بين الخطاب والتطبيق. فكينيا، المُعرَّضة بشدة للجفاف والصدمات المناخية، تسعى إلى تمويل واسع النطاق للتكيف ودعم هيكلي. في المقابل، تدعم فرنسا والاتحاد الأوروبي علناً العمل المناخي، بينما تخففان في الوقت نفسه بعض اللوائح البيئية بسبب مخاوف أمن الطاقة المرتبطة بالأزمات العالمية. ولا شك أن هذه التناقضات تكشف الفجوة المستمرة بين الخطاب المناخي الأوروبي والواقع التنموي الأفريقي.
الأمن والسيادة وحدود الشراكة
على الرغم من أن القمة شددت على التعاون الاقتصادي، إلا أن الأمن ظل هاجساً أساسياً طوال المناقشات. فقد أدى الانسحاب العسكري الفرنسي من منطقة الساحل إلى تغيير جذري في المشهد الجيوسياسي. وتُدرك باريس بشكل متزايد أن الهيمنة العسكرية العلنية غير مستدامة سياسياً في العديد من السياقات الأفريقية. ومع ذلك، لا تزال المخاوف الأمنية محورية، لا سيما في مناطق مثل القرن الأفريقي والساحل والسودان والبحيرات العظمى.
لذا، عكست القمة تحوّل فرنسا من مجرد شرطي للمنطقة بشكل مباشر إلى دور أمني أكثر مرونة ضمن أطر متعددة الأطراف، والتعاون الاستخباراتي، ومبادرات بناء القدرات. ومع ذلك، تُطالب الدول الأفريقية بشكل متزايد بشراكات قائمة على السيادة وليس على التبعية. وقد اكتسبت هذه القضية حساسية خاصة في ظل الانتقادات الموجهة للحوكمة الديمقراطية في كينيا نفسها. إذ وجّهت شخصيات معارضة كينية انتقادات لحكومة روتو، متهمةً إياها بتضييق المجال السياسي وتراجع الحريات الديمقراطية مع اقتراب انتخابات عام 2027. وقد عكست هذه الانتقادات التناقض بين خطاب القمة حول الشراكة والتعددية من جهة وواقع الحكم على أرض الواقع من جهة أخرى.
علاوة على ذلك، كشفت القمة عن توترات داخل التحالفات الأمنية العالمية الأوسع. إذ تُقاوم الدول الأفريقية بشكل متزايد الانحياز التلقائي للأولويات الجيوسياسية الغربية. وأظهرت الانقسامات في التصويت بشأن الحرب الروسية-الأوكرانية أن الحكومات الأفريقية غالباً ما تسعى إلى الحياد البراجماتي بدلاً من الانسياق وراء الدول الغربية. وفي هذا السياق، اتخذت كينيا مواقف متباينة؛ إذ دعمت بعض القرارات التي أدانت الغزو الروسي، لكنها امتنعت عن التصويت في محطات أخرى مرتبطة بإدارة الأزمة، مفضّلةً إعطاء الأولوية للدبلوماسية والحوار. وتؤكد هذه الديناميكيات فرضية مفادها: إن تنامي النفوذ الجيوسياسي لأفريقيا يحد من قدرة القوى الخارجية على فرض تحالفات سياسية بعينها.
التعددية القطبية وتراجع الهيمنة الغربية
لعلّ أهمّ ما في قمة نيروبي يكمن في ما تكشفه عن تحولات النظام الدولي والذي ناقشناه في هذا المكان أكثر من مرة. ولعل إعادة تموضع فرنسا في أفريقيا لا يعكس مجرد تراجع النفوذ الأوروبي مقارنةً بالعقود السابقة، ولكنه يشير أيضاً إلى تآكل احتكار الغرب للدبلوماسية الأفريقية على نطاق أوسع. إذ تتنافس الصين وروسيا وتركيا ودول الخليج والهند بقوة على اكتساب النفوذ والثروة في أفريقيا من خلال تمويل البنية التحتية، وبيع الأسلحة، والشراكات التكنولوجية، والانخراط الدبلوماسي. وعليه، تعمل فرنسا الآن ضمن ساحة جيوسياسية مزدحمة وشديدة التنافس. لذا، مثّلت القمة جزئياً استجابةً لهذا المناخ المتغير. ويلاحظ المراقب أن ماكرون دافع مراراً عن أوروبا ضد اتهامات الاستغلال الاستعماري الجديد، منتقداً في الوقت نفسه علاقات التبعية المرتبطة بالصين. إلا أن هذه التصريحات تكشف أيضاً عن قلقٍ إزاء تراجع النفوذ النسبي لأوروبا. في الوقت نفسه، تستفيد كينيا والعديد من الدول الأفريقية من المنافسة العالمية بشكل متزايد لتعزيز قوتها التفاوضية. فبدلاً من الاختيار بين الشرق والغرب، تسعى الحكومات الأفريقية إلى إقامة شراكات متنوعة تهدف إلى تعزيز المرونة الاستراتيجية. وقد أكد روتو نفسه، مستحضراً مقولة نكروما الخالدة، أن كينيا تتطلع إلى الأمام، لا شرقاً ولا غرباً. ولعل ذلك يعكس تحولاً كبيراً في العلاقات الدولية الأفريقية. إذ لم تعد الدول الأفريقية مجرد متلقٍ سلبي للسياسات الخارجية، بل أصبحت تقوم بدور فاعل يؤثر على النتائج الجيوسياسية.
ختاماً، تمثل قمة "أفريقيا إلى الأمام" في نيروبي أكثر من مجرد لقاء دبلوماسي بين فرنسا والدول الأفريقية. إنها تشير إلى التحول المستمر في العلاقات الأفريقية-الأوروبية في عالم يتجه بشكل متزايد صوب التعددية القطبية. وتكشف القمة كذلك عن محاولة فرنسا إعادة صياغة انخراطها في أفريقيا بعد انهيار نفوذها التقليدي في منطقة الساحل، مع تسليط الضوء في الوقت نفسه على استقلال أفريقيا الاستراتيجي المتنامي وثقتها الدبلوماسية. ويعكس تركيز ماكرون على الابتكار وريادة الأعمال والشراكة جهداً واعياً لتجاوز منظومة "فرنسا أفريك" التي فقدت مصداقيتها وعفا عليها الزمان. ومع ذلك، تكشف القمة أيضاً عن حدود هذا التحول. فالتفاوتات الاقتصادية، والتوترات الأمنية، وعدم المساواة في سوق العمل، والمصالح الجيوسياسية المتنافسة لا تزال تُشكّل العلاقة وإن تمت تحت عباءة المساواة والابتكار.
وبالنسبة لكينيا، تعزز القمة طموح نيروبي في أن تصبح مركزاً دبلوماسياً قارياً ووسيطاً استراتيجياً بين أفريقيا والقوى العالمية. وعلى نطاق أوسع، أظهرت القمة أن الدول الأفريقية تتعامل بشكل متزايد مع التنافس الدولي بواقعية، مستفيدةً من شراكات متعددة بدلاً من قبول التبعية لأي جهة فاعلة واحدة. وفي نهاية المطاف، تبرز قمة نيروبي أن مستقبل العلاقات الفرنسية-الأفريقية سيعتمد بشكل أقل على الخطابات الرمزية والسرديات التقليدية، وبدلاً من ذلك سوف يعتمد على قدرة الشراكات الجديدة على معالجة أوجه عدم المساواة الهيكلية بصدق، مع احترام السيادة الأفريقية والحق في تقرير المصير. وفي غياب هذا التحول، يُصبح مصطلح "الشراكة" مجرد إعادة انتاج لأشكال قديمة من النفوذ غير المتكافئ.