بعد أكثر من أسبوع من التداول بشأن ترتيبات اختيار المرشد الجديد لإيران ليكون خلفًا للقائد الثاني للجمهورية علي خامنئي الذي تم اغتياله على حين غرة في 28 فبراير 2026، أعلن مجلس خبراء القيادة، كما كان متوقعًا، وهو هيئة دينية بامتياز مشكل من 88 فردًا، عقب اجتماع استثنائي في 8 مارس الجاري، عن مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، ليتولى مهام "الولي الفقيه". منصب يجمع بين الصلاحيات الدينية والدنيوية ويمارس السلطة المطلقة في قضايا المجتمع والدولة، لهذا يعتبر شاغله بمثابة قطب الرحى في نظام الحكم بالبلاد والرمز الأسمى لهويتها والمجسد الفعلي لطموحها.
ورغم قيام نظام الجمهورية الإسلامية على مبدأ الاختيار كبديل عن "التوريث" الذي ساد عهد نظام الشاه والذي ما قامت الثورة إلا لتجاوزه باعتباره من مخلفات يزيد بن معاوية[1]، فإن إحلال مجتبى محل أبيه في ظروف حرب مصيرية، يحمل إشارة قوية على رغبة النخبة القيادية في طهران على الصدع باسم جديد في قيادة الدولة "يرث" خصال سلفيه، الخميني وخامنئي، وقادر على الجهر برؤيتهما والدفاع عنها في وجه خصومها داخليًا وخارجيًا؛ الشيء الذي أشار إليه بوضوح بيان مجلس الخبراء حين وصف نموذج الحكم في إيران طيلة الـ47 سنة الماضية بـ "الحكم الحكيم القائم على مبادئ العزة والاستقلال والاقتدار لإمامي الثورة". وبالتالي ينتظر من مجتبى خامنئي، في تطلعات ناخبيه من فقهاء مجلس الخبراء وداعميه من خارج المجلس وعبر شبكة المؤسسات الدينية والعسكرية الواسعة في البلاد، أن يعكس بنمط تدبيره للحكم، كثالث قائد للجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها على يد روح الله الموسوي الخميني في 1979، نهج الاستمرارية على مستوى سياسة البلاد داخليًا وخارجيًا.
وإن كان لا يعرف عن مجتبى خامنئي تجربة سابقة في أجهزة القيادة وتحوم حوله هالة واسعة من اللبس والغموض، فإن التسريبات التي تناولت جوانب من حياته الخاصة والمحتوى "الثوري" لرسالته الأولى بعد إعلان تنصيبه، تقدم مادة أوّلية لاستكشاف نمط تفكيره في راهن إيران ومستقبلها. الشيء الذي يُمكِّن من رصد "الثوابت" التي على أساسها تم اختياره خلفًا لوالده، وفي الوقت نفسه تلمس "المتغيرات" التي قد يباشرها لمواكبة تحولات الداخل الإيراني من جهة وتحولات محيط بلاده القريب والبعيد من جهة أخرى.
فما هي المؤثرات التي ستتحكم في اختيارات مجتبى خامنئي الفقهية وتطلعاته السياسية؟ أو بعبارة أخرى؛ ما هي محددات العقل الفقهي والسياسي لقائد إيران الجديد، التي تصوغ منطق حكمه ونمط تفكيره؟
سؤال نلتمس الجواب عليه، من خلال استشراف ردود فعل مجتبى خامنئي المحتملة على التحديات الخارجية من خلال المحدد العقدي وتأثيره في الجانب الاستراتيجي، وعلى التحديات الداخلية من خلال المحدد الأيديولوجي ومدى استيعابه للهامش البراجماتي.
أولاً: المحدد العقدي في مواجهة التحديات الخارجية
تأسس النظام السياسي لجمهورية إيران الإسلامية، منذ عام 1979، على شعار "لا شرقية ولا غربية"، مناصرة لـ "المستضعفين" ضد "الاستكبار العالمي" في ظل نظام دولي متناحر أيديولوجيًا بين ليبرالية الغرب وشيوعية الشرق؛ نظام انبثق من أتون حرب باردة سادت، لما يزيد عن الثلاثة عقود السابقة عن الثورة، الجزء الشمالي من الكرة الأرضية فيما ظل جنوبها يتأرجح بين إغراءات الغرب الاقتصادية تارة وشعارات الشرق التحررية تارة أخرى. وبالتالي لم تكن الثورة التي عصفت بنظام الشاه محمد رضا بهلوي في منظومة فكر مفجرها وملهمها روح الله الموسوي الخميني، مجرد حركة انقلاب جماهيري محدودة زمنيًا وجغرافيًا؛ إنما حركة رفض كلي وشامل تنبعث من أعماق الجنوب، كل الجنوب بشعوبه المسلمة أساسًا، ضد الغرب والشرق معًا.
ولم تكن هذه الحركة الرافضة لـ "ظلم" الغرب والشرق في التصور العقدي للخميني، المستلهم من التراث السياسي الشيعي، إلا حركة الإسلام في مواجهة قوى الاستكبار على امتداد التاريخ الإسلامي منذ عهد النبوة وإلى عهدنا المعاصر[2]؛ وهي نفسها الحركة التي وجد الخميني تجسيدها الأسمى في ثورة الحسين بن علي، الذي سمَّاه "سيد المظلومين" ضد حكم يزيد بن معاوية[3]. فصارت أرض إيران تشكل، في المخيال الديني للخميني والنخبة القيادية المحيطة به، منطلقًا لإعادة إنتاج ملحمة كربلاء في التصدي لـ "الشيطان الأكبر"، ممثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل[4]، كما صارت ثورتها تنطوي على استكمال طريق الحسين نحو الحرية والاستقلال[5].
إن هذه السردية التي تعتبر المركب المركزي في الخلفية النظرية لنظام الحكم الإيراني، ستشكل محددًا عقديًا حاضرًا في نمط تفكير مجتبى خامنئي الذي اختير لقيادة بلد "جريح" عقب ضربة إسرائيلية وبرعاية أمريكية؛ ضربة قضت على مجموعة من قيادات الصف الأول العسكرية والسياسية للبلاد وعلى رأسهم والده "الولي الفقيه" الذي ينوب عن الإمام المعصوم سليل الحسين وحفيده ورمز عدالته. إن السردية هنا تكتمل جاهزيتها لتمارس مفعولها على المستوى النفسي والذهني لـ "الولي الفقيه" الجديد في ضوء تراث ضخم من الأدبيات المكتوبة والخطب المنقولة التي تختزلها عقيدة الخميني بشأن الولايات المتحدة وكل القوى العظمى؛ عقيدة تحث المسلم على معارضة هذه "القوى الشيطانية" لأن مصالحتها تعتبر "ظلمًا للمظلومين" وإطلاقًا ليد الظالم في "ممارسة الظلم"[6].
كما أن السردية ذاتها يفترض فيها أن تؤطر رد فعل مجتبى خامنئي "المقاوم" بتوجيه من دعوة الخميني أيضًا، بلسان الحسين بن علي، كل مسلم إلى مواجهة الظلم ومنعه "بمقدار ما يستطيع ولو كان معه بضعة أنصار فقط يقفون معه بوجه ذلك الحاكم ذي الجيش العظيم الجرّار"[7]؛ والدعوة هنا تنطوي في ظاهرها على تجاهل موازين القوى والتضحية بدون مقابل من خلال الإيمان بما آمن به الحسين الذي علَّم، حسب سردية الخميني، "الناس أن لا يخشوا قلّة العدد فالعدد ليس هو الأساس بل الأصل والمهمّ هو النوعيّة، والمهمّ هو كيفيّة التصدّي للأعداء والنضال ضدّهم والمقاومة بوجههم"[8]. لهذا كتب الخميني: "لا توجد هزيمة بالنسبة لنا"، لأننا أمام حالتين لا ثالث لهما "إما أن نغلب فنكون قد انتصرنا أيضًا، أو لا ننتصر لكننا سنكون مرفوعي الرأس في محضر الله"[9].
إن هذه السردية، التي تستعلي بحب "الشهادة في سبيل الله" من خلال التصدي للظلم وجعلها عاملاً روحانيًا أسمى من موازين القوى المادية كما كان يُروج الخميني، يُفترض أن تدفع بمجتبى، نجل "الشهيد" علي خامنئي والمهدد في كل لحظة بالاغتيال، نحو إعادة تمثل مفهوم "الشهادة" في سياق مستلزمات الحرب القائمة. كما أن عملية إعادة التمثل هذه لمرشد إيران الجديد، الذي فقد أقرب الناس إليه من أسرته في الهجوم الإسرائيلي الأمريكي، سيتم تطويقها، على مستوى عقله الباطن، بثقافة الحزن والبكاء التي تعتبر شعيرة مركزية في المذهب الشيعي الإثنى عشري والتي حولها الخميني إلى خزان ثوري في العقيدة السياسية للدولة. وبهذا سينتظم مجتبى في دعوة الخميني بالحفاظ "على مجالس عزاء الأئمّة" لدورها الواضح في "ترابط حركة الجماهير ووحدتها" من أجل "بناء هويّة المجتمع السياسيّة". فالشعب الإيراني، كما يقول الخميني، ليس مجرّد "شعب بكّاء" إنما "شعب تمكّن بواسطة هذا البكاء والعزاء من الإطاحة بنظام عمّر ألفين وخمسمائة عام"[10]، ولهذا يحذر من جعل "التظاهرات والمسيرات" بديلاً عن "مواكب العزاء والمآثم"[11].
الجانب الاستراتيجي تحت سطوة التأثير العقدي
لكن السؤال الذي يمكن طرحه في هذا السياق، هو إلى أي حد يمكن لهذه السردية العقدية أن تتملك عقل مجتبى خامنئي؟ وكيف يمكنه تكييف السردية مع طموح إيران الاستراتيجي بأن تكون قوة إقليمية وازنة في محيط إقليمي ودولي مُعاد أو متوجس منها؟
والجواب عن السؤالين معًا يمر عبر تمثل مجتبى خامنئي للدين وعلاقته بالدولة، فإذا كان مجتبى قد جاء للحكم، أو جيء به، ليكرس الاستمرارية في نموذج الحكم على نهج والده ومن قبله سلفهما الخميني الذي صاغ الخلفية العقدية للدولة باعتبارها امتدادًا لحركة أئمة الشيعة المعصومين، فإنه أيضًا سوف يكرس الاستمرارية على مستوى تمثل علاقة الخميني بالعقيدة الدينية كما تجسدت فعليًا أثناء قيادته للدولة.
وهنا المفارقة التي تتجلى واضحة بين مستوى التوجيه العقدي والتطبيق العملي؛ إذ انتصر الخميني في تجربته بالحكم، التي دامت عقدًا كاملاً، لمنطق الدولة على حساب منطق الدين ولسيادة المصالح المادية على حساب السرديات الخطابية، أي أنه جعل الدين في خدمة الدولة وليس العكس. وقد دافع بقوة عن موقفه حين اعتبر قراراته، الصادرة من سلطته المستمدة من ولاية الرسول ﷺ المطلقة بصفته "الولي الفقيه"، تتقدم على كل الأحكام الإلهية ولو كانت من أركان الإسلام، بقوله "لو كانت صلاحيات الحكومة ضمن إطار الأحكام الإلهية الفرعية لوجب القول أنه لا معنى للحكومة الإلهية والولاية المطلقة المفوضة إلى النبي الإسلام"، مضيفًا: "إن الحكومة التي تعني الولاية المخولة من قبل الله إلى النبي الأكرم (ص) مقدمة على جميع الأحكام الفرعية الإلهية" لأنها "واحدة من الأحكام الأوّلية للإسلام"، وبالتالي تبقى "مقدمة على جميع الأحكام الفرعية، حتى الصلاة والصوم والحج"[12].
إن هذا التصور في علاقة "الولي الفقيه" بكل من الدين والدولة الذي وضعه الخميني؛ سوف يشكل مدخلاً لخليفته الثاني مجتبى خامنئي من أجل احتواء الإشكال الناجم عن التعارض المفترض بين المرجعية العقدية للدولة وطموحها الاستراتيجي؛ وهذا يعني أن موقفه من التحديات الدولية وما تفرزه إقليميًا من تباينات وتحالفات لن يخضع للمحدد العقدي إنما للمحدد الاستراتيجي بناءً على منطق الربح والخسارة واتجاهات موازين القوى. أما القناعات "العقدية" بشأن السير على خط الأئمة المعصومين الشائعة في الأوساط الحوزوية وثقافة المقاومة، فسوف تبقى رهينة التوظيف الدعائي حينًا وتأجيج الحماس والتعبئة حينًا آخر[13]. وبالتالي ستخضع إيران في تدبير ملفها النووي وبرنامجها الصاروخي وأذرعها الخارجية وعلاقاتها الإقليمية والدولية لسقف المساومة ومنطق التفاوض وفق مخرجات الحرب القائمة طلبًا للمصلحة المادية التي أصبحت ضرورة وجودية حمايةً لنظامها وضمانًا لاستمرارها، وفي كل الأحوال لن تندفع أبدًا في اتجاه التصعيد طلبًا لـ "الشهادة"، التي قال عنها الخميني أنها لا "تُقاس بالغلبة أو الهزيمة في ميادين القتال"، إلا إذا فرضتها مصلحتها المادية وحفَّزت عليها استعداداتها للنصر في القتال.
ثانيًا: المحدد الأيديولوجي في مواجهة التحديات الداخلية
شكلت نظرية "ولاية الفقيه" الركن الأساسي في الرؤية الفكرية لحكام طهران، ورغم ما طالها من جدل كلامي وتوصيفات باللبس والريبة فإن الخميني اعتبرها في مقدمة كتابه "الحكومة الإسلامية" نظرية بديهية وأنها "فكرة علمية واضحة قد لا تحتاج إلى برهان" لأن "من عرف الإسلام يرى بداهتها"[14]. بل إن الخميني تبنى القراءة الأكثر تشددًا لـ"ولاية الفقيه" بقوله بالولاية "العامة" و"المطلقة"، وبالتالي فوَّض "الولي الفقيه"، في زمن الغيبة، كل صلاحيات الرسول محمد ﷺ والأئمة المعصومين من بعده، فآل إليه "أمر الحكم والقضاء والفصل في المنازعات، وتعيين الولاة والعمال، وجباية الخراج، وتعمير البلاد"[15]. وذلك من خلال قراءته لتراث علماء الشيعة الكبار من أمثال الاسكافي والطوسي والعاملي والجناحي والنراقي، فأصبح الفقيه، بحسب الخميني، "هو المتصدي لأمر الحكومة" و"ينهض بكل ما نهض به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يزيد ولا ينقص شيئًا"[16]، وبالتالي وجبت له الطاعة ومن يتخلف عن طاعته "فإن الله يؤاخذه ويحاسبه على ذلك"[17].
هذا المفهوم المتشدد لولاية الفقيه الذي وضعه الخميني تحول إلى "محدد أيديولوجي" مؤثر في سياسة الحكم، وهو ما ورثه عنه خليفته علي خامنئي، الذي سعى رفقة أكبر هاشمي رفسنجاني، قبيل اختياره مرشدًا جديدًا في 1989 إلى تعديل الدستور بالتنصيص على ولاية الفقيه "المطلقة"، ليؤكد على سمو سلطته الدينية عن كل مؤسسات الدولة بما فيها الدستور وهو ما فعله عمليًا في مواجهة رئيس الجمهورية محمود أحمدي نجاد، بعد أن عزل في مايو 2011 وزير الاستخبارات حيدر مصلحي، وردَّ المرشد بتخيير أحمدي نجاد بين الإبقاء على الوزير أو تقديم استقالته.
لكن رغم مرور ما يقرب من الخمسة عقود على اختبار نظرية "ولاية الفقيه" عمليًا في تجربة الحكم بإيران، فإنها لازالت تلقى اعتراض غالبية مراجع التقليد في المذهب الجعفري الإثنى عشري سواء داخل إيران أو خارجها، الشيء الذي نجم عنه مضايقات وتحرشات في صفوف الرافضين لها من كبار علماء البلد، بمن فيهم الأكثر قربًا من الخميني؛ مثل المرجع الكبير آية الله محمد كاظم الحسيني شريعتمداري الذي توفى في عام 1986 وهو لازال قيد الإقامة الجبرية التي فرضت عليه في عام 1982، وكذلك المرجع آية الله العظمى الشيخ حسين علي منتظري الذي تحول إلى واحد من أكبر ناقدي صلاحيات ولاية الفقيه بعد أن كان من أبرز مهندسي نظام الدولة الإيرانية؛ الشيء الذي دفع الخميني، في عام 1989، إلى عزله من منصبه كنائب لمرشد الثورة الإسلامية.
ورغم وفاء مجتبى خامنئي لنظرية ولاية الفقيه، بحسب مفهوم الخميني لها، الشيء الذي عكسه حصوله على لقب "آية الله"، منذ 2022، وبالتالي أحقيته في تولي منصب المرشد الأعلى للجمهورية، انسجامًا مع منطوق الدستور الذي ينص على "الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه"، وهو ما تحقق في 8 مارس الحالي، فإن تزامن وصوله للحكم مع عزم أمريكي إسرائيلي غير مسبوق على إضعاف إيران وإسقاط نظامها وتصاعد احتجاجات الشارع ضد السلطة الدينية لنظام الحكم، بات يفرض عليه تبني نهج براجماتي في ممارسة صلاحياته كولي للفقيه لمواجهة التحديات الداخلية.
فنظرية "ولاية الفقيه" لم تسلم من نقد بناءها النظري وأصولها المنهجية، في الوسط العلمائي الشيعي داخل إيران وخارجها، فانبثقت اجتهادات تأصيلية للنظرية السياسية في الفكر الشيعي تحصر ولاية الفقيه في الأمور الحسبية دون السياسية وهو الاتجاه الغالب في الحوزات العلمية والذي يتبناه المرجع الأعلى في النجف السيد علي السيستاني، الذي سار على نهج سلفه أبو القاسم الخوئي، فقصَّر ثبوتها على ثلاثة مجالات فقط هي "الفتوى والقضاء والحسبة بصيغتها الواسعة"[18] مستثنيًا منها مجال الحكم[19]، رافضًا بالمطلق "تشكيل حكومة دينية على أساس فكرة ولاية الفقيه"[20]، وموضحًا أن المرجعية الدينية "ليست معنية بالتصدي لممارسة العمل السياسي"[21]، حيث حصر وظيفتها في "النصح والإرشاد إلى ما ترى أنه في مصلحة الشعب"، الذي له على المستوى السياسي حرية اختيار "الأصلح لحاضره ومستقبله بلا وصاية لأحد عليه"[22].
بل حتى القائلين بـ "ولاية الفقيه العامة" لم يجتمعوا على مفهوم موحد بشأنها ورفَض غالبيتهم تركيز السلطة في يد شخص واحد بدعوى أنه الولي الفقيه، معترضين على احتكاره للسلطة المطلقة للنبي والمعصوم، ومن هؤلاء المرجع اللبناني محمد حسين فضل الله، الذي دعا إلى "المرجعية المؤسسة" بدل مرجعية الفرد الواحد[23]. وكذلك الشيخ محمد مهدي شمس الدين، الذي قال بـ "ولاية الأمة على نفسها"[24].
أما داخل إيران، فإن محمد الشيرازي جهر بنظرية "شورى الفقهاء" من خلال إنشاء مجلس فقهي يتكون من أصحاب الدرجات العليا في العلم الشرعي تختارهم الأمة لإدارة شئون الحكم بأغلبية آرائهم، ليكون هذا المجلس بديلاً عن الفقيه الواحد، وذلك بناءً على مركزية الشورى في الخطاب القرآني كما في قوله تعالى ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾. غير أن الشيرازي لم يكتف ببيان موقفه الشرعي من النظرية السياسية في الحكم، إذ سرعان ما تصدى لنموذج الحكم القائم على مفهوم الخميني لولاية الفقيه الذي نزع عنه الشرعية الدينية معتبرًا إياه نوعًا من الدكتاتورية، وهو الموقف ذاته الذي تبناه، بعد وفاته في 2001، شقيقه صادق الشيرازي ووريثه في قيادة المرجعية الشيرازية التي يعتبرها البعض الثانية من حيث الانتشار والتأثير على مستوى العالم بعد مرجعية ولاية الفقيه[25]، فتمسك بمعارضته لـ "ديكتاتورية" ولاية الفقيه لدرجة أن حسين ابن صادق الشيرازي، وصف الخميني بـ "فرعون"، في ديسمبر2017، مشيرًا إلى أن "مبدأ أنا ربكم الأعلى وهذه طريقتكم المثلى يتجلى في ولاية الفقيه" وأن البلاد "قائمة على هذا المفهوم بقضها وقضيضها"[26].
بل إن مرجعيات التقليد، الرافضة لحكم ولاية الفقيه المطلقة، لم تبد حماسًا في الدفاع عن إيران في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذا لا ينطبق فقط على مرجعية الشيرازي التي ظلت تلتزم الصمت كما فعلت خلال حرب الإثنى عشر يوماً في يونيو الماضي، بل إن ياسر الحبيب، أحد أتباعها المتشددين، أثار انحرافات خامنئي "الكفرية" وحرَّم عبارات المدح في عزائه ودعا الجيش الإيراني إلى الالتفاف حول "المرجعيات العدول"؛ قاصدًا بها أساسًا مرجعية صادق الشيرازي. وهذا ينطبق أيضًا على مواقف مرجعيات أخرى من خارج إيران، وإن بدرجة أقل، مثل مرجعية علي السيستاني الذي اقتصرت بياناته على مواساة الشعب الإيراني والتعزية برحيل خامنئي دون تنديد صريح بالقاتلين، كما اكتفى بعد إعلان اختيار مجتبى لقيادة البلاد ببيان مقتضب وباهت، صدر متأخرًا يوم 11 مارس، عبَّر من خلاله عن أمله في أن يوفَّق في خدمة الشعب الإيراني و"دفع شرّ الأعداء والحفاظ على الوحدة والانسجام الوطني"، وهو سلوك يحكمه حذر السيستاني من استمرار حكام طهران في تمديد نفوذهم بالعراق والمنطقة.
المحدد الأيديولوجي ومدى استيعابه للهامش البراجماتي
إن هذا الرفض لسلطة ولاية الفقيه "المطلقة" في الوسط العلمائي الشيعي، في وقت يشهد استمرار الاحتجاجات الشعبية واقتران صورة المرشد الجديد بقمع مظاهرات 2009 و2022، واندلاع معركة الحجاب ورقص بعض الشباب الإيراني في الشارع على إيقاع القصف الإسرائيلي والأمريكي لمدنهم...، قد يدفع بالمرشد الجديد، تحت هاجس الحفاظ على النظام ووحدة البلاد وصيانة الحاضنة الشعبية لمشروع الثورة، إلى تعديل "المحدد الأيديولوجي" للدولة، من خلال "الاضطرار" إلى تبني "البراجماتية"، وهو ما يناسب وضعه كزعيم جديد لا يحظى بالشخصية الكارزمية وغير معروف بكتابات ولا خطب أو حوارات قابلة لتشكيل صورة عن رؤيته للحكم.
وتبني "البراجماتية" يمكن تحقيقه من خلال التصالح مع الفقه الشيعي التقليدي والتوافق مع المرجعيات الكبرى في البلاد وخارجها حول مقتضيات الحكم الشرعي في عصر غيبة الإمام المعصوم، خاصة أن شخصيات وازنة من داخل النظام دعت إلى الحد من سلطات الولي الفقيه مثل هاشمي رفسنجاني وأخرى عبَّرت عن تظلمات تجاهها مثل محمود أحمدي نجاد، على الرغم من أن كلاهما شغل منصب رئاسة الجمهورية وحظيا بدعم المرشد في فترات سابقة. فضلاً عن حاجة النظام المكلوم، من خلال هذا التحول البراجماتي، إلى بعث رسائل تطمين إلى التيارات القومية وتلك المتوجسة من المرجعية الدينية، والتجاوب مع تخوفات الأوساط الحوزوية من محاولات إيرانية للسيطرة على المرجعية العليا بالنجف بعد رحيل السيستاني (95 سنة).
من هنا، لا يستبعد ميل مجتبى خامنئي نحو القبول بمراجعة صلاحيات "ولاية الفقيه" في أفق تضييقها والشروع في إعادة تكييفها مع متطلبات الدولة الحديثة، لكن دون الوصول إلى درجة احتضان الرؤية الغربية لحقوق الانسان والآليات الديمقراطية. وفي هذا السياق، يُحتمل أن يبادر مجتبى خامنئي، ولو ظرفيًا وجزئيًا، بعد نهاية الحرب وولوج مرحلة بناء الدولة، بإطلاق إصلاحات على الصعيد السياسي تبدأ بتخفيف الضغوط على رموز التيار الإصلاحي ورفع الإقامة الإجبارية على قياداته وتوسيع صلاحيات رئاسة الجمهورية، وكذلك على الصعيد الشعبي والاجتماعي من خلال تنشيط مؤسسات المجتمع المدني والتخفيف من شروط الحجاب وشكلياته.
العقدي والأيديولوجي في إيران ما بعد الحرب
بعد أن تضع الحرب الجارية أوزارها لن تبق إيران كما كانت من قبل، إذ ستجد نفسها تلج مرحلة إعادة البناء بموارد قليلة وتداعيات اجتماعية كثيرة ووسط عزلة إقليمية ودولية غير مسبوقة، الشيء الذي سيفرض تحديات مستجدة على مستوى قيادة الدولة. وهذا ما تشوَّفه مجتبى خامنئي وأعلنه في رسالته الأولى للشعب الإيراني، بالقول أن "الجلوس في المكان الذي كان مقعداً لقيادة اثنين من العظماء، الإمام الخميني الكبير والشهيد الخامنئي، مهمة شاقة بالنسبة لي". فمآل البلاد سيفرض على النخبة القيادية في طهران وعلى رأسها المرشد الجديد مجتبى مباشرة مقاربة جديدة تأخد بعين الحسبان حاجة البلاد في مرحلتها الحساسة إلى تصحيح علاقاتها مع محيطها الإقليمي والدولي خارجيًا وإلى ضمان السلم الأهلي داخليًا.
وتغيير بهذا الحجم وهذا المستوى، سواء كان اقتناعًا دائمًا أم مراوغة مرحلية، سوف يفرض على الولي الفقيه، مجتبى خامنئي، تغييرًا في الخطاب يسمح له بمواكبة تحولات الداخل الإيراني من جهة وتحولات محيط بلاده في المنطقة والعالم من جهة أخرى، وفي الوقت ذاته يتيح له الحفاظ على المحددين العقدي والأيديولوجي باعتبارهما من الثوابت الدينية الراسخة في هوية الدولة، وذلك مادامت هذه الهوية قابلة للتوظيف في الترويج لمنطق الثورة الحسينية، لا سيما عن طريق الاستعلاء بملحمة كربلاء وخط الشهداء، في مواجهة المراجع الفقهية المستقلة التي ستُشهر عدم أهلية المرشد الجديد العلمية وتتهمه بالاستئثار بالحكم وترجيح الغايات السياسية على حساب المقاصد الشرعية في سياسة الدولة.
[1] علّق الخميني على توريث الحكم بالقول: "إن نظام السلطة وولاية العهد هو نفس ذلك النمط المشؤوم من الحكومة التي ضحى سيد الشهداء (ع) واستشهد من أجل الحيلولة دون استمرار بقائه" وجزم بأن التوريث مناقض للإسلام فـ"ليس في الإسلام سلطنة وولاية عهد". انظر: نهضة عاشوراء (بيروت: مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني (س)، 1995)، ص ص 40-41.
[2] يقول الخميني: "جاءت النبوة في الأساس، وبعث النبي ﷺ، لتحطيم قواعد ظلم الأقوياء الذين يظلمون الناس"، انظر: الكلمات القصار للإمام روح الله الموسوي الخميني قدس سره (بيروت: مركز نون للتأليف والترجمة، 2011)، ص 287.
[3] يقول الخميني: "ليست أخطاء يزيد أنه قتل سيد الشهداء، فهذا من صغائره ومن كبائره أنه أخفى الإسلام، وسيد الشهداء أغاث الإسلام وأنقذه". المرجع نفسه، ص 65.
[4] يدعو الخميني الشعب الإيراني إلى أن يعيش أجواء كربلاء في إيران، قائلاً: "هنا كربلاء وينبغي أن نقوم بدور كربلاء، فهذا الأمر لا يختص بأرض معينة ولا بقوم معينين". المرجع نفسه، ص 288.
[5] يقول الخميني: "إذا أردنا أن يكون وطننا حرًا ومستقلاً، فيجب أن نحافظ على سر بقاء الإسلام والمذهب الشيعي" وهذا يتحقق بالحفاظ "على الاحتفاء بذكرى عاشوراء". المرجع نفسه، ص 60.
[6] انظر: عاشوراء، سلسلة الفكر والنهج الخميني، مركز نون للتأليف والترجمة (بيروت: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، تموز 2011)، ص 288، 289 و290.
[7] انظر: نهضة عاشوراء، مرجع سابق، ص 44.
[9] انظر: منهجية الثورة الإسلامية مقتطفات من أفكار وآراء الإمام الخميني (بروت: مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني (س)، ط 2، 2006)، ص 478.
[10] انظر: نهضة عاشوراء، مرجع سابق، ص 21.
[12] الخميني، منهجية الثورة الإسلامية، مرجع سابق، ص ص 169-170.
[13] يعكس الخميني هذه الحقيقة حين يصرح بأن "مجلس العزاء لا يهدف إلى تحقيق البكاء على سيد الشهداء (ع) والحصول على الأجر" فقط "ولكن الأهم من ذلك هو البعد السياسي للأمر، وهو ما خطط له أئمتنا (ع) في صدر الإسلام كي يدوم حتى النهاية، وهو الاجتماع تحت لواء واحد وبفكر واحد"، ويدعو إلى التمسك بمجالس عزاء الأئمة، لأنها شعائر دينية و"شعائر سياسية أيضًا ينبغي المحافظة عليها"، ويقول: "لاتظنوا أن الأمر مجرد بكاء وحسب، أبدًا فالقضية سياسية اجتماعية". انظر: نهضة عاشوراء، مرجع سابق، ص ص 85-86 وص 105 وص 83.
[14] روح الله الموسوي الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، سلسلة الفكر والنهج الخميني (بيروت: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، ط 2، 1432هـ)، ص 11.
[15] المرجع نفسه، ص ص 65-66.
[18] علي مؤمن، "مبدأ ولاية الفقيه بين النائيني والسيستاني"، 7 أكتوبر 2023، موقع كتابات، الرابط: https://2u.pw/xGT4lhhF
[19] محمد علي الرباني، الاجتهاد والتقليد والاحتياط: تقريرًا لأبحاث آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (المنامة: مداد/ مكتبة مؤمن قريش، 2016)، ص 131.
[20] حامد الخفاف، النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية، مرجع سابق، ص 248.
[21] حامد الخفاف، النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية (بيروت: دار المؤرخ العربي، 2009)، ص 250.
[22] "نص الخطبة الثانية التي ألقاها ممثل المرجعية الدينية العليا فضيلة العلاّمة السيد أحمد الصافي في يوم الجمعة (2/ربيع الآخر/1441هـ) الموافق (29/11/2019)"، موقع مكتب المرجع علي السيستاني، الرابط: https://www.sistani.org/arabic/archive/26361/
[24] محمد مهدي شمس الدين، نظام الحكم والإدارة في الإسلام (بيروت: المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، ط 4، 1995)، ص ص 417-419.
[25] "الشيرازيون وحزب الله.. جذور الخلاف ومستقبل العلاقات"، موقع صحيفة الاستقلال، الرابط: https://www.alestiklal.net/ar/article/dep-news-1619004359