ترامب قد يوقف الحرب!، لكن ماذا عن إيران؟
2026-3-9

د. محمد عباس ناجي
* رئيس تحرير الموقع الإلكتروني - خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تعيد إيران حالياً ترتيب صفوفها من جديد بعد الصدمة التي تعرضت لها في بداية الحرب التي شنتها كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضدها، في 28 فبراير الفائت (2026) وما زالت مشتعلة حتى الآن. وفي الواقع، فإن عملية إعادة ترتيب الصفوف تتوازى معها عملية إعادة ترتيب الحسابات أيضاً بعد أن كشفت العمليات العسكرية الأخيرة وما فرضته من نتائج على الأرض، كان أبرزها – حتى الآن – اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي والعديد من القيادات العسكرية الرئيسية مثل قائد الحرس الثوري محمد باكبور ورئيس هيئة أركان القوات المسلحة عبد الرحيم موسوي، أن أخطاءً في الحسابات ارتكبت خلال إدارة العمليات العسكرية في حرب يونيو الماضي، أهمها، وفقاً للرؤية الإيرانية حالياً، هو الموافقة مبكراً على وقف إطلاق النار في 24 يونيو. ففي هذه اللحظة، كان لافتاً أن القيادة في إيران سارعت، وربما تلقفت، فرصة الاتصالات التي جرت وأدت في النهاية إلى إعلان مبادرة لوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب التي دامت إثنى عشر يوماً، رغم أن معادلة الاشتباك كانت قد بدأت تميل لصالحها في الأيام الأخيرة.

واعتمدت الحسابات الإيرانية في هذه اللحظة على متغيرات عديدة اعتبرت أنها تصب في صالحها، كان أبرزها أن إسرائيل هي التي بدأت الحرب في حين أن إيران هي التي أنهتها، وأن الضربة الأخيرة كانت من نصيب طهران سواء في إسرائيل أو في قاعدة العُديد القطرية التي تتواجد بها قوات أمريكية. وربما يمكن القول إن استعجال وقف الحرب وإنهاء العمليات العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل "أغرى" إيران بالمسارعة إلى قبول وقف إطلاق النار دون أن تنتبه إلى أن المعطيات الاستراتيجية التي فرضتها الحرب على الأرض اختلفت بشكل لم يكن يتوافق بالضرورة مع حسابات من شنها من البداية.

وبعد اندلاع الحرب الحالية، بدا واضحاً أن إيران ربما أدركت هذه الأخطاء. ففي لحظة وقف القتال في يونيو، كانت الخسائر التي منيت بها إسرائيل تتصاعد تدريجياً بسبب الهجمات المتتالية من جانب إيران، والتي اعتمدت على الصواريخ الباليستية الفرط صوتية والمسيرات، والتي وصلت إلى أهداف "عالية القيمة" داخل تل أبيب وحيفا وبئر سبع وغيرها، مثل معهد وايزمان ومحطة طاقة حيفا.

وقد كانت هذه الخسائر هي التي دفعت إسرائيل إلى المسارعة بمطالبة الولايات المتحدة الأمريكية بالعمل على وقف الحرب عند هذه المرحلة، بعد أن بدا واضحاً بالنسبة لها أن استمرار الحرب على الوتيرة نفسها قد يفرض عواقب وخيمة عليها، خاصة بعد أن أشارت تقارير عديدة إلى أن اضطرار إسرائيل لاستخدام الصواريخ الاعتراضية بشكل مكثف خلال الأسبوع الأول من الحرب وعلى مجمل مساحتها، فضلاً عن استخدامها قبل ذلك خلال التصعيد على جبهتى لبنان غزة، كان له دور في حدوث نقص في تلك الصواريخ.

كما أن الولايات المتحدة الأمريكية بدورها لم تكن مستعدة لحرب طويلة الأمد مع إيران، لاسيما أن وجودها العسكري في المنطقة لم يكن يتيح لها هذا الخيار. فضلاً عن أن انخراطها في الحرب كان عبر قاذفات "بي-2 سبيريت" التي انطلقت من قاعدة وايت مان الجوية في ولاية ميزوري وقامت بشن هجمات ضد المفاعلات النووية الثلاثة في أصفهان ونطنز وفوردو. وبعبارة أخرى، فإن دور الولايات المتحدة الأمريكية في حرب يونيو كان "إسناداً" للدور الذي قامت بها إسرائيل فحسب.

ويعني ذلك، أن إيران ربما استنتجت أن استمرارها في إدارة العمليات العسكرية في حرب يونيو وعدم الاستجابة للمطالب الأمريكية والإسرائيلية بوقف إطلاق النار كان يمكن أن يرتب معطيات استراتيجية أفضل بالنسبة لها، كان من الممكن، وفقاً لتلك الرؤية، أن تمنع اندلاع الحرب من جديد، والتي منيت فيها إيران بخسائر فادحة.

فقد منح وقف إطلاق النار في يونيو الفرصة لكل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من أجل إعادة ترتيب حساباتهما من جديد، على الصعيدين العملياتي والسياسي، بشكل دفعهما إلى التحضير للعملية العسكرية الجديدة بناءً على الدروس المستفادة من حرب يونيو.

إلى أين؟

من هنا، ربما يمكن تفسير أسباب إصرار المسئولين الإيرانيين في تصريحاتهم الأخيرة على رفض وقف إطلاق النار. فقد قال وزير الخارجية عباس عراقجي في هذا الصدد، في 8 مارس الجاري، أن إيران ترفض وقف إطلاق النار وستواصل القتال. وفي اليوم نفسه، قال رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف أن إيران لا تسعى إلى وقف إطلاق النار وأن المعتدين يجب أن يعاقبوا.

ربما يمكن تفسير ذلك في ضوء استخلاص إيران لدروس حرب يونيو. فوفقاً لهذه المقاربة الإيرانية الجديدة برفض وقف إطلاق النار حالياً، فإن ذلك يعود إلى اعتبارات ثلاثة رئيسية:

الأول، أن وقف إطلاق النار السابق في يونيو لم يكن "مُحصَّناً"، بشكل دفع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية إلى كسره في 28 فبراير الفائت. وبمعنى آخر، فإن إيران باتت تعتبر أن حرب فبراير/مارس الحالية هي بمثابة جولة ثانية من حرب يونيو، استأنفتها واشنطن وتل أبيب عندما استعدتا لها، وأن وقف إطلاق النار في يونيو كان أقرب إلى "تجميد قتال" إلى حين نضوج ظروف قد تكون مواتية بشكل أكبر لاستئنافه، وهو ما حدث في النهاية.

والثاني، أن هناك خسائر كبيرة منيت بها إيران في حرب فبراير/مارس، وربما لا تقارن بما خسرته في حرب يونيو، على رأسها اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، الذي يمثل ضربة قوية غير مسبوقة تعرضت لها إيران، وهى خسائر تستوجب الرد عليها، أو على الأقل لا تسمح بـ"الهرولة" لوقف إطلاق النار أو تجميد قتال على غرار ما حدث في يونيو.

والثالث، أن الاستمرار في القتال يمكن أن يفرض في النهاية معطيات جديدة تؤدي إلى الوصول لحل أو تسوية تضمن عدم نشوب الحرب مجدداً، أو بمعنى أدق عدم شن جولة ثالثة منها في مرحلة لاحقة.

من دون شك، فإن هذه المقاربة الإيرانية تمثل مغامرة. لكن ربما ما تعرضت له إيران من خسائر ضخمة يدفعها إلى الانخراط فيها. ومع ذلك، فإن ثمة عواقف يمكن أن تنجم عنها، منها إعادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إصدار الأوامر بتوجيه ضربات "أكثر إيلاماً" لإيران، وربما محاولة استهداف المرشد الجديد مجتبى خامنئي الذي تم الإعلان عن تعيينه خلفاً لوالده في 9 مارس الجاري، وهو اليوم نفسه الذي أكدت فيه إيران إصرارها على مواصلة القتال.

هنا، يبقى توقيت نهاية الحرب الحالية غير معروف. فالأمر لن يكون هذه المرة - في الغالب – مرتبطاً بقرار منفرد ربما يكون "مُفاجِئاً" من الرئيس ترامب، الذي أثبت أكثر من مرة أنه لا يمكن توقع تصرفاته، وإنما مرتبطاً أيضاً بمصالح وحسابات الطرفين الآخرين: إسرائيل وإيران. وبالطبع، فإن ذلك يكتسب وجاهة خاصة مع الوضع في الاعتبار أن دور الولايات المتحدة الأمريكية في حرب فبراير/مارس يختلف إلى حد كبير عن دورها في حرب يونيو. وبمعنى آخر، فإن دور الولايات المتحدة الأمريكية تحول من الإسناد إلى المشاركة في الحرب بشكل مباشر، على نحو يطرح تساؤلات عديدة في هذا الصدد، منها مدى إمكانية مشاركة إسرائيل في اختيار توقيت إنهاء الحرب، ومدى إمكانية اتجاهها إلى العمل منفردة في حالة تمردها على قرار أمريكي في هذا الصدد، والأهم كيفية تعامل إيران مع قرار أمريكي أو أمريكي-إسرائيلي في هذا الصدد، وهى كلها تساؤلات ما زالت دون إجابة في ظل استمرار التصعيد العسكري بين الأطراف الثلاثة.


رابط دائم: