العراق والحرب الأمريكية على إيران: تعارض المواقف بين الحشد الشعبى وإقليم كردستان
2026-3-11

صافيناز محمد أحمد
* خبيرة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

وضعت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، فى 28 فبراير 2026، العراق أمام اختبار صعب يفرض على حكومة تصريف الأعمال، التى يقودها رئيس الوزراء المنتهية فترة ولايته محمد شياع السودانى، العمل على تجنيب الدولة ارتدادات تلك الحرب عبر السيطرة على تفاعلات بعض فصائل الحشد الشعبى الموالية لإيران بالضغط عليها من أجل وقف عمليات الإسناد للأخيرة، والتى استهدفت خلالها القواعد الأمريكية داخل العراق وتحديداً القنصلية والقاعدة العسكرية الاستخباراتية فى أربيل بإقليم كردستان، فضلاً عن استهداف سفارات وقواعد أمريكية فى بعض دول الجوار كالسعودية والأردن.

إذ أصبح تصور فرض سيطرة الحكومة العراقية على عمل الفصائل الموالية لإيران، من منظور الحفاظ على الدولة فى منأى عن بنك الأهداف العسكرى الأمريكي-الإسرائيلى المشترك، أمراً حيوياً بالنسبة لحكومة تصريف الأعمال الحالية؛ لأن الخيارات البديلة تعنى نقل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران إلى داخل العراق مباشرة، ما قد يؤدى إلى نتائج وخيمة على حالة الاستقرار الداخلى من ناحية، وعلى طبيعة التفاعلات السياسية بين الفصائل الشيعية المسلحة وغيرها من القوى السياسية، لاسيما القوى السياسية الكردية الموجودة فى إقليم كردستان العراق من ناحية ثانية، خاصة وأن حكومة الإقليم ترتبط بعلاقات متميزة – اقتصادية واستخباراتية - مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وهذه العلاقات تحديداً رفعت من معدلات التوتر السياسى بين الفصائل العراقية الموالية لإيران، وبين القوى السياسية الكردية التى تتمتع بعلاقات متقدمة مع الولايات المتحدة.

وقد انعكس هذا التوتر فى العمليات والاستهدافات العسكرية التى قامت بها الفصائل ضد أربيل؛ حيث القواعد الأمريكية ومراكز الاستخبارات التى تشهد نوعاً من التنسيق الأمنى مع الولايات المتحدة وإسرائيل، رداً على محاولات أمريكية-إسرائيلية بدفع الأكراد الإيرانيين المعارضين للنظام فى طهران للقيام بعمليات داخل إيران انطلاقاً من أراضى إقليم كردستان العراق.

جدير بالذكر أن اربيل عادة ما تكون على قائمة بنك أهداف فصائل الحشد الشعبى فى كل مرة تحاول فيها الولايات المتحدة توجيه ضربات لإيران، كما سبق وأن تعرضت لضربات الفصائل على مدار السنوات التى تلت اغتيال قاسم سليمانى قائد فيلق القدس فى الحرس الثورى الإيرانى عام 2020، كما أن حكومة الإقليم وعلى مدار عقود وفرت ملاذاً آمناً للأكراد الإيرانيين المعارضين للنظام الإيرانى فى مناطق الحدود العراقية-الإيرانية، على غرار ما كانت تفعله مع حزب العمال الكردستانى التركى المصنف إرهابياً، وظل الوجود الآمن للأكراد الإيرانيين فى الإقليم مشروطاً بعدم القيام بأى أعمال ضد إيران انطلاقاً من أراضيه.

لكن مع اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران حالياً، بدا الوضع داخل إقليم كردستان العراق مختلفاً؛ حيث يدرس الحليف الأمريكى كيفية استخدام الأكراد الإيرانيين كسلاح جديد ضد إيران انطلاقاً من إقليم كردستان العراق، ما يضع مستقبل الإقليم والدولة العراقية ككل على المحك، ويدخل العراق كله فى أتون الحرب الدائرة حالياً من أوسع أبوابها، الأمر الذى يجعل العراق أمام معادلة صعبة أطرافها الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وإقليم كردستان العراق والحكومة العراقية من جهة ثانية.  

"سيادة الدولة" بين الفصائل الشيعية والأكراد

تواجه الحكومة العراقية منذ فترة ولاية رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمى (مايو 2020)، وحتى حكومة شياع السودانى المنتهية فترة ولايتها فى (نوفمبر 2025)، "اختبار فرض السيادة" على الفصائل المسلحة الموالية لإيران؛ حيث استطاع السودانى ممارسة قدر نسبى من التأثير على بعض تلك الفصائل ما جنّب العراق ارتدادت عمليات الإسناد الإقليمى التى شاركت فيها الفصائل خلال حرب الـ 12 يوم التى خاضتها إسرائيل بدعم أمريكى ضد إيران خلال الفترة (13-24 يونيو) 2025. لكن مع اغتيال المرشد الأعلى الإيرانى على خامنئى فى 28 فبراير 2026، وبدء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة على إيران أصبح خيار "البقاء على الحياد" غير مطروح بالنسبة للفصائل العراقية؛ حيث ترى أن الاشتراك فى الحرب دعماً لإيران يُعد "أمراً مفروضاً" من باب الثأر لمقتل خامنئى الذى يحظى بمكانة خاصة لدى شيعة العراق ككل، وأن حجم الغطرسة الأمريكية-الإسرائيلية التى انعكست فى استهدافه ومحاولات إسقاط نظام ولاية الفقيه فى إيران الذى يُعد الداعم الرئيسى لمنظومة الحكم الشيعية فى العراق، يمثل دافعاً كافياً لانخراطها فى أعمال الإسناد باستهداف المصالح الأمريكية داخل وخارج العراق. ومن ثم كانت أربيل عاصمة إقليم كردستان – التى تمثل رمزاً واضحاً للتعاون الكردى الإسرائيلى الأمريكى – هدفاً رئيسياً لمسيرات الفصائل، ومن المتوقع أن تزيد حدة التوترات بين الفصائل الشيعية وأربيل خلال الأيام القادمة من عمر الحرب الأمريكية على إيران، وذلك فى حالة سماح حكومة الإقليم للولايات المتحدة بتأهيل الأكراد الإيرانيين المعارضين الموجودين فيه عسكرياً بهدف استخدامهم كميليشيات قادرة على شن هجمات برية ضد النظام الإيرانى عبر الحدود العراقية-الإيرانية، يضاف إلى ذلك عامل آخر وهو طول أمد الحرب وعمليات الاغتيال التى تقوم بها إسرائيل ضد عناصر الفصائل العراقية المسلحة، وأبرزها الاغتيالات التى تمت يوم 3 مارس 2026، فى منطقة الحدود السورية-العراقية، بخلاف ما ورد من تصريحات لرئيس المجلس السياسى لحركة النجباء التى قال فيها أن إسرائيل اغتالت فى 8 مارس 2026، بعض المقاتلين التابعين للحركة.

على هامش المعطيات السابقة وفى تطور جديد من نوعه اتجهت الولايات المتحدة لتوظيف ورقة الأكراد الإيرانيين المعارضين للنظام الإيرانى والمتواجدين فى إقليم كردستان العراق فى منطقة الحدود (تحديداً عناصر الحزب الديمقراطى الكردستانى الإيرانى المتمركز فى مناطق قريبة من الحدود الإيرانية فى محافظة السليمانية)، وانعكس هذا التوظيف عبر اتصال مباشر مطلع مارس 2026 الجارى، بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وقادة الأحزاب السياسية الكردية العراقية فى إقليم كردستان، ما استدعى قيام الحرس الثورى الإيرانى بتوجيه إنذار شديد اللهجة للانفصاليين من الأكراد الإيرانيين وضرب مقرات تواجدهم داخل كردستان العراق فى السليمانية، واستهداف القنصلية الأمريكية والقاعدة العسكرية فى أربيل.

فى المقابل، أعلنت خمسة فصائل كردية إيرانية مسلحة تشكيل قوة عسكرية فى 28 فبراير 2026، تعمل على إسقاط النظام الايرانى انطلاقاً من مناطق إقليم كردستان العراق نحو مناطق غرب إيران.

جدير بالذكر أنه فى مارس عام 2023، وقعت طهران وبغداد اتفاقية أمنية لضبط أمن الحدود ونزع سلاح الفصائل الإيرانية المسلحة المعارضة لإيران، ومنع تسللها عبر الحدود، لكن يبدو أن قدرة الحكومة العراقية على فرض عمليات "نزع السلاح" من القوى الكردية الإيرانية الموجودة فى إقليم كردستان اصطدمت بطبيعة العلاقة المأزومة بينها (أى حكومة بغداد) وبين حكومة الإقليم فى أربيل، وربما خضعت للعديد من الاعتبارات السياسية الأخرى التى ظلت كملفات عالقة تتوسط العلاقة بين الطرفين كموضوع تصدير نفط الاقليم والمناطق المتنازع عليها وميزانية الإقليم ضمن الميزانية العامة للدولة العراقية ...الخ.

توظيف الورقة الكردية الإيرانية عبر إقليم كردستان

تواصل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مع قادة الأحزاب السياسية الكردية فى كردستان العراق مطلع مارس 2026 الجارى، بهدف استبيان موقف حكومة أربيل تجاه اتخاذ الإقليم "منطلقاً جغرافياً لوجستياً" تتواصل من خلاله واشنطن مع الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة المتواجدة فيه، واستخدام الإقليم "كمنصة انطلاق" لها إلى داخل إيران؛ أى سيكون إقليم كردستان العراق بمثابة "مسرح عمليات" لتدريب تلك الفصائل وتسليحها، وهو ما سيؤدى إلى دخول الإقليم كخصم ضمن مستهدفات بنك الأهداف الإيرانى، بما يفتح الباب لاحتمالية استهدافه عسكرياً بصورة مباشرة. وعملياً على الأرض ترجمت الولايات المتحدة وإسرائيل هذا التصور، حيث قامت إسرائيل باستهداف منطقة الحدود العراقية-الإيرانية التى تتمركز فيها قوات من فصائل الحشد الشعبى، بهدف تهيئة الأرض للانفصاليين من الأكراد الإيرانيين للدخول إلى إيران انطلاقاً من أراضى إقليم كردستان العراق. ويتماهى ذلك مع الخروج التدريجى للقوات الأمريكية من شمال شرق سوريا والذى بدأ فى يناير 2026، وانتهى بالتمركز فى إقليم كردستان العراق؛ حيث أعادت الولايات المتحدة نشر قوتها التى انسحبت من سوريا فى أربيل، وهو ما يضع قيوداً جديدة على الحكومة المركزية فى بغداد، لاسيما فى سياق إدارة علاقتها مع حكومة الإقليم، كما أنه ينال من قدرة بغداد على فرض سيادتها عليه وعلى ملفات التباين مع حكومته.

هذه المعطيات تدفع إلى التساؤل حول دوافع استخدام الولايات المتحدة ورقة الانفصاليين من الأكراد الإيرانيين ضد النظام فى طهران؛ فقد أشار تقرير لشبكة (CNN) الأمريكية مطلع مارس الجارى إلى أن جهاز الاستخبارات الأمريكى هو من يتبنى فكرة استخدام الأكراد الإيرانيين المتواجدين فى إقليم كردستان العراق، وذلك وفقاً لعدة أهداف منها:

1- تأجيج "ثورة شعبية" ضد النظام الإيرانى من الداخل: وذلك بعد أن "تأخرت" العملية العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة على إيران، والتى بدأت فى 28 فبراير2026، فى تحقيق نصر حاسم وسريع كما كانت تأمل الإدارة الأمريكية، فضلاً عن تحقيق إيران صموداً ملموساً وواضحاً ضد تلك العملية، إلى جانب إحداثها خسائر مادية وبشرية داخل إسرائيل مباشرة عبر منظومة متعددة من الصواريخ الباليستية والفرط صوتية والانشطارية والمسيرات، وضد المصالح الأمريكية فى المنطقة لاسيما فى دول الخليج العربى. ومن ثم فإن الخيارات البديلة التى يمكن أن تحقق اختراقاً فى الجبهة الداخلية الإيرانية- من وجهة نظر واشنطن- يمكن أن يأتى من خلال دعم فصائل مسلحة تعمل على الأرض مباشرة داخل إيران، وتعمل على تنظيم عمل مسلح يستنزف القوى العسكرية الإيرانية، ويضعف قبضة النظام داخلياً بما يساعد على حراك مدنى قوى يؤدى فى النهاية إلى إسقاط النظام.

2- إنشاء "منطقة عازلة" على الحدود العراقية-الإيرانية: ويعد هذا من أبرز الأهداف الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة وأكثرها خطورة؛ لأن وجودها سيحقق هدفين: أولهما، وجود منطقة تصلح لإقامة حكم ذاتى للانفصاليين من الأكراد الإيرانيين مستقبلاً (باعتبارهم عملاء محللين لواشنطن وتل أبيب) على غرار حالة إقليم كردستان العراق، وهو هدف سيعنى الكثير ضد إيران وتركيا على حد سواء؛ حيث ترفض الأخيرة أى طرح من شأنه خلق وجود لكيان "كردى انفصالى" فى منطقة المشرق العربى قد يؤدى إلى إقامة دولة كردية فى المنطقة. وثانيهما، وجود منطقة ربط للحدود العراقية-الايرانية تستخدم مستقبلاً فى منع إيران من تقديم دعمها العسكرى واللوجيستى للفصائل العراقية المسلحة الموالية لها، بل ثمة من يذهب أبعد من ذلك بالقول أن تلك المنطقة ستكون منطقة دفاع متقدمة عن "الأمن الإقليمى" لإسرائيل. هذا التصور إن صح سيعنى تغيير كبير فى الجغرافيا السياسية فى منطقة السيادة العراقية على حدودها مع إيران، وستكون منصة لانطلاق عمليات عسكرية إسرائيلية على الأرض فى الجانبين العراقى والإيرانى على حد سواء.

3- إضعاف قبضة المليشيات العراقية المسلحة الموالية لإيران على منطقة الحدود مع إيران: لأن وجود كيان كردى إيرانى انفصالى مسلح فى تلك المنطقة من شأنه تقويض سيادة العراق على حدوده الشمالية والشرقية ويجعل الوضع الأمنى الحدودى فى حالة غليان مستمر بين المليشيات الكردية الإيرانية وبين فصائل الحشد الشعبى الشيعية العراقية. وجدير بالذكر أن إسرائيل نفذت فعلياً ضربات جوية على منطقة الحدود العراقية-الإيرانية مطلع مارس الجارى، ما يمكن وصفه بمحاولة تمهيدية لانطلاق الفصائل الكردية الإيرانية داخل المناطق الغربية فى إيران، لكن استطاعت قوات الحرس الثورى إجهاضها.

ورغم التطلعات الأمريكية لتوظيف الانفصاليين من الأكراد الإيرانيين، إلا أن هذه التطلعات تواجه تحديات منها:

1- تخوفات لدى الأكراد الإيرانيين من تخلى الولايات المتحدة: وذلك على غرار ما حدث لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" خلال الشهرين الماضيين؛ حيث رفعت واشنطن عنهم غطاء الدعم العسكرى والمادى بعد سنوات من العمل المشترك ضد تنظيم داعش، بل ووضعتهم أمام خيارات الدمج العسكرى من قبل الدولة السورية فى ظل إدارة الرئيس الانتقالى أحمد الشرع. ومن ثم فإن مشاركة واسعة من قبل الفصائل الكردية الإيرانية الانفصالية ضد النظام فى إيران ستتوقف على طبيعة الضمانات التى يمكن أن تقدمها واشنطن لهم مستقبلاً، هذا بخلاف التكلفة المادية الكبيرة التى سيتعين على واشنطن تقديمها من قبيل التسليح والتدريب والدعم الاستخباراتى.

2- وجود حسابات شديدة الحساسية تجاه احتمال توسع النزاع الإقليمى فى المنطقة: فمن المحتمل أن يشمل النزاع الإقليمى الحالى كلاً من تركيا وسوريا حال دخول متغير الأكراد الإيرانيين ضمن حسابات الحرب الأمريكية على إيران، وذلك بالنظر إلى الأقليات الكردية بهما وكلاهما له ذراع عسكرية مسلحة، وهذا سيفتح منطقة المشرق العربى ككل على حالة من النزاعات والتوترات ذات طبيعة إثنية.

3- حسابات العراق الداخلية واحتمالات تأزم العلاقات الكردية الشيعية: من المتوقع أن يؤدى الدعم الأمريكى للأكراد الإيرانيين إلى إدخال العراق فى حالة كبيرة من الفوضى الأمنية ذات طابع طائفى عرقى؛ كون أن الانطلاق نحو إيران سيكون عبر إقليم كردستان العراق، وهذا سيضع الإقليم الكردستانى العراقى فى مرمى استهدافات فصائل الحشد الشعبى الشيعية الموالية لإيران من ناحية، ويضع العلاقة السياسية بين القوى الشيعية المكونة للإطار التنسيقى الحاكم والقوى السياسية الكردية فى حالة توتر دائم من ناحية ثانية، وربما تصعيد مستقبلى حاد "قد" تنعكس أولى صوره فى موقف البرلمان العراقى الجديد من تمرير المرشح لمنصب رئيس الدولة (المنصب للأقلية الكردية) من ناحية، وفى تعقيدات اختيار المرشح لمنصب رئاسة الحكومة (المنصب للأغلبية الشيعية) من ناحية ثانية. وقد تخرج الأمور فى العراق عن السيطرة بين بغداد وأربيل بصورة مباشرة، وهذا سيحدث فعلياً فى حالة مشاركة القوات الكردية التابعة لحكومة أربيل فى استهداف الداخل الإيرانى وهى: قوات البيشمركة، وقوات الكوماندز الكردية، وقوات مكافحة الإرهاب وكلها فصائل كردية من داخل إقليم كردستان العراق ساندت القوات الأمريكية فى حربها على تنظيم داعش خلال الفترة (2014-2017). ورغم أن احتمال دخول حكومة إقليم كردستان العراق الحرب، دعماً للولايات المتحدة ضد إيران، يعد محفوفاً بتحديات العلاقة بين أربيل وبغداد باعتبار أن الإقليم لايزال ضمن حدود الدولة العراقية ويخضع لها فعلياً عبر علاقة حكم فيدرالية، إلا أن ذلك لا يمنع بصورة قاطعة عدم وجود انخراط كردستانى عراقى فى تلك الحرب بصورة غير مباشرة، وذلك عبر الدعم الاستخباراتى واللوجيستى وتسهيل استخدام القواعد الأمريكية فى الإقليم.  

وأخيراً، يمكن القول إن احتمالات توظيف الورقة الكردية الإيرانية عبر إقليم كردستان العراق، رغم محاولات تحقيقه فعلياً خلال الأيام الماضية، وإن تعرّض لضربة إجهاضية من قبل إيران، إلا أن حظوظه فى تحقيق حسم سريع وآنٍ تجاه إسقاط النظام تعد مستبعدة خلال المرحلة الحالية، وأن التأثير المحتمل للانفصاليين من الأكراد الإيرانيين على المدى المنظور سيكون فى بدء "حرب استنزاف" مع القوات العسكرية الإيرانية عبر منطقة الحدود مع العراق، مدعومين بعمق جغرافى استراتيجى ودعم لوجيستى يوفره إقليم كردستان العراق سراً، وهو ما سيستدعى استهداف الإقليم من قبل الفصائل العراقية الشيعية المسلحة، بصورة دائمة ونوعية فى الوقت نفسه، وهذا المسار المحتمل سيؤدى فى نهاية المطاف إلى التأثير على مجمل المشهد السياسى فى العراق، الأمر الذى سيهدد فعلياً وعملياً حالة "التوازنات السياسية" الهشة القائمة بين القوى السياسية المختلفة وفى مقدمتها قوى الإطار التنسيقى الشيعى الحاكم وفصائله المسلحة الموالية لإيران، والقوى السياسية الكردية وفى مقدمتها حزبىَ الديمقراطى الكردستانى والاتحاد الكردستانى وما يرتبط بهما من فصائل كردية مسلحة قد تقدم دعماً لنظرائها من الأكراد الإيرانيين. هذا المشهد ينذر بأن العراق "قد" يكون مقبلاً على مفترق طرق "استراتيجى" إذا استمرت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في المرحلة القادمة.   


رابط دائم: