في إطار كوميدي، قدم مسلسل "كارثة طبيعية"، عرضًا مكثفًا ودسمًا لمجموعة كبيرة من التحديات والعثرات الاجتماعية والاقتصادية التي قد تتعرض لها بعض الأسر في المجتمع المصري. بالطبع لا يمكن تصور أن تتجمع كل هذه المشكلات في حياة أسرة واحدة خلال شهر واحد، لكن المسلسل ليتمكن من أن يتعرض فقط – دون الدخول في التفاصيل – لكل هذه التحديات، ربطها ببداية مثيرة تجعل المشاهد يتقبل عرض كل هذه التحديات في ثماني حلقات متتالية، والبداية المثيرة كانت في صدمة الزوج "محمد سلام" أو "محمد" في المسلسل عند معرفة خبر حمل الزوجة "جهاد حسام" أو "شروق" في المسلسل، ثم إنجابها لسبعة توائم مرة واحدة.
الجدير بالذكر، أن مخرج المسلسل حسام حامد ومؤلفه أحمد عاطف فياض، كلاهما من الشباب في الثلاثينات من عمرهم. والمسلسل يعد العمل الدرامي الأول للمخرج. أما المؤلف فهو طبيب شاب، وهو مؤلف مسلسل "بالطو"، وهو كذلك اعتمد في ذلك المسلسل على فكرة العرض المكثف والمتلاحق لمشكلات الأطباء الشباب في مرحلة "التكليف"، والعلاقة بين الشرائح الاجتماعية المختلفة في إطار كوميدي مليئ بالتحديات والعثرات وسوء الحظ، ينتهي بـ "ضربة حظ"، كما انتهى مسلسل "كارثة طبيعية"، لكنها أيضًا ضربة حظ تعتمد في حقيقتها على ما حمله بطلا المسلسلين الشابان من مخزون قيم وجهد لم يكن معترفًا به. يبدو أن انتظار حل من خارج المألوف أو من خارج المسارات الطبيعية بات أحد أحلام جيل الشباب.
حاز مسلسل "كارثة طبيعية" على مشاهدات كبيرة وشغل الرأي العام، بل وتعليق مباشر من وزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي فور عرض حلقته الأخيرة. لكن النظر إليه من خلال الغلاف الكوميدي الذي وضعه المؤلف الشاب، وهو ولادة سبعة توائم، يفوت علينا تحليل ما وراء هذا الغلاف من تفاصيل كثيرة وتشريح عميق لحياة الطبقة الوسطى في مصر.
في كثير من الفواصل بين المشاهد، تعمد المخرج تقديم كادر واسع لشوارع من أحياء في مصر الجديدة ووسط البلد، اعتادت أن تكون سكنًا لأبناء الطبقة الوسطى المصرية. أيضًا المشاهد الداخلية وأذواق الملابس والطعام واللغة، كلها كانت دالة على أنها مشهد واسع لهذه الطبقة، التي تعد صمام الأمان لأي مجتمع ومخزن قيمه وإبداعه وتقدمه. هذه الطبقة التي لا يمكن تصور وجودها إلا في مناخ يقوم بالأساس على قدر كبير من الشعور بالاستقرار يؤدي إلى قدرة على العمل والإنتاج العلمي والثقافي والأخلاقي والإبداعي.... ومن ثم القيام بدور فعال كرابط بين الطبقة العليا والطبقة الدنيا وكصمام أمان للمجتمع. هذا الشعور بالاستقرار والضمان والقدرة على تخطيط المستقبل للفرد والأسرة بات يواجه الكثير من التحديات. لامس المسلسل من خلال الإطار الكوميدي عددًا من هواجس ومخاوف الطبقة الوسطى، يمكن سردها في الهواجس السبع التالية:
1-العمل المستقر: يأتي العمل في أولى حلقات هواجس الطبقة الوسطى، والتي ترتبط بمخاوف الآباء على مستقبل أبناءهم، ومخاوف الشباب على أنفسهم. الحصول على العمل يعني الانطلاق من محطة المراهقة إلى مرحلة النضج adulthood، من مرحلة الاعتمادية إلى مرحلة الاستقلالية المالية. بدون العمل لن يصبح الشاب قادرًا على الانفصال عن سكن العائلة ولا قادرًا على تكوين أسرة جديدة، أو حتى ضمان الإنفاق على نفسه. هنا نحن نتحدث عن تحول كبير طرأ على طبيعة العمل في مصر، حيث تضاءلت فرص الحصول على وظيفة "حكومية ثابتة"، وهي كانت عنوان الارتقاء إلى الطبقة الوسطى والاستقرار فيها في مصر منذ عهد محمد علي باشا وتصاعد هذا الأمر بقوة بعد ثورة يوليو، لكن على مدار العقود الثلاث الماضية بدأ تراجع كبير في معدلات التوظيف الحكومي، لكن ظل القطاع الخاص وقطاع الأعمال قادرًا على توفير نسبة معقولة من الوظائف الثابتة تحديدًا للحاصلين على الشهادات العليا وهم القوام الأكبر من الطبقة الوسطى. هذا الأمر بدأ في التراجع بقوة، وزادت نسب الوظائف المؤقتة، والتنقل المستمر بين الوظائف، ومن ثم غياب عنصر الثبات والاستقرار، وبناءً عليه صعوبة وضع خطط مالية واضحة لمستقبل أي أسرة على المستوى متوسط الأجل وطويل الأجل.
في المسلسل، كانت وظيفة الزوج محمد نموذجًا للوظائف التي تعتمد على تحقيق الهدف "Target"، وفي إحدى شركات المحمول، فهي غالبًا وظائف غير ثابتة على المدى البعيد. أما الزوجة شروق، فهي تعمل مصممة في شركة خاصة، وعلى الرغم من أن دخلها أكبر من الزوج لطبيعة حجم شركتها، إلا أنها شركة خاصة قد تكون مناسبة لعمل الرجال أو النساء غير المنجبات، لكن في حالة المرأة التي تنجب أو تحتاج قضاء وقت كافٍ – من وجهة نظرها – لرعاية أسرتها – كما كان هذا مسموحًا به في القطاع الحكومي – لا يمكن أن يكون هذا عملاً مناسبًا، وهو ما ظهر حين أقالها مدير شركتها من عملها بعد أيام من الولادة واستبدلها بموظفة أخرى.
2-السكن الثابت والمستقر واللائق: قدم المسلسل بصورة كاملة، كافة التفاصيل المتعلقة بالأزمات المتعلقة بالحصول على سكن مناسب لأبناء الطبقة الوسطى المقدمين على الزواج وتكوين أسرة. كما سبقت الإشارة، تعد أحد أهم عناصر الانتقال من مرحلة المراهقة إلى مرحلة النضج هي قدرة الشخص على الحصول على مسكن مستقل وقدرته على العيش منفصلاً أو في أسرة جديدة، وهو ما يعرفه المجتمع المصري بمفهوم "مسكن الزوجية". يمكن تلخيص بعض الثوابت في ذهن الطبقة الوسطى عن سمات "مسكن الزوجية":
أ- الثبات والاستقرار، الذي يطول ليس فقط خلال فترة الزواج، بل قد يصل إلى استفادة الأحفاد من هذا المسكن، الذي غالبًا ما كان يجمع ثلاثة أجيال في الوقت ذاته، وهم الزوجين والأبناء وأحد الأجداد. لم يكن هناك فارق كبير بين أن يكون هذا المسكن ملكًا أو إيجارًا، لأنه كان من المعتاد أن يكون الفارق الوحيد بينهما هو قيام الزوجين باقتطاع قيمة الإيجار الشهري من مجمل دخل الأسرة مع بداية كل شهر لدفعه لمالك العقار. لكن الاستقرار كان قائمًا في الحالتين لأن الأسرة لم تكن مهددة بأي صورة في التمليك أو الإيجار بهاجس فقد هذا المسكن. كما كان يتمتع بالثبات، لأنه في حالة الإيجار لم يكن هناك أي مخاوف تتعلق بتغيير قيمة الإيجار، ومن ثم تغيير خطط الأسرة المالية فيما يخص أمان واستقرار "السكن". هذا الأمر لم يعد موجودًا منذ 1996، بعد تغير قوانين الإيجار لينتقل إلى ما عرف بـ "الإيجار الجديد". إلا أن تطبيق هذا القانون على الواقع، لم يسبب هاجسًا كبيرًا لشباب الطبقة الوسطى في مصر في ذلك الوقت لسببين، الأول: لأن كثيرًا من ملاك العقارات قاموا بتأجير الشقق للشباب آنذاك بعقود إيجار طويلة الأجل والتي بلغت 59 عامًا وهو ما يعني إيجار مدى الحياة – إن صح التعبير – ومن هنا ضمن الزوجان بقاءهما داخل مسكن الزوجية وبقاء أبناءهم وربما أحفادهم معهم. الفرق الوحيد أن المسكن الإيجار لم يعد ميراثًا لورثة كما كان في السابق، وهو أمر كان مقبولًا وعادلًا ولم يمس فكرة الاستقرار. الأمر الثاني: هو المشروع الإسكاني الكبير الذي قامت به وزارة الإسكان تحت قيادة الوزير الأسبق حسب الله الكفراوي تحت مسمى "إسكان الشباب"، في مناطق واسعة من المدن الجديدة في القاهرة الجديدة والسادس من أكتوبر. تم صياغة المشروع لتوفير سكن تمليك بمساحة لائقة جدًا (100 متر مربع) وفي أماكن جديدة ومخططة بعناية، وبسعر زهيد كان في متناول الخريجين الجدد، كما أنه راعى بقوة في شروطه أن يكون المستفيد الأول منه هم الشباب ذوي الشهادات العليا وأصحاب الأسر الحديثة أو المقبلين على تكوين أسر، ومن ثم كان مشروعًا موجهًا لأبناء الطبقة الوسطى.
أما في المسلسل، لم يحصل الزوجان على أي استقرار، ليس فقط لأنهم تزوجا في مسكن إيجار بعقد مؤقت يبدو أنه مؤجر لمدة خمس سنوات، وهي غالبًا المدة الأكبر في تحرير عقد إيجار بين المالك والمستأجر، لكن لأن الزوجين بعد مرور ثلاث سنوات من مدة العقد اصطدموا بطموح المالك بزيادة الإيجار زيادة كبيرة رغم عدم نهاية مدة العقد، وذلك استنادًا للزيادة الكبيرة التي طرأت على أرقام الإيجارات في مصر خلال الخمس سنوات الأخيرة بسبب ارتفاع سعر الدولار ومن ثم ارتفاع الأسعار بصورة كبيرة فضلًا عن زيادة أسعار الإيجار بصورة مبالغ فيها بعد زيادة عدد المهاجرين واللاجئين في مصر. ومن ثم قدم المسلسل صورة تفصيلية حقيقية عن العلاقة الهشة وغير المستقرة بين المالك والمستأجر، والأهم عدم الوضوح والثبات – حتى وإن كان نسبيًا – في قيمة الإيجار، ومن ثم أي خطط مالية يمكن أن يضعها الزوجان المقبلان على الزواج لحياتهما وحياة العائلة، إذا كان مكون الاستقرار الأول وهو السكن أو كما يقول المصريون "أربع حيطان"، غير معروف القيمة!!
ب- المسكن اللائق، حيث اعتاد أبناء الطبقة الوسطى على الاهتمام باختيار مكان "مسكن الزوجية"، وربما يكون الموقع أكثر أهمية من مساحة المسكن، لأن الموقع يعني البيئة التي سينشأ فيها أطفالهم، اللغة التي سيسمعونها، القيم، الجيرة، عامل الأمان ..........الخ. أما مسألة "اللائق" فيما يخص محتويات السكن، فإن الطبقة الوسطى في مصر اعتادت على توفر أساسيات تتعلق بوظيفية إدارة الحياة اليومية داخل الأسرة. وهذا النمط يختلف تمامًا عن القواعد التي تحكم تأسيس منزل الزوجية داخل الطبقات العليا أو الدنيا، والتي من المفارقات أصبحت تتشارك في قاعدة "المفاخرة" أو التناطح بين الأقران. بينما اعتادت الطبقة الوسطى على الاهتمام بتوفر الأساسيات التي تناسب إدارة الحياة اليومية العصرية – بما يناسب كل عصر – دون اعتماد فكرة المغالاة، أو التقشف الشديد الذي يفقد ربة المنزل مواكبة التقدم الذي حدث في إنتاج الأجهزة الحديثة التي تسهل إدارة الحياة اليومية، سواء في عملية النظافة أو إعداد الطعام أو الاهتمام بشئون الأطفال وتعليمهم وترفيههم أو التواصل مع العالم الخارجي. ومن الممكن جدًا للمشتغلين بحقل علم الاجتماع من متابعة تطور الحياة داخل المجتمعات من خلال تحليل مكونات منازل الطبقة الوسطى وما تحتويه من مفروشات وأجهزة منزلية. من يزور متحف الحزب الشيوعي في الصين الآن، يستطيع المرور على مجسمات بالحجم الطبيعي على شكل منزل المواطن الصيني من الطبقة الوسطى على مر العقود السبع الماضية، كدليل على نجاح الحكومات الصينية في تطوير حياة المواطن الصيني في أهم دوائر أمانه واستقراره، ألا وهو منزله.
في المسلسل، وبرغم الإشارة إلى أن والد شروق أصر على استكمال كافة قواعد تجهيز هذا المنزل، على الرغم من الصعوبات المالية للعريس، إلا أن المنزل يعد صورة كاملة من الالتزام بقواعد تجهيز منازل هذه الطبقة، من حيث الاحتواء على الأجهزة المتطورة لتسهيل إدارة الحياة اليومية والحصول على حياة فيها قدر من الرفاهية المحسوبة التي تلائم ثقافة وطموح وحياة الطبقة الوسطى، الفارق الوحيد أنهم أصروا على استكمال كافة القواعد والشروط وهو أمر مقبول أن يكون فيه نقص على أن يُستكمل في المستقبل بنفس القواعد، وهو ما ظهر عند قيام محمد وشروق ببيع منقولات منزل الزوجية عندما تعرضا لضائقة مالية، حيث ذهبا إلى الكماليات، وصولًا إلى الأساسيات من وجهة نظرهم.
ما حصلت عليه شروق في مسكن الزوجية يساوي إلى حد بعيد ما كانت تحصل عليه نساء الطبقة الوسطى على مر العقود الماضية في منازلهن مع الأخذ في الاعتبار أنها منقولات بهدف استخدامها كلها وبأسعار مناسبة للجودة، وليست بأسعار باهظة جدًا تناسب ثقافة "البراندز" لدى الطبقات العليا، وليس بكميات كبيرة جدًا وجودة قليلة تناسب عادة المفاخرة لدى الطبقات الدنيا.
هذه الوسطية والمنطقية والوظيفية في تجهيز منزل الزوجية في الطبقة الوسطى أصبحت هاجسًا آخر، وعبئًا معنويًا قبل أن يكون عبئًا ماديًا.
3- مستوى تعليم لائق: التعليم لدى الطبقة الوسطى يعني إلحاق الأبناء بمدارس جيدة ومناسبة لدخل الأسرة. وعلى هذا الأساس، تتراوح قرارات الأسرة بمستوى المدرسة وفقًا للشريحة التي تنتمي إليها داخل الطبقة الوسطى. لكن على أي حال، يلجأ الآباء أيضًا للإنفاق على تحسين مستوى أبناءهم التعليمي من خلال الدروس الخصوصية. بصورة عامة ينفق أبناء الطبقة الوسطى نسبة كبيرة من دخولهم على عملية التعليم الدراسي لدرجة أن في كثير من الأحيان يكون الإنفاق على التعليم الدراسي داخل أسر الطبقة الوسطى هو الأمر الوحيد الذي يصعدون فيه إلى الشريحة الأعلى منهم، وهو أمر سببه ثقافة "قديمة" متأصلة داخل الطبقة الوسطى مفادها أن التعليم هو سلم الترقي الوحيد داخل المجتمع.
في جزء من شرائح الطبقة الوسطى، لا تتوقف منظومة التعليم عند التحصيل الدراسي بل تشمل أيضًا التعليم الرياضي والفني كلاهما أو أيهما، وهي المهارات والهوايات التي كان يحصل عليها أبناء الطبقة الوسطى من خلال النوادي الرياضية وقصور الثقافة ومن قبل من خلال المدارس، وكل هذا التعليم والمهارات كان يمكن الحصول عليها بمقابل مادي معقول جدًا لدخل أسر الطبقة الوسطى، لكن ذلك تغير تمامًا وأصبحنا أمام معدلات إنفاق عالية للحصول على هذا التعليم النوعي.
بالطبع لم يصل المسلسل إلى تفاصيل تخص تعليم أبناءهم السبعة، لكنه أشار في بدايته إلى أن أحد أسباب إصرار الزوج على عدم الإنجاب هو شكه في قدرته على الإنفاق على تعليم طفل واحد فقط التعليم "اللائق" من وجهة نظره، كما حصل معه هو. وفي موضع آخر، ظهر صديقه "شوقي" وهو في مشادة هاتفية مع زوجته حول مصاريف المدرسة ومصاريف الدروس، وعدم قدرته على مواكبة ارتفاع أسعارها.
4-إنفاق يومي جيد: بدأ المسلسل بمشهد في السوبر ماركت، حيث كان الزوجان الشابان يتسوقان احتياجاتهما المنزلية. ودار نقاش بينهما عندما أصر الزوج على شراء نوع من الجبن واعترضت الزوجة وأصرت على استبداله بنوع آخر ليس لاختلاف اسم الشركة المنتجة، ولكن لأن النوع الأرخص "جبن نباتي" والآخر "طبيعي". ببساطة شديدة، فإن مستوى ثقافة وتعليم وطبيعة ربة منزل من الطبقة الوسطى ستكون معنية بالقيمة الغذائية للطعام، ومدى ملائمته لصحة أفراد الأسرة وخاصة الأبناء، وهو أمر يعني مستوى محددًا من التكلفة والإنفاق، ربما لا يصل إلى حد التكلفة الباهظة للحصول على نوعيات مكلفة أو مستوردة من الطعام كما في شرائح الطبقة العليا، لكنه أيضًا ليس طعامًا وفقط يسعى لسد الجوع كما في الطبقات الدنيا. ومن ثم تظل كلمة "لائق" أو "مناسب"، هي كلمة نسبية لكنها حقيقية وحاكمة ولها مدلولها داخل كل شريحة في الطبقات الثلاث. كما أنها تترجم إلى مستوى محدد من الإنفاق المالي. وما يقال في نوعية الطعام، يقال في نوعية الملابس، ويقال أيضًا في استخدام المواصلات.
5- الخدمة الصحية الآمنة: ارتبط اسم المسلسل "كارثة طبيعية" بمفاجئة إنجاب توائم متعددة، وهو أمر يتعلق بالأساس بمنظومة الصحة والسكان. الصحة لكونها عملية حمل صعبة وولادة غير معتادة، والسكان لكونها تمس الرؤية الحكومية الملتزمة بمبدأ تنظيم الأسرة والتعامل مع الزيادة السكانية باعتبارها "أزمة".
لكن في واقع الأمر تتعدى مخاوف الطبقة الوسطى، هذه الرمزية الكوميدية، التي ما أتت إلا فقط لشد الانتباه إلى مخاوف تتعلق بحقوق الطبقة الوسطى، التي يعمل شبابها في أعمال خاصة غالبًا لا توفر تأمينًا صحيًا لهم. فضلًا عن عدم اعتيادهم على استخدام المنظومة الصحية الحكومية. ولهذا أنفق الزوجان في المسلسل مبلغًا كبيرًا – بالنسبة لهما - في إتمام عملية الولادة. كما أنهما لم يعرفا شيئًا عن حقوقهما في الحصول على حليب أطفال من خلال مراكز الصحة، فضلاً عن أنهما تعاملا مع طبيب خاص للكشف على أبناءهما.
كلها مشاهد في الدراما تشير إلى حالة التخبط في علاقة هذه الطبقة بمنظومة العلاج والصحة، إما أنها لم تعد قادرة على دفع رسوم العيادات الخاصة التي اعتادت على التعامل معها على مدار عقود، ولا على دفع رسوم الإقامة والعلاج في المستشفيات الخاصة بتدرجاتها المختلفة، أو أنها لا زالت لا تعرف ما تستطيع الحصول عليه من خدمات مخفضة أو مجانية داخل منظومة الصحة في الدولة.
6- مستوى ترفيه متوسط ومناسب: دائمًا يسعى البشر للحصول على قدر من الترفيه، الذي يساعدهم على استكمال أعباء الحياة، وبالطبع تختلف طبيعة وكلفة هذا الترفيه وفقًا للمستوى الاقتصادي. لكن الطبقة الوسطى في مصر وخاصة في المدن، اعتادت على الاهتمام بديمومة الحصول على قدر من الترفيه والتنزه حتى وإن كان في صور بسيطة، وذلك باعتباره جزءًا مما يقدمه الآباء للأبناء كأحد جوانب التنشئة السليمة وتكوين ذاكرة عائلية مشتركة، كثيرًا ما تكون مصحوبة بصور تذكارية. إن مستوى الترفيه يتباين بشدة بين شرائح الطبقة الوسطى، حيث قد يتراوح بين التنزه في أماكن عامة أو السفر إلى مصيف بسيط أو مكلف وصولًا إلى السفر إلى الخارج. لكن على أي حال المشترك هو الاهتمام بوجوده وبكونه أحد حقوق الأبناء وأنه أمر هام ليكمل عملية التنشئة الأسرية، وفي حالة عدم ديمومته أو كثرته يكون على الأقل موجودًا للحفاظ على ذاكرة أسرية غنية بالترفيه الذي يستحقه الإنسان الذي عرف أن له حق يتعدى حقه في الطعام والسكن.
في المسلسل، وبعد أن أنهى محمد كافة إجراءات سفره إلى الدولة الخليجية باحثًا عن فرصة عمل لتنقذه هو وأسرته من عجزه عن سداد مصروفات الأطفال السبع، تقوم شروق بمفاجئته بـ "خروجة حلوة"، وهي تذكرتين للسينما. نعم حصلت شروق على تذكرتين مجانيتين عن طريق أحد زملائها، إلا أن كلا الزوجين رأى أنهما يستحقان هذا الترفيه، الذي لم يحصلا عليه منذ شهور بسبب ما لحق بهما من "كارثة"، وهو ما يشير إلى أن عجز الأسر عن القيام بأي صورة من صور الترفيه يعد هاجسًا معنويًا مؤرقًا لاستمرار ولو جزء يسير لما اعتادت عليه في الماضي القريب.
7- معاش وتأمين لائق لمرحلة ما بعد التقاعد: يرتبط الهاجس السابع بمرحلة ما بعد المعاش أو التقاعد، والتساؤل حول تأمين حياة الفرد والأسرة بعد وصول عائل الأسرة إلى سن التقاعد. لم يشر المسلسل إلى الهواجس التي يفكر فيها شباب اليوم لمرحلة ما بعد تقاعدهم، ذلك أن الشباب بالطبع منشغلون بتأمين حياتهم اليومية وتأمين حياة أطفالهم خلال المرحلة الحالية، لكن هذا لا يعني غياب مخاوف مرحلة ما بعد التقاعد في تفكير المقبلين على تكوين أسر وإنجاب أطفال، خاصةً مع انكماش فرص العمل الحكومية أو الخاصة الثابتة ذات قوانين التعاقد والمعاشات والتأمينات الواضحة.
لكن المسلسل أشار في حلقته السابعة إلى واقع أصحاب المعاشات من موظفي الطبقة الوسطى، والذي جسده والد شروق الفنان كمال أبورية، حينما دار حديث مؤلم بينه وبين ابنته وهي تطلب منه مساعدة مالية. في مفاجئة اعترف لها والدها أن معاشه لا يكفيه هو شخصيًا حتى نهاية الشهر. وأن مدخراته البسيطة كمدرس وموجه، أنفقها بالكامل على تجهيزها للزواج. يظهر المسلسل كيف أن والد شروق يعيش قي منزل جيد في حي مصر الجديدة، لديه ملابس جيدة، كان يعمل عملًا جيدًا، إلا أن ارتفاع الأسعار قضى على مدخراته في تجهيزها، كما جعله عاجز عن مساعدتها في شراء حليب للأطفال الذي كان يعتقد أنه مازال بـ 10 جنيه!
تداعيات عديدة
إن الطبقة الوسطى تتعرض لضغوط وتحولات كبيرة، مع الاعتراف بأن هذه التحولات والضغوط تعد ظاهرة عالمية، خاصةً في دول المنطقة والدول الغربية، على خلاف دولة مثل الصين التي تشهد اتساعًا ونموًا واستقرارًا في طبقتها الوسطى.
على أي حال، إن كل هذه الهواجس والمخاوف تمثل تحديات حقيقية، تحتاج إلى تنبيه وإلقاء ضوء، وقد نجح المسلسل في إثارة الكثير، كما سعت من قبل الدراسات والأبحاث الاجتماعية والسياسية إلى مناقشة هذه المخاوف وتلك التحديات وتداعياتها الحالية والمتوقعة، لكن يظل الفن يملك الصوت الأعلى والضوء الأقوى. ومن تداعيات هذه المخاوف:
1- انكماش الطبقة الوسطى ونزول شرائح كبيرة منها إلى طبقة دنيا لا تعرف مفرداتها. كما أنها لا تعرف كيف يمكن أن تسد العجز في الحصول على احتياجاتها من خلال مسارات الطبقة الدنيا. وهنا يثور تساؤل: هل تمتلك وزارات التضامن الاجتماعي والصحة والتعليم والإسكان، برامج يمكن أن تتعامل مع العجز المفاجئ لقدرة الطبقة الوسطى على الحصول على احتياجاتها، أم أنها تنتظرهم عند "محطة" الطبقة الدنيا؟
2- إن انكماش الطبقة الوسطى، ووقوعها لفترة بين البحث عن مخرج وبين التعلق بأحقيتها في الاستمرار في نمط "لائق" من الحياة، يجعلها عاجزة عن الإبداع – بالمعنى الواسع للإبداع سواء في العمل أو الفن أو العلم أو البحث – كما استسلم بطل المسلسل الذي كان يتمتع بموهبة الكتابة والتأليف، إلا أنه قرر أن يتوقف عن إبداعه للتفرغ للعمل لساعات أطول لتوفير أعباء الحياة المتزايدة.
3- انكماش حجم الطبقة الوسطى يعني بالضرورة اتساع حجم الطبقة الدنيا، واقترابها من الطبقة العليا، دون وجود وسيط بينهما قادر على أن يكون صمام أمان وممرًا آمنًا بين قيم ولغة وحياة الطبقتين داخل المجتمع، وعلى امتصاص الصدمات وتقليلها ومن ثم تحقيق الانسجام داخل المجتمع.
4- ظهور تيار "اللاإنجابيين"، ربما لا تتوافر إحصائيات أو أرقام عن هذا التيار، إلا أنه اتجاه جديد بدأ في البروز بين الشباب المقبلين على الزواج أو حديثي الزواج. يعلنون عن رغبتهم في عدم الإنجاب نظرًا لشكهم في قدرتهم على توفير الحياة "اللائقة" لأطفالهم. المعروف هو انخفاض معدلات الإنجاب في مصر، حيث انخفض معدل الإنجاب الكلي في مصر ليصبح (2.41) طفل لكل سيدة في عام 2024، وهو أدنى مستوى منذ بدء تسجيل البيانات. وقد انخفضت معدلات الإنجاب بشكل ملحوظ مقارنة بـ (2.8) طفل لكل سيدة في عام 2021، و(3.5) في عام 2014.
وهنا يثور سؤال يستحق البحث: من أي الشرائح الطبقية والتعليمية والجيلية جاء هذا الانخفاض؟. في الغالب، كان أبناء الطبقة الوسطى هم مصدر هذا الانخفاض، لأنهم أصبحوا متخوفين من أنهم لن يستطيعوا إعطاء أبناءهم ما حصلوا هم عليه خلال طفولتهم وشبابهم من صور الحياة المستقرة. الهواجس السبع تطاردهم طوال الوقت وفرص حصولهم على المساعدات أقل بكثير من فرص حصول الطبقات الدنيا، ومن ثم لجأ بعضهم إلى العزوف عن الزواج وإن تزوجوا يرفضون الإنجاب.
5- بعد أن جمع المسلسل عددًا كبيرًا من المشكلات الحقيقية التي تمثل الهواجس السبع لأبناء الطبقة الوسطى، في حلقات قصيرة وأحداث متلاحقة، انتهت بإغلاق آخر باب أمل لديهم عندما تم إقالة وزير التضامن قبل وضع تأشيرته "الاستثنائية" على كافة طلباتهم، جاء مشهد ما بعد النهاية، عندما وجد فنان كبير وصانع للنجوم وهو أحمد مكي سيناريو فيلم من الأفلام التي كان قد كتبها الزوج محمد وعلى غلافها اسم له دلالة "يوم جديد" واسم المؤلف ورقم هاتفه. وقبل النهاية بدا على وجه مكي أن السيناريو قد أعجبه، في إشارة إلى أن "حل" كل هذه المشكلات التي واجهت الزوجين لم يأت من داخل القنوات الطبيعية، لم يأت من خلال العمل ولا منظومة الصحة ولا التضامن الاجتماعي ولا من منظومة السكن الخاص ولا العمل الخاص ولا حتى دعم الأهل، ولا من خلال المسارات الفنية الطبيعية لتبني إبداعه الأدبي، ولا من خلال قنوات الإعلام الكبرى، بل من خلال "ضربة حظ"، وهو أمر يدعو إلى كثير من التأمل والنظر والحذر، أن يستقر في ذهن الأجيال الشابة أن الكسب والترقي الاجتماعي لا يأتي عبر المسارات الطبيعية مثل التعليم والعمل والإنتاج وإنما من خلال الصدفة.
ختامًا، كما كان مشهد ما بعد النهاية تفسيرًا إضافيًا للمناخ العام المرتبط بقوانين الطبقات في مصر، كان الطفل الثامن حدثًا إضافيًا في أحداث المسلسل وهو الطفل غير البيولوجي الذي أضافته الزوجة "خطأ" إلى أطفالها، ورفض الزوجان التخلص منه في الشارع وقررا إبقاءه معهما مع التوائم السبعة.
أشار هذا الموقف الكوميدي في شكله العميق في مغزاه إلى أن الطبقة الوسطى رغم كل ما ألّم بها من هواجس وآلام وصدمات اقتصادية متتالية، إلا أنها لا زالت تحمل في وجدانها إحساسًا عميقًا بـ"المسئولية الاجتماعية"، لما تتبناه من منظومة قيم وتحمله من قدر مناسب من التعليم والثقافة، تعي جيدًا أهمية أن تعيش في مجتمع عفي صالح، ولا زالت تعتقد بأن لها دورًا في الإصلاح والحفاظ على مناخ عام ملائم للعيش فيه ولتربية أبناءهم فيه. هنا ورغم كل المشاكل المالية، إلا أن الزوجين في المسلسل لم يستطيعا التخلي عن هذه المسئولية المجتمعية وقررا الاحتفاظ بالرضيع غير المستدل على عائلته وتربيته بين أبناءهم السبعة إلى حين العثور على أهله.
الطبقة الوسطى رغم هواجسها السبعة لا زالت قادرة على استيعاب هاجس ثامن آخر وهو المسئولية تجاه المجتمع والحلم والعمل على مجتمع أفضل، لكن إلى متى يمكن أن تتحمل وإلى أي مدى يفقد المجتمع المصري صمام أمانه ومخزن قيمه ووعاء إبداعه ومعول تقدمه ورابط تماسكه، الذى نسميه "الطبقة الوسطى المصرية".