جذور الرؤية الأمريكية لـ"تمكين" نظام الشرع في سوريا
2026-1-7

سعيد عكاشة
* خبير مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

في 19 ديسمبر 2025، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قانون موازنة وزارة الدفاع لعام 2026، والذى يتضمن مادة تلغي بشكل كامل العقوبات التي فرضت على سوريا في عهد نظام الرئيس السابق بشار الأسد تحت مسمى قانون قيصر، والذي أقره الكونجرس في ديسمبر عام 2019.

تحركات الرئيس ترامب في الملف السورى بعد عودته للبيت الأبيض في يناير الماضي، لم تكن تشير إلى نيته في إجراء تحولات جوهرية في السياسة الأمريكية تجاه سوريا التي تم تبنيها خلال عهد سلفه جو بايدن، فقد صرح ترامب في 7 ديسمبر 2024 (أي قبل يوم واحد فقط من انهيار نظام الأسد) وقبل خمسة أسابيع فقط من دخوله البيت الأبيض رسمياً بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 2024 قائلاً: "إنني أفضل عدم التدخل الأمريكي في الصراع السوري، لأن سوريا في حالة من الفوضى، وليست صديقتنا، ويجب ألا يكون للولايات المتحدة أي علاقة بها، هذه ليست معركتنا، دعوها تستمر، لا تتدخلوا!".

فما هي الأسباب التي قادت ترامب لتغيير موقفه من الأزمة السورية إلى حد استقباله رئيسها الانتقالي أحمد الشرع مرتين الأولى في المملكة العربية السعودية في مايو الماضي، والثانية في البيت الأبيض في نوفمبر الماضى أيضاً؟

مقاربتان مختلفتان نحو الأزمة السورية

بعيداً عن الأسباب التي ساقتها بعض التحليلات والتي ربطتها بشخصية ترامب التي تميل لتبني مواقف صادمة بهدف إرباك الخصوم والمنافسين وحتى الحلفاء لتحقيق المصالح الأمريكية، فإن توجه ترامب الجديد نحو سوريا ليس منفصلاً عن الطروحات المربكة التي أطلقها سياسيون وأكاديميون أمريكيون بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، والتي كانت تدور إما:

 1- حول التمييز بين الإسلام المعتدل والإسلام المتطرف، ومساعدة الأول على الإطاحة بالنظم الحاكمة في المنطقة العربية أولاً، ثم الاستدارة لمواجهة التيارات الإسلامية المتشددة ثانياً، دون أن تتحمل الولايات المتحدة عبء التدخل المباشر لحماية مصالحها في منطقة مضطربة (الاتجاه الذي جسدته السياسة الأمريكية حيال الشرق الأوسط في عهدي الرئيسين السابقين جورج بوش الابن، وباراك أوباما).

2- أو تمكين الإسلاميين المتطرفين من إنشاء دولة لهم في العراق وسوريا، وهو ما يحقق نفس الهدف أي الحفاظ على المصالح الأمريكية دون التدخل المباشر في أزمات المنطقة، وهو التوجه الذي عبر عنه سياسيون وأكاديميون أمريكيون، بعد فشل المقاربة الأولى التي أدت لانتشار الفوضى في الشرق الأوسط بعد فشل جماعة الإخوان المسلمين في أداء المهمتين: إدارة الدول التي استولوا على الحكم فيها، ومواجهة التيارات المتطرفة التي تهدد أيديولوجيتها المصالح الأمريكية.

فقد استثمرت الولايات المتحدة خلال ولايتي الرئيس أوباما (2008-2016) كامل طاقتها في العمل على المسار الأول عبر دعم جماعة الإخوان المسلمين وتمكينها من الوصول للحكم في عدة دول عربية وعلى رأسها مصر. ولكن هذا الرهان أثبت فشله، سواء لانكشاف القدرات المحدودة لتلك الجماعة في إدارة البلاد التي وصلت للحكم فيها مما أدى لاتساع مظاهر الفوضى التي هددت بمزيد من عدم الاستقرار، أو نتيجة لقيامها (أي جماعة الإخوان) بعقد تحالفات مع التيارات المتشددة، بدلاً من احتوائها أو مواجهتها عكس هدف السياسة الأمريكية التي تسعى لعزلهم وتطلب من جماعة الإخوان التصدي لهم، أو على الأقل إدماجهم في المشروع الإخواني غير المتصادم مع المصالح الأمريكية بشكل عام.

مع فشل تلك المقاربة خاصة بعد سقوط حكم الإخوان في مصر في يوليو 2013، بدأ بعض الأكاديميين والسياسيين الأمريكيين في الترويج للمقاربة الثانية (تمكين الإسلام السني المتطرف من الوصول للحكم في بعض مناطق الشرق الأوسط).

وتأسست هذه المقاربة على أن تمكين السنة المتطرفين الذين يحملون السلاح ويمارسون العنف ضد القوات الأمريكية المتواجدة في العراق وسوريا من الحكم هناك، سيقلل من دوافعهم لتهديد المصالح الأمريكية من ناحية، ويضع إيران التي تعتمد إلى حد كبير على التنظيمات الشيعية في المنطقة تحت ضغط كبير من ناحية أخرى.

ففي مقال نشره في جريدة "نيويورك تايمز" في 24 نوفمبر 2015، تحت عنوان "لهزيمة داعش يجب تأسيس دولة سنية"، طرح جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق اقتراحاً بإنشاء دولة سنية جديدة في المنطقة، قائلاً: "إنها ستكون أفضل بديل لداعش في شمال شرق سوريا وغرب العراق.. هذه الدولة السنية ستكون قابلة للحياة وتشكل حلاً لمعضلة الاضطرابات الناشبة في هذه المنطقة، فلديها إمكانات اقتصادية كدولة منتجة للنفط، ويمكن أن تكون سداً مانعاً أمام كل من الأسد وبغداد المتحالفين مع إيران".

في الاتجاه نفسه، وفي عدد نوفمبر2015 من مجلةforeign affairs ، قدّم باراك ماندلسون أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد تبريراً مشابهاً لحث الولايات المتحدة على تبني هذا التوجه بقوله: "إن قيام دولة سنية في مناطق من العراق وسوريا ستكون له منافع، منها أن دولة للسنة في سوريا تعني قيام دول للأقليات مثل العلويين. كما سيحظى هذا الكيان بدعم من الدول السنية، خاصة أن الاستقطاب الطائفي يجعل من الصعوبة بمكان أن تتعاون هذه الدولة المفترضة مع إيران وحكومة الشيعة في بغداد والعلويين في سوريا".

بل إن مندلسون في مقاله لم يستبعد إمكانية أن يقود هذه الدولة المفترضة تنظيم "داعش" نفسه، تحت دعوى أن عملية تأسيس الدول تاريخياً قد قامت على ممارسة العنف البالغ بين المتصارعين على السلطة في كل مناطق العالم، وأن عنف "داعش" لا يختلف عن تجارب الشعوب الأخرى في سعيها لإقامة دولها المستقلة، وبالتالي فبدلاً من أن تقوم الولايات المتحدة بمواجهة "داعش" (وهو ما كانت قد شرعت فيه فعلياً بقيادتها للتحالف الدولي ضد "داعش" منذ أكتوبر 2014).

ثمة ملاحظات ضرورية على تلك المقاربة:

 1- الواضح من الطروحات التي قدمها بولتون ومندلسون أنها تركز على الحلول التي تجنب الغرب الدخول في مواجهات عسكرية تستنزفه داخل الشرق الأوسط، ولا تهتم كثيراً بتناقض ذلك مع مبادئه الداعية لنشر الديمقراطية وقيم حقوق الإنسان في العالم، كما أنها فكرة لا تلقى بالاً بالجرائم التي يمكن أن ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية كما هو منصوص عليه في المواثيق الدولية، والمتوقع من "دولة داعش" أن ترتكبها ضد سكانها.

2- لم يهتم أصحاب الفكرة السابقة أيضاً بمدى استعداد قادة "داعش" للتخلي عن أيديولوجيتهم الداعية لنشر دولة الخلافة ليس في العالم الإسلامي وحده، بل في العالم أجمع، والقبول بدولة لها حدود وعليها التزامات وفق القانون الدولي الذي لا يعترف به.

3- لا يشغل أصحاب الفكرة أنفسهم بمدى استعداد دول مثل إيران وتركيا للاعتراف بدولة للأكراد العراقيين والسوريين سيتحتم ظهورها والقبول بها أسوة بقبول تأسيس "دولة" لـ"داعش"، وهو ما يعني زرع مزيد من أسباب عدم الاستقرار في المنطقة خلافاً لما يدعيه أصحاب الفكرة من أنها ستكون حلا لمشاكل الأقليات في المنطقة وسبباً في إعادة الهدوء إلى الحدود بين الدول القديمة والدول الجديدة التي ستنشأ فيها.

4- لن تقبل مصر والأردن وإسرائيل بوجود دوله قريبة من /أو على حدودها المباشرة في ظل سعي هذه الدولة علناً لتقويض الحكم وتهديد وجود النظم والدول الثلاثة السالفة الذكر.

5- لا توحد أي ضمانات لتحقيق الفرضية القائلة بأن "دولة داعش" ستكون مركزاً لجذب المتطرفين المؤمنين بأيديولوجيتها من كل أنحاء العالم، بل يمكن أن يكون العكس هو الأقرب للتحقق، أي أن تتحول هذه الدولة إلى أيقونة نجاح للفكرة وللأيديولوجيا "الداعشية"، وتغري أتباعها بالبقاء داخل بلدانهم وشن الحرب ضد الأنظمة والشعوب التي لا تؤيد الفكرة أو تحاربها في داخلها.

ترامب والعودة لمقاربة دولة المتطرفين

في ولايته الأولى (2016-2020)، لم يغير ترامب سياسة الرئيس السابق باراك أوباما التي اعتمدت على قيادة الولايات المتحدة لتحالف دولي ضد "داعش" الذي تمكن في غضون فترة قصيرة من السيطرة على مناطق واسعة في العراق وسوريا قبل تدشين هذا التحالف.

ففي 4 أكتوبر 2018، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطة جديدة لمحاربة الإرهاب، قائلاً: "إنها تحدد نهج الولايات المتحدة في مواجهة التهديدات الإرهابية المتطورة، وتمثل أول خطة واضحة لمكافحة الإرهاب منذ عام 2011". تتبنى الخطة "وسائل أكثر مرونة واتساعاً، وتعالج الطيف الكامل للتهديدات الإرهابية للولايات المتحدة، ومن ذلك الأعداء في الخارج، والأشخاص الذين يسعون للتأثير في الولايات المتحدة بالعنف. وتستخدم القوة الأمريكية الكاملة، وكل أداة متاحة لمكافحة الإرهاب في الداخل والخارج وفي الفضاء الإلكتروني". وصف الرئيس ترامب استراتيجيته آن ذاك بأنها "تحول في نهج الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة الإرهاب ومنعه"!!. إلا أن المعلقين السياسيين رأوا فيها مجرد استمرار لنهج استراتيجية إدارة الرئيس أوباما المبنية على ما قام به الرئيس جورج بوش من تكيف في خطته لمحاربة الإرهاب، في ولايته الثانية.

ومع عودة ترامب للبيت الأبيض مجدداً، بدا واضحاً أنه يميل لتبني المقاربة الثانية، أي تمكين المتطرفين السنة من الحكم في سوريا بدلاً من مواجهتهم عسكرياً.

كانت الإشكالية التي واجهت تلك المقاربة: من يمكن الاستعانة به من الجماعات السنية المتطرفة الناشطة في سوريا لتحقيق تلك المقاربة؟

وقع الاختيار على أحمد الشرع (في ذلك الوقت كان معروفاً باسم أبو محمد الجولاني) ربما للسبب الذي ورد في تقرير لموقع CNN  في 6 ديسمبر 2024 قبل يومين فقط من سقوط نظام الأسد في سوريا، حيث يذكر التقرير: "إن أول ظهور علني للجولاني جاء في فيديو نشره بنفسه عام 2016 عندما أعلن انفصاله عن تنظيم القاعدة لإنشاء ما قال إنها جبهة معادية للنظام تركز على سوريا مع فصائل محلية أخرى، تسمى جبهة "فتح الشام"، والتي تغيرت لاحقاً إلى "هيئة تحرير الشام". وأن هذا التشكيل الجديد ليس له علاقة بأي جهة خارجية".

كان الانفصال استراتيجياً، وكان الهدف هو درء هجمات القوى العالمية مثل الولايات المتحدة وروسيا، وكلاهما تدخلت في الحرب الأهلية السورية لاستهداف الجماعات الإسلامية مثل تنظيمى "القاعدة" و"داعش". وكانت تلك أيضاً بداية تحول الجولاني التدريجي من "الجهادي الكلاسيكي المناهض للغرب"، إلى "ثوري أكثر قبولاً". وقد قال لشبكة PBS في عام 2021 إنه "لا يرغب في شن حرب ضد الدول الغربية".

جاء التأكيد على الدور الذي لعبته كل من الولايات المتحدة وبريطانيا لتأهيل الجولاني للعمل وفق مقاربة تمكين الإسلاميين المتطرفين من قيادة سوريا، عندما صرح السفير الأمريكي الأسبق في الجزائر وسوريا روبرت فورد في محاضرة عامة ألقاها في مايو 2025 (أشار إليها موقع رأي اليوم في 20 مايو من نفس العام) بأن الشرع كان على اتصال مع الولايات المتحدة منذ عام 2016، وأنه التقى به شخصياً في عام 2023. كما أشار تقرير نفس الموقع إلى تصريح آخر للمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا سابقاً جيمس جيفري والذي أقر في تصريحات إعلامية بأن علاقة الولايات المتحدة بالشرع قديمة منذ أن كان اسمه الجولاني.

وبافترض صحة كل تلك التقارير، يمكن القول إن ترامب جاء إلى ولايته الثانية في البيت الأبيض وهو أكثر استعداداً لتبني المقاربة التي أطلقها كل من بولتون وماندلسون عام 2015، كما حسم نجاح إسرائيل في توجيه ضربات قاسمة لحزب الله في لبنان في سبتمبر 2024 والتي حرمت الأسد من أهم ذراع عسكري تولى حماية نظامه لسنوات طويلة، خيار الرئيس ترامب الذي بدأ ولايته الثانية بعد أسابيع قليلة من سقوط نظام الأسد.

ويبقى السؤال قائماً: هل تنجح مقاربة تمكين السنة المتطرفين من الحكم في سوريا في تأمين المصالح الأمريكية والغربية في الشرق الأوسط، أم سيكون نصيبها الفشل مثلما سقطت مقاربة تمكين الإخوان المسلمين من الحكم التي كانت تسعى للهدف نفسه؟

الأقرب للتصور أن فشل نموذج الشرع يبدو مرجحاً بشكل أكبر في ظل تعقيدات التكوين الاجتماعي في سوريا، وفى ظل المخاطر الحقيقية التي يمكن أن يشكلها هذا التوجه على أمن واستقرار العديد من دول المنطقة، والتي لن تدخر جهداً من أجل منع هذه المخاطر بكل الوسائل الممكنة.


رابط دائم: