رغم أن العديد من الكتب والدوريات والتقارير والمؤتمرات والمشروعات تناولت ظاهرة الهجرة غير النظامية من وإلى مصر، لدرجة أنها تعد من الموضوعات التي "قُتِلت بحثاً"، إلا أنها بدأت تحمل أبعاداً جديدة، خاصة ما بعد التغييرات الزلزالية التي شهدتها دول الإقليم منذ عقد ونصف، لاسيما أن سياقات الهجرة لا ترتبط بدولة المُهاجِر بل بدول العبور وصولاً إلى دول المصب، فيما يتصل بدوافع الطرد في دول الإرسال Push Factors أو مُحفِّزات الجذب Pull Factors في دول الاستقبال أو حصيلة التفاعل بين هذا وذاك في سياق تفاعلات الشرق الأوسط.
ومع أن الجهود الحثيثة التي تبذلها مصر من أجل مكافحة الهجرة غير النظامية حققت تقدماً كبيراً ونتائج بارزة، إلا أن ذلك لا ينفي أن محاولات البعض للهجرة باستخدام النمط نفسه ما زالت مستمرة وعبر أساليب تهريب مختلفة. وهنا، تشير بعض الكتابات إلى ما يطلق عليه انتقائية الهجرة Migration Selectivity، أي أن بعض الأفراد في مصر أكثر ميلاً إلى الهجرة من غيرهم، نظراً لاختلاف استجابتهم للعوامل الخاصة بالجذب أو الطرد، سواء فيما يتعلق بالمحدد النوعي، أو المستوى الاجتماعي والاقتصادي، أو القرب الجغرافي من القرى الأكثر تصديراً للهجرة في المحافظات المصرية (الوجه القبلي-الوجه البحري). إذ عادة ما تكون الهجرة غير الشرعية منحصرة في الذكور، لأسباب تتعلق بطول الرحلة وطبيعة المخاطرة التي يتعرض لها المُهاجِر من قبل رجال الأمن وقوات حرس الحدود وخفر السواحل، وهو ما لم تستطع تحمله الإناث.
كما أن الشباب أكثر ميلاً دائماً للهجرة من كبار السن، لقدرتهم على التكيف مع الصعوبات والأوضاع الجديدة. فضلاً عن اضطرار الشباب في العائلات الأكبر حجماً للهجرة لارتفاع معدل الإعالة، وهكذا. وكلما تظهر أبعاد جديدة لظاهرة الهجرة عير النظامية من مصر، تظهر تباعاً تحليلات جديدة. ورغم غياب إحصاءات دقيقة أو بيانات منضبطة صادرة عن جهات رسمية، إلا أن هناك تقارير صحفية تكشف عن تنامي اتجاه المغادرة "السرية" أو غير القانونية من مصر إلى الخارج، في الأعوام الماضية، رغم الحديث المتكرر عن عدم خروج مركب واحد لهذا النمط من الهجرة منذ عام 2016، وكان آخرها ما صرح به السفير حداد الجوهري مساعد وزير الخارجية للهجرة والشئون القنصلية في 29 ديسمبر 2025، وهو ما يحظى بالتقدير الأوروبي. وهنا، تجدر الإشارة إلى تصريح رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان خلال مؤتمره الصحفي مع الرئيس عبدالفتاح السيسي في بودابست، في 13 أكتوبر 2021، بأن "أمن بروكسيل (مقر رئاسة الاتحاد الأوروبي) لا يبدأ من ضواحيها، وإنما من الحدود البحرية والبرية المصرية، وأن مصر لم تسمح لسفينة واحدة تنقل مهاجرين غير شرعيين بمغادرة شواطئها منذ 2016، حيث تقدم مصر مساهمة ضخمة لأمننا ولأمن أوروبا بالكامل".
كما أشار المدير العام للمنظمة الدولية للهجرة أنطونيو فيتورينوف إلى أن معدل قوارب الهجرة غير الشرعية من مصر إلى أوروبا انخفض إلى ما يقرب من الصفر، بفضل الإجراءات الفعّالة التي اتخذتها الحكومة المصرية. ويعكس هذا التصريح أو ذاك حجم الإشادات الدولية بجهود مصر في مكافحة الهجرة غير النظامية، وهو ما تكرر أيضاً على لسان رؤساء دول وحكومات ومنظمات مثل المفوضية الأوروبية للشئون الداخلية والمنظمة الدولية للهجرة والمفوض السامي للأمم المتحدة لشئون اللاجئين.
غير أن هناك تحايلاً من أطراف مختلفة على إعادة مسار الهجرة غير النظامية من مصر، واستغلال دور "العوامل الوسيطة". فحالات الهجرة غير النظامية، الفردية والجماعية، من مصر تخفي وراءها العديد من العوامل التي تختلف من حالة لأخرى. وقد يجتمع أكثر من سبب في حالة واحدة، بما يكمل الصورة، مع الأخذ في الاعتبار تبلور استراتيجية متكاملة من جانب الحكومة المصرية لمكافحة الهجرة غير النظامية، والتي تتمثل في الإطار التشريعي الكابح لها، والوقاية، وتوفير الحماية وإعادة الإدماج، ودعم التنمية، ورفع الوعي، وتعبئة الموارد، ورفع القدرة المعلوماتية، وتعزيز التعاون الإقليمي، واستثمار التعاون الدولي.
وتشير حالة أبناء قرى ضحايا الهجرة غير النظامية في المنيا والشرقية، في نهاية ديسمبر 2025، بعد غرق المركب قرب جزيرة تكريت باليونان، إلى تجاوز المُهاجِر إدراكه لعامل المخاطرة بالقيام برحلات في قوارب خشبية مهترئة أو مطاطية خفيفة (قوارب الموت) رغم المآسي الإنسانية التي لا تنتهي، لدرجة أن هناك تصريحات لعدد من الأهالي في المحافظتين مفادها أن "الشباب يحاول يومياً السفر للخارج"، مع الإشارة إلى ارتفاع تكاليف الهجرة غير النظامية بحيث وصلت "تذكرة الموت غرقاً" إلى 230 ألف جنيه للفرد. يضاف إلى ذلك حالات لم يتم الإعلان عنها، ويتعرض الكثيرون للغرق أو الاعتقال أو السجن أو الترحيل أو الاختفاء.
ولهذا، خصصت صحيفة "المصري اليوم" تحقيقاً تحت عنوان "أرامل البحر" في عددها الصادر في 22 ديسمبر 2025، حيث تناولت فيه مأساة سيدات رهينة "العجز القانوني" عن إثبات وفاة أزواجهن في الهجرة غير النظامية من محافظات مصرية مختلفة، بحيث يقعن في منطقة رمادية أو ضائعات في وسط السكة، على حد تعبير بعضهن، لعدم وضوح وضعهن، متزوجات أو أرامل. ولعل ذلك يشير إلى أن الهجرة غير النظامية لا يتوقف تأثيرها عند شواطئ البحار أو دروب الصحراء أو منافذ الحدود بل تخلق مآسٍ اجتماعية.
أبعاد مُفسِّرة
يمكن القول إن هناك مجموعة من العوامل المُفسِّرة لعودة نسبية لتلك الهجرة، على النحو التالي:
1- محورية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة: يشير اتجاه رئيسي في الأدبيات إلى أن أحد أبرز العوامل التي تؤثر على قرار الشباب المصري في الهجرة غير النظامية سواء فيما يخص عدم كفاية مصادر الدخل، والبطالة، والرغبة في الارتقاء بمستوى المعيشة، وتوفير الأموال بغرض الزواج وتكوين أسرة، ومساعدة العائلة لاسيما بعد أول قرار لتعويم الجنيه المصري في نوفمبر 2016، وما تمخض عنه من تأثيرات اجتماعية طالت العديد من الأسر المصرية لدرجة جعلت شرائح من الطبقة المتوسطة مُعرَّضة للخروج منها. ووفقاً لدراسة أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية (منذ عشر سنوات) في عام 2016 - بتكليف من اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية والإتجار بالبشر- فإن العوامل الاقتصادية تمثل المحدد الحاكم لقطاع من الشباب المصري لتلك الهجرة.
هذا الوضع استمر حتى بداية عام 2026، إذ تتمثل القرى في المحافظات الأكثر تصديراً للمهاجرين بشكل غير نظامي في ميت جابر وميت سهيل (الشرقية)، ونبروه وبساط كريم الدين وميت الكرماء (الدقهلية)، وكفر الجمال (القليوبية)، وزنارة (المنوفية)، وكفر كلا الباب وديلشان وبنا أبوصير (الغربية)، وكوم زمران والعيون (البحيرة)، وبرج مغيزل والبرلس والجزيرة الخضراء (كفر الشيخ)، وتطون (الفيوم) وأبنوب (أسيوط)، والضبعية (الأقصر)، ثم انضمت إليها محافظتا المنيا وأسوان، وهو ما يؤكد فرضية ارتباط الهجرة غير النظامية بتزايد معدلات الفقر والبطالة في بعض المناطق المهمشة أو الطرفية داخل عدد من محافظات الجمهورية. ويذكر أن وزارة الهجرة كانت قد أعلنت تطبيق مبادرة رئاسية تحمل اسم "مبادرة مراكب النجاة" منذ عام 2019، حيث تم تخصيص 250 مليون جنيه ضمن استراتيجية 2016-2026، لمكافحة الهجرة غير الشرعية في 70 قرية على مستوى الجمهورية.
2- تعاظم أدوار شبكات التسفير غير الشرعي، على المستوى المحلي والإقليمي والدولي: تمثل "عصابات التسفير" الآلية الرئيسية التي يلجأ إليها المهاجرون غير النظاميين من مصر، سواء عبر المنافذ البحرية أو الدروب البرية الصحراوية، حيث يلجأون لأحد أفراد تلك التشكيلات العصابية الإجرامية التي تتخذ شكل "شبكة" تضم وكلاء سفر، ومحامين، ومصرفيين، ومكاتب تشغيل، ومترجمين فوريين، ووكلاء إسكان، وسائقين لنقلهم إلى نقاط التجميع، وموظفين فنادق لاستقبالهم. فضلاً عن أن شبكات التسفير تضم من سبق لهم خوض تجربة الهجرة غير النظامية، بهدف تحديد خطوط السير سواء براً أو بحراً، على نحو يعكس الإتقان والتنظيم والتخصص المحكم، من الناقل الصغير إلى المسئولين الكبار، على نحو يجعلها عملية متعددة الأطراف، وتشكل "حزمة متكاملة" طبقاً لمقتضيات تدرج مراحل الهجرة المرتبطة بوسائل ومجموعات وتوقيت السفر وآليات تسديد نفقاته.
فضلاً عن امتداد شبكات الهجرة غير النظامية لدول المقصد، إذ لم يقتصر اكتشاف الشبكات على دول الإرسال بل امتدت إلى دول الاستقبال أي دول الاتحاد الأوروبي، ولا يشترط انتماء المهرب من الدولة نفسها التي يسعى بعض سكانها الهروب من أوضاعها الداخلية، فالعديد منها يحملون جنسيات مختلفة، إذ يتواجدون عند نقاط العبور إلى الدول الأخرى، والحدود فيما بينها. وقد ازدادت أدوار هذه العصابات لأنها تدر أرباحاً مالية طائلة تتجاوز ما تحققه تجارة السلاح والمخدرات في بعض الأحيان، لدرجة أن هناك من يرى أن هذه التجارة تفوق قدرة أجهزة أمن واستخبارات دول كبرى ولا يمنعها إلا الله. وفي هذا السياق، تم إطلاق المكون المصري من مشروع تفكيك شبكات الاتجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين في شمال إفريقيا بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، وذلك في يوليو 2020.
3- أثر المحاكاة والصورة الذهنية المرتبطة بدولة الهجرة: يمثل عامل الرغبة في التقليد أحد المُحرِّكات الدافعة للهجرة غير النظامية من مصر، ويختار المهاجرون بلاد المقصد التي يتوافر لديهم علاقات قرابة أو صداقة، بل غالباً ما يسافر الشباب في مجموعات من الأصدقاء من القرية أو المحافظة نفسها أو من محافظات أخرى مجاورة وخاصة تجمعات الشباب مما يشعرهم بالطمأنة، وهو ما يشير إليه مضمون نظرية الشبكة Network Theory، التي تركز على العلاقات الشخصية لشبكات المهاجرين، سواء التي تربط المهاجرين والمهاجرين السابقين، والمهاجرين المحتملين وغير المهاجرين في بلدان المنشأ والمقصد.
بعبارة أخرى، تلعب شبكات الهجرة غير النظامية دوراً جوهرياً في تيسير تدفقاتها لتلك البلاد. فالغيرة من التجارب الناجحة للآخرين الذين استطاعوا أن يحققوا مستويات مادية مرتفعة من خلال الهجرة لدول أوروبا، شجعهم على خوض التجربة لاسيما بعد رؤية المُهاجِر عند عودته إلى بلده، حيث يتفانى في إبراز مظاهر الثراء من تملك السيارات وشراء العقارات والمحلات التجارية، لدرجة أن هناك من يقول أن قرية تطون بالفيوم تطلق أسماءً إيطالية على المحلات بها. فضلاً عن تشجيع الأسرة لأبنائها على الهجرة لرفع مستوى معيشة الأسرة ككل وليس أوضاع المُهاجِر فقط، وهو ما يعكسه التحول في أوضاع بعض العائلات المصرية من الأموال التي يرسلها المُهاجِرون.
يضاف إلى ذلك المُحفِّزات التقليدية للهجرة المرتبطة بنماذج الجذب المجتمعي والصور النمطية حول الثراء الذي ينعم به المُهاجِرون عقب عودتهم من الدول الأوروبية مقصد الهجرة والتي يعززها أثر وسائل الإعلام بما يجعل الهجرة - حتى لو كانت غير نظامية ومنطوية على مخاطر- الوسيلة المُثلى لمواجهة إحباط ثورة الآمال والتوقعات خاصة لدي الشباب. لذا تشير بعض الكتابات إلى توظيف شبكات التواصل الاجتماعي لتسويق خدمات شبكات التهريب، حيث ينشر بعض الوسطاء إعلانات مرفقة بصور معالم أوروبية شهيرة سواء على الفيس بوك أو إكس، بهدف إبهار الباحثين بالصورة الوردية عن دول المقصد التي تتسم بسهولة السفر لها وقربها من مصر.
4- قلة فرص الهجرة النظامية وارتفاع تكاليفها من دول الاستقبال: يركز اتجاه رئيسي في الأدبيات على "الهجرة الاقتصادية" كهدف مزدوج، سواء بالنسبة للشخص المُهاجِر غير النظامي، أو دول الاستقبال للهجرة، حيث تعاني الأخيرة من نقص الأيدي العاملة فيها والاحتياج للعمالة المنخفضة التكلفة، فيما يعرف بنظرية السوق المزدوج Dual Market Theory، وهو ما ينطبق على المُهاجِرين غير النظاميين القادمين من مصر. ولهذا، فإن هؤلاء المُهاجِرين غير النظاميين يستغلون حاجة هذه الدول للعمالة، فيقومون بالهجرة إليها، لاسيما أن هؤلاء لديهم استعداد للعمل في جميع المجالات، وخاصة التي يعزف عن العمل بها مواطنو هذه الدول.
كما أن اقتصاديات دول الاتحاد الأوروبي تجني أرباحاً من المُهاجِرين غير النظاميين القادمين من مصر وليبيا وبقية دول شمال أفريقيا، ويتم ذلك من خلال عملهم في السوق السوداء التي لا تشهد عقوبات رادعة بحق من يقوم بتشغيلهم واستغلالهم، وهو ما يمثل تناقضاً في موقف الاتحاد الأوروبي الذي يرفضهم علناً ويرغب في الخفاء بمواصلة الإفادة من جهدهم دون أية ضمانات قانونية لحقوقهم. علاوة على صعود تيارات معادية للمُهاجِرين داخل الدول الأوروبية، ومن مختلف الأعمار والجهات والوضعيات الاجتماعية.
5- استمرار ظاهرة الحدود الرخوة غير المسيطر عليها في الجوار الجغرافي: هناك استمرار لتصاعد عدم الاستقرار السياسي والأمني في دول جوار مصر، وخاصة السودان وليبيا وتونس، والتي دفعت إلى تمدد حركة الهجرة غير النظامية والتي تُحفِّزها حالة "الحدود السائبة" بين دول الإقليم وبعضها، وهو ما أشار إليه الرئيس عبدالفتاح السيسي بعد غرق أحد قوارب الهجرة غير النظامية قبالة قرية برج رشيد في محافظة البحيرة في سبتمبر 2016 قائلاً: "إن مصر لا يمكنها منع الهجرة غير الشرعية بالكامل".
وأضاف الرئيس السيسي: "نحن نتكلم تقريباً عن حدود برية وبحرية تناهز 5 آلاف كيلو متر أو أكثر وبالتالي فإن الجهد المطلوب لكي نُؤمِّن هذه الحدود ونمنع تهريب البشر عبر الحدود سواء كان من خارج الحدود المصرية أو من داخل مصر للخارج، هو جهد ضخم جداً جداً ومن المستحيل أن تقدر الدولة على السيطرة عليه بنسبة 100 في المئة". وطالب الرئيس السيسي المواطنين المصريين بدعم جهود الدولة للحد من الهجرة غير الشرعية "لأن هذه المسألة لن ينفع فيها جهد الدولة فقط".
هذا التصريح يكشف صعوبة وقف الهجرة غير النظامية من الحدود البرية لمصر. فلم تعد الحدود لدى غالبية الدول في الجوار المصري آمنة أو مصونة، وهو ما يشير إليه السباق المستمر بين مهربي الحدود وحرس الحدود، فيما يتعلق بأساليب التهريب ومحاولات الضبط وطرق المقاومة عبر مسارات بديلة للوصول إلى الوجهة المفضلة وهي (إيطاليا واليونان ومالطا وفرنسا). وتزداد حالة فقدان السيطرة على الحدود لدى دولة معينة مع وجود دولة فاشلة على الحدود، أو دولة ذات اقتصاد ذي طبيعة خاصة أو دولة تشهد صراعات داخلية، وهو ما يمثل تباعاً بيئة قاعدية مفرزة لاقتصاديات قائمة على أعمال غير شرعية.
6- سهولة تنصل الدول المُستقبِلة من القوانين الخاصة بمكافحة ظاهرة الهجرة غير النظامية: والتى تحول دون إعادة القُصَّر والأطفال (الذين هم دون سن 18 سنة ميلادية كاملة ولم يكونوا بصحبة أي من ذويهم) إلى بلدانهم وفق قوانين الاتحاد الأوروبى، بل وإيوائهم فى مراكز رعاية خاصة، حيث أن السماسرة القائمين على تهريبهم يرشدونهم فى الأغلب إلى أن هذا سوف يحدث، ومن ثم قد يشكل ذلك مدخلاً لاحقاً لإدماجهم فى المستقبل فى مهن وأعمال فى الدولة الأوروبية المُستقبِلة لهم.
وترصد العديد من الأدبيات التى تعاطت مع الظاهرة أنه عدم وجود أوراق ثبوتية تم التعامل مع الطفل أو القاصر المُهاجِر من خلال عملية التسنين الظاهرية، وفى هذا السياق أيضاً بدأت تظهر على السطح ظواهر فرعية منها الأطفال المهربون، حيث انخراط الاطفال أنفسهم فى عمليات التهريب مثل القيام بمهام الإبحار بدلاً من دفع أموال، أو القيام بعمليات الاتصال والخدمات اللوجستية فى العملية كواجهة لها بدلاً من ظهور الفاعلين الأصليين. وربما يتم تصفية هؤلاء الأطفال في حال تمردهم على رؤوس شبكات ووسطاء الاستقطاب.
لذا، تستهدف الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية "2016-2026"، الفئات الأكثر عرضة لخطر الاستغلال من جانب المهربين وهم الشباب 18-35 سنة، والأطفال وأسرهم والوافدين إلى مصر بشكل غير شرعي.
استحالة المنع
خلاصة القول، إن الهدف الواقعي هو العمل على تحجيم وليس منعاً نهائياً لتدفقات الهجرة غير النظامية، سواء من مصر أو أي دولة أخرى، لاستحالة القدرة على المنع، في ظل حدود رخوة واقتصاد ظل ضخم يحقق مكاسب لجماعات مصالح فضفاضة في دول الإرسال والعبور والاستقبال، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية وتزايد الضغوط المعيشية في دولة الإرسال وتضييق الآليات النظامية للهجرة من جانب دول الاستقبال، في حين لم تستخدم مصر ورقة الهجرة غير النظامية لتحقيق أي مكاسب سياسية أو مالية، وقد أشار وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي في 9 أبريل 2025 إلى أن "مصر تُعد موطناً لأكثر من 10 ملايين أجنبي، من مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء، من 133 دولة"، مضيفاً أن "بلاده تتيح لهم حرية الحركة والحصول على جميع الخدمات أسوة بالمواطنين المصريين".
على الجانب الآخر، تجدر الإشارة إلى أن هناك جهوداً متواصلة في اتجاه تأمين الحدود البرية والبحرية على مختلف الاتجاهات الاستراتيجية الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية وتعزيز وجود دوريات خفر السواحل، ونصب أجهزة مراقبة، وتحسين البنية التحتية للموانئ للكشف عن محاولات الهجرة غير النظامية ومنعها، وتنفيذ برامج توعية بـ"الهجرة الآمنة" للشباب، وتوفير فرص بديلة عبر مشروعات صغيرة ومتوسطة وبصفة خاصة فى المحافظات الساحلية والحدودية، ووضع إطار تشريعي وطني لمكافحة تهريب المهاجرين ممثل في قانون (82) لعام 2016 إضافة إلى دعم بناء القدرات الوطنية للكوادر المصرية العاملة في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية، بناءً على الاحتياجات التي تحددها الدولة المصرية.