الترقب الحذِر: لماذا تتجنب الكويت معاداة إيران في حربها ضد واشنطن وتل أبيب؟
2026-4-6

د. محمد عز العرب
* رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تعرَّضت الكويت - مثل غيرها من دول الخليج منذ بداية الحرب لتهديدات جوية معادية - من إيران وبعض وكلاءها من الفصائل المسلحة في العراق، بواسطة الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية والصواريخ الجوالة، بحيث شملت مطار الكويت وميناء الشويخ وميناء عبدالله وميناء مبارك الكبير (قيد الإنشاء) ومحطات القوى الكهربائية وتقطير المياه وناقلات النفط، ومستودعات للشركات اللوجستية الخاصة، والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، علاوة على مبانٍ سكنية، فضلاً عن الإعلان في 16 و25 مارس الماضي عن خليتى تجسس داخل الكويت، مكونة من مواطنين ومقيمين، ترتبط بتنظيم حزب الله خططت لتنفيذ عمليات اغتيال تستهدف رموز وقيادات الدولة، وتجنيد الأشخاص للقيام بهذه المهام، والإضرار بالمصالح العليا للبلاد وتلقيهم تدريبات عسكرية متقدمة خارج البلاد على أيدي عناصر وقيادات التنظيم شملت استخدام الأسلحة والمفرقعات وأساليب المراقبة إضافة إلى مهارات الاغتيال.

كما أعلنت وزارة الداخلية الكويتية في 18 من الشهر نفسه تمكن جهاز أمن الدولة من إحباط مخطط لعملية إرهابية كانت تستهدف منشآت حيوية في الدولة، بواسطة أعضاء تابعين لحزب الله، وهو ما يشير إلى أنه لم تعد التهديدات محصورة في العمل العسكري المباشر، بل في محاولات تقويض مؤسسات الدولة، عبر تخريب مفاصلها التقنية ونسيجها المجتمعي ووحدتها الوطنية، كجزء من صراع أعمق بين مشروع "الدولة الوطنية" المستقرة، ومشروع "الفواعل العابرة للحدود"، التي تسعى لتفتيت مركزية الدولة في المنطقة. فما تم الإعلان عنه في الكويت، كانت هناك حالات مناظرة في دول خليجية أخرى مثل الإمارات وقطر والبحرين. ولذا، حثّ الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، ولي العهد الكويتي، خلال زيارته لقواعد ومواقع عسكرية في الكويت في 19 مارس الماضي، على ضرورة أخذ التهديدات الخارجية على محمل الجد والاحتفاظ بأقصى درجات الجاهزية، واليقظة للتعامل مع كافة السيناريوهات في ظل وضع إقليمي بالغ التعقيد.

عوامل مترابطة

لعل التصريح السابق لولي العهد الكويتي الذي أشار فيه إلى "تعقد الوضع الإقليمي" هو الذي يفسر الحذر الكويتي من اتساع نطاق الحرب. ويمكن القول إن هناك مجموعة من العوامل التي تفسر طابع الترقب الحذر للكويت تجاه الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، على النحو التالي:

1- تجنب تكرار كارثة الغزو العراقي: تركز الحكومة الكويتية على حماية أمنها الوطني بكل الوسائل المتاحة، لاسيما في ظل ما شهدته من خبرة سيئة سابقة من غزوها على يد القوات العراقية في عهد نظام صدام حسين، الأمر الذي يفرض على نخبتها "التقدير المحسوب" أو سياسة محورها "درهم وقاية خير من قنطار علاج". إذ أن الخلفية التاريخية تسهم بدور مركزي في رسم توجهات سياسة الكويت الخارجية كدولة صغيرة وسط أفيال ضخمة، ممثلة في السعودية والعراق وإيران، فيما يعرف في أدبيات النظم الإقليمية بمثلث الضغط، وهو ما كان يطلق عليه أحد الدبلوماسيين الأمريكيين "مخاطر السير بجوار الفيل".

لذا، تهدف السياسة الخارجية الكويتية إلى إقامة علاقات خارجية متوازنة مع القوى الإقليمية الرئيسية المحيطة بها، وهو ما يتفق مع رؤية كال هولستي (أستاذ العلوم السياسية بجامعة كولومبيا الأمريكية) الذي يشير إلى أن العامل الجغرافي هو أكثر العوامل المؤثرة في سياسات الدول الصغيرة. بعبارة أخرى، مثل هذا المثلث هاجساً دائماً لسياسة الكويت الخارجية، التي تسعى في المقام الأول إلى الحفاظ على البقاء من خلال التوازن مع جميع الأطراف وعدم معاداة القوى المجاورة. ومن ثم، تهدف السياسة الكويتية إلى تحييد الخصوم وتجنب خطر أطماع القوى الإقليمية.

2-الحفاظ على التوازنات المجتمعية الداخلية: على الرغم من توتر علاقات دول الجوار الجغرافي للكويت مع إيران على خلفية برنامجها النووي، وكذلك ضبط شبكة تجسس في الكويت اتهمت فيها عناصر موالية لإيران فيما عرف إعلامياً بخلية العبدلي في عام 2015، فإن الكويت لم تقطع علاقاتها بطهران، بل حاولت بعض الأصوات الرسمية داخل الكويت أن تكون الأخيرة وسيط سلام بين إيران ودول الخليج وتهدئة التوترات في الإقليم لاسيما في ظل سياسة تمدد طهران.

إذ أثرت التركيبة الداخلية للمجتمع الكويتي في سياسة الحياد التي تتبعها البلاد لأنه قد يكون أحد التأثيرات الناتجة عن الحرب الحالية تصاعد حدة الاستقطاب الطائفي، حيث يشهد الإقليم تحولات جيوسياسية تعيد إحياء الصراع السني-الشيعي، مدفوعاً بتوترات سياسية وتدخلات خارجية وتصاعد النزعات الطائفية، لا سيما في العراق وسوريا ولبنان، فضلاً عن بعض دول الخليج التي يتواجد بها شيعة مثل السعودية (وخاصة في المنطقة الشرقية) والبحرين (70 في المئة من المجتمع) والكويت (30 في المئة من المجتمع).

3- عدم التورط في النزاعات الإقليمية: وهو ما يفرض على الحكومة الكويتية تصفير المشكلات Zero -problems مع الدول ذات التوتر المكتوم أو الصريح معها، والوقوف على مسافات متساوية وإتباع سياسة عدم الانحياز لأي طرف سواء كانت صراعات داخلية (داخل الدولة الواحدة) أو بينية (بين الدول). كما أن ذلك يمنح الكويت مصداقية في أداء دور المساعي الحميدة والوساطة في النزاعات الإقليمية. فقد أسهم شعور الكويت بأنها الحلقة الأضعف بين القوى الإقليمية في سعيها إلى البحث عن دور إقليمي يخرجها من هذا النطاق ويسهم في زيادة نفوذها وتأثيرها في المنطقة، وذلك من خلال قيامها بدور الوساطة في النزاعات الإقليمية. 

4- مواجهة حالة الفوضى الإقليمية: تحرص الكويت على الاستقرار الإقليمي بوصفه من مقتضيات الأمن القومي، فضلاً عن تبني الكويت سياسة الحياد النسبي إزاء الأزمات الإقليمية. فالدبلوماسية الكويتية تعطي إشارات بأنها محايدة نسبياً إزاء الصراعات المسلحة في المنطقة العربية، وهو أمر ضروري لكسب ثقة مختلف أطراف الصراع، بل عامل محوري لإنجاح الوساطة في الصراعات الإقليمية وتجنب الارتدادات من الارتباطات الحاكمة لدول الجوار الجغرافي كإيران بأطراف محلية داخل الدول العربية مثل القوى الشيعية المسلحة داخل العراق كالحشد الشعبي وكتائب حزب الله.

ولذا، سلّمت وزارة الخارجية الكويتية، في 4 مارس الماضي، القائم بأعمال سفارة العراق لدى دولة الكويت مذكرة احتجاج على إثر الاعتداءات التي شنتها فصائل مسلحة عراقية والتي استهدفت الأراضي الكويتية، وهو ما تكرر للمرة الثانية في 30 مارس الماضي، إذ أكد نائب وزير الخارجية بالوكالة زيد عباس شنشول، أن شن هجمات مسلحة على دولة الكويت باستخدام أراضي جمهورية العراق يُعد عدواناً على الكويت واعتداءً على سيادتها، بالإضافة إلى كونه انتهاكاً لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

5-عدم الثقة في متانة التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية: ستجد دول الخليج نفسها مضطرة إلى تحقيق توازن دقيق بين مصلحتها الوطنية في منع مزيد من التصعيد، وحاجتها إلى ردع الهجمات المستمرة التي تستهدف بنيتها التحتية ومنشآتها الاقتصادية. تزداد هذه المعادلة تعقيداً في ظل احتمال انسحاب أمريكي مفاجئ من الحرب، ما قد يترك دول المجلس في مواجهة منفردة، إذا واصلت طهران حملة ضد أهداف في الخليج بوتيرة منخفضة، لاسيما في ظل شعور لدى الكويت بأن الولايات المتحدة حليف غير مستقر.

6- الشعور بالتهديد المتزايد من التوغل الإسرائيلي: على الرغم من أن إسرائيل لا تمثل تهديداً مباشراً لأمنها الوطني، تعد الكويت إحدى الدول العربية التي تتخذ توجهاً وسلوكاً، رسمياً وشعبياً، مناهضاً للتطبيع مع إسرائيل، إذ لا تعترف بوجود إسرائيل كدولة، وتطلق عليها وصف "الكيان الصهيوني" أو "دولة الاحتلال" أو "فلسطين المحتلة". وفي مرحلة ما بعد حصول الكويت على استقلالها، أعلن الشيخ صباح السالم الصباح الحرب على ما أطلق عليه المرسوم الأميري "العصابات الصهيونية" في فلسطين عام 1967. وعلى مدى نصف قرن مضي، ظل التوجه الكويتي ثابتاً على شعارات المقاطعة برغم حدوث متغيرات إقليمية تتعلق بتوجه بعض الدول العربية إلى السلام معها وبروز توجهات جديدة لدول أخرى تسعى للتطبيع معها.

ويمكن القول إن هناك مجموعة من المحددات التي تفسر هذا التوجه الكويتي تجاه إسرائيل، تتمثل في تمايز السياسة الخارجية الكويتية عن بعض دول الخليج التي طبّعت علاقاتها أو ربما تتجه للتطبيع مع إسرائيل، وقوة التيارات القومية العروبية والإسلامية المناوئة لإسرائيل مثل (التيار العروبي، وتجمع العدالة والسلام، والتحالف الإسلامي الوطني، وتجمع الميثاق الوطني، والحركة الدستورية الإسلامية)، والخسائر البشرية الكويتية في المواجهات العسكرية العربية الإسرائيلية وخاصة خلال حرب أكتوبر 1973.

فالكويت على عكس غيرها من دول الخليج شاركت في الحروب التي خاضتها دول الطوق العربية في آخر عقد الستينات وبداية عقد السبعينات من القرن الماضي، إذ صدر مرسوم أميري للشيخ صباح السالم بإرسال قوات كويتية إلى مصر للمشاركة في حرب الاستنزاف وقد تكبدت 20 قتيلاً، فضلاً عن المشاركة في حرب أكتوبر في كل من الجولان بسوريا والسويس في مصر وبلغت خسائر الكويت في الحرب 40 قتيلاً. وقد مثلت هذه الدماء الكويتية حاجزاً نفسياً لدى النخب الحاكمة والرأي العام بالبلاد لعدم التطبيع مع إسرائيل قبل التزام الأخيرة باتفاقيات السلام لاسيما في ظل السياسات العنيفة الموجهة للشعب الفلسطيني.

علاوة على إدراك الكويت لهيمنة المصالح الاقتصادية الإسرائيلية، حيث تدرك الحكومات المتعاقبة في إسرائيل أن الكويت دولة ذات احتياطات نفطية ومالية هائلة يمكن أن توظف للتبادل التجاري مع إسرائيل، الأمر الذي تتحفظ عليه الكويت لاسيما في ظل غياب مردود يمكن الحصول عليه. لذا، ترفض الكويت التعامل بشكل مباشر أو غير مباشر مع إسرائيل في العلاقات التجارية، إذ أصدرت القانون 21 لسنة 1964 "الذي يحظر حيازة وتداول السلع الإسرائيلية بكافة أنواعها". كما أنه لم تشارك الكويت في المؤتمرات الإقليمية الشرق أوسطية في عقد التسعينيات من القرن الماضي التي هدفت لإدماج إسرائيل في مشروعات اقتصادية بالمنطقة، ورفضت نهج التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل خلال إدارة ترامب الأولى.

سياسة متوازنة

خلاصة القول، إن الموقف الكويتي من الحرب الراهنة يعبر عن انتهاج سياسة متوازنة للكويت، عالمية الطابع، وإقليمية الميل، نظراً لقدوم غالبية التهديدات من الشرق الأوسط. كما أن هناك إدراكاً كويتياً لأن الانخراط الخليجي المباشر في الحرب يمثل تحولاً استراتيجياً قد يفتح مسارات يصعب التحكم في نتائجها، وأن الاستمرار في الموقف الدفاعي يبقى الخيار الأجدى راهناً، فضلاً عن التخوف من المحاولة الإسرائيلية لتغيير خريطة الشرق الأوسط بما يعزز هيمنتها ويمارس ضغوطاً على دول الخليج للتطبيع معها.


رابط دائم: