مصر وتركيا.. التأسيس لعلاقة استراتيجية
2024-2-14

د. معتز سلامة
* خبير - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

أهمية خاصة تكتسبها زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر، بعد سنوات من القطيعة والخلاف، دارت فيها علاقات البلدين دورة كاملة اقتربا فيها أحياناً من حد الصدام المسلح ثم تراجعا، لتشهد علاقاتهما اتجاهاً نحو التسكين والتهدئة، ثم السعي لأجل إعادة ترميم العلاقات وبناء الشراكة، في ظل مرحلة جديدة قد تشهد إعادة التأسيس الاستراتيجي للعلاقات، من مؤكد أنه وقف خلف كل ذلك جهود دؤوبة بذلت بهدوء خلف الأبواب المغلقة.

يمكن تصور مراحل ثلاث مرت بها مباحثات البلدين، لم تكن منفصلة عن بعضها، وكانت محصلتها جميعاً اتساع مساحات التفاهم بين دوائر القرار، وأكدت حاجة البلدين إلى تفكيك التعقيدات التي طالت ملفات العلاقات في السنوات العشر الماضية، فضلاً عن ضرورات التعاون في ملفات الساعة الضاغطة على البلدين بقوة سياسياً ومعنوياً، وعلى رأسها ملف غزة والمصالح والفرص الاقتصادية، في ظل نظام دولي وإقليمي متغير، ويطرح تحديات ومخاطر، يمكن للبلدين تعظيم مكاسبهما فيها بالتحرك معاً.

ثمة كثير من المشتركات بين بلدين كبيرين في العالم الإسلامي والشرق الأوسط، يجمعهما تاريخ مشترك، ليس على مدى عقود وإنما على مدى قرون، به من مناطق الفخار لمصر مثلما به من مناطق الفخار لتركيا، وبه مساحات أخرى تشكل هي أيضاً جزءاً من المشترك التاريخي المعزز لعلاقات الحاضر. وعلى مستوى السكان؛ فالحجم السكاني متقارب ويضع البلدين في مراتب القوى الوسطى بالعالم، يعززه توجهاتهما السياسية البراجماتية، واستمرار كل منهما في مساحات الجدل الداخلي الخاص بالهوية الوطنية والحضارية، وكلها حوارات لا تزال تشكل جزءاً من مساحات الاشتباك الداخلي لدى النخب الثقافية في البلدين.

من ناحية الوزن الاقتصادي والسياسي والعسكري، يتفاوت البلدان في بعض التمايزات، لكنهما متقاربان في الوزن الإجمالي من مصادر القوة، ولدى كل منهما مشروع وطني، وهي قوى متوازنة في علاقاتها بين المحاور الدولية، تمد علاقاتها مع قوى الغرب والشرق على حد سواء؛ حيث لكليهما روابط خاصة مع الولايات المتحدة وروسيا والصين وأفريقيا والعالم العربي، وحالياً يعاني كل منهما ضائقة اقتصادية تدعوهما للاستثمار معاً. أما من حيث مجالات الحركة فكلاهما تداخلت مصالحه في ليبيا وفي شرق المتوسط، وفي الأزمة الخليجية، وحالياً يلتقيان بشأن غزة. وهذه المشتركات والملتقيات في المحاور المتعددة التي تجمع البلدين على مدى القرون والعقود والسنين، تجعل كل منهما لديه فهم شامل لأبعاد سياسة الآخر الإقليمية والدولية. لذلك كان لافتاً ومثيراً للإعجاب فعلياً أن يصل البلدان إلى أعلى مستويات المواجهة التي تندفع عندها بعض الدول إلى الاشتباك العسكري والحرب، ثم يخرجان منها سالمين ويتراجعا عند الحافة، ثم يتجهان إلى إعادة ترميم وبناء العلاقات بشكل تدريجي بطيء، دون انقلابات في السياسة الخارجية أو اندفاعات غير مدروسة، وهذا المسار الذي تعرف على طريقه بعناية في علاقات البلدين عكس درجات الرشادة في مستويات القرار على الجانبين. ويحتاج العامان الماضيان فيما يتعلق بالحوارات والمحادثات التي خاضها البلدان عبر القنوات الخلفية إلى دراسة فعلية، لمعرفة كيفية تمكنهما من تفكيك المشكلات البينية بهذه الطريقة.

أولاً: إعادة ضبط العلاقة وتفكيك الملفات

بعد أن اتخذت خلافات البلدين مسارات بديلة انحرفت عن مسار الدولة، نحو قدر من الشخصنة التركية بشأن الوضع في مصر، عادت العلاقات مرة ثانية كعلاقة بين دولتين ونظامي حكم ومؤسسات صنع السياسة الخارجية والأمن القومي، لا مصلحة لأي منهما في تغيير أوضاع داخلية لدى الآخر، وذلك كان هو جوهر موقف مصر على مدى السنوات الماضية، وهو السعي لضبط العلاقات في الأطر الرسمية.

وخلال مباحثات هذه المرحلة هيمن ملف أساسي، هو ملف التحريض الإعلامي من قبل أنصار الجماعة على الدولة المصرية. وكان الهدف الرئيسي للمباحثات على الجانب المصري وقف التحريض على العنف والإرهاب الداخلي. وإلى حد كبير، فقد انعكست المعالجة التركية للشأن المصري بالتبعية على الموقف المصري من تركيا.

وخلال هذه الفترة التزمت مصر قدراً كبيراً من الانضباط في العلاقات مع تركيا، وسعت لضبط التفاعلات تجنبا لتوسيع فجوة الخلاف وجعلتها في أدنى الحدود، وتمت معالجة هذا الملف عبر التحلي بالحكمة و"الصبر الاستراتيجي"، حيث كان قرار الدولة المصرية مع انضباط العلاقة والتقليص من أهمية الهجمات التركية التي اتسمت بالشخصنة، باعتبارها أشياء لا تهم كثيراً، قياساً على الحرص على استعادة علاقات الدولة بالدولة. ويبدو أن كل طرف تجنب خلال المحادثات التوقف والجمود عند النقاط التي ارتأى تعذر تلبيتها لدى الآخر، قبل استعادة وبناء الثقة مع الوقت. ساعد على ذلك الإجراءات التي اتخذتها تركيا لتقليص حجم عناصر الجماعة وأبواقها، تمهيدا لإتاحة الفرصة لإعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي.

إلى حد كبير، عكست زيارات المسئولين الأتراك للقاهرة وزيارات المسئولين المصريين لتركيا على مدى العامين الماضيين ذلك كثيراً، منها زيارات وزراء الخارجية ومسئولي ووفود تفاوض. والآن تعكس زيارة الرئيس التركي، الذي يمثل رأس الهرم الرسمي للدولة التركية عودة العلاقات وفق النمط التصحيحي المرجو، لتبدأ مسيرة جديدة في العلاقات الثنائية، ولتنتهي فترة ما يمكن تسميتها العلاقات على حواشي وهوامش الدولة، إلى العلاقات القائمة على التوافق بين أجهزة القرار.

أعقبت فترة إعادة ضبط العلاقة في الإطار الرسمي وضبط القرار (دولة في مقابل دولة)، فترة سعى فيها الجانبان لتفكيك ملفات الخلاف (خصوصا ملف ليبيا وشرق المتوسط). وربما كان ملف ليبيا أحد أهم الملفات التي دعت إلى تقارب البلدين، وهو الملف الذي انعكس عليه أيضاً الملفات الخلافية الأولى، الخاصة بالموقف التركي من الجماعة وملف شرق المتوسط. فبالنظر إلى أهمية الملف اللليبي بالنسبة لمصر، فقد أدت طريقة ومنهج البلدين في إدارة الخلاف حوله إلى تعزيز الثقة بإمكانية التوافق على باقي الملفات، حيث أنه بينما احترمت تركيا الخط الأحمر الذي وضعته مصر وفق مصالحها وأمنها القومي في ليبيا، فقد تفهمت مصر المصالح التركية. صحيح أنه لا تزال ليبيا غير آمنة تماماً، ولم تعد الدولة الوطنية الموحدة، ولكن بالمقارنة بأعوام سابقة، فقد أدى توافق البلدين إلى تسكين الوضع في ليبيا كثيراً.    

ثانيا: إعادة الاكتشاف والتأسيس الاستراتيجي للشراكة

على الرغم من إرث العلاقات الممتد بين مصر وتركيا، فإنه لم يجر الاستثمار كثيراً في هذه العلاقات على مستوى التفاهم الوطني، بين شعبين هما في حاجة لإعادة اكتشاف كل منهما للآخر. ورغم توافر كل الظروف المعززة للتقارب في المصالح، والتقاء البلدين في كثير من مسارح العمل الإقليمي والدولي، فلم تشهد علاقات البلدين المستوى المطلوب من الشراكات، ولم يكثفا بعد علاقات المصالح. كانت علاقات البلدين قد شهدت تجربة مهمة قبل ربع قرن في عام 1997 تحديداً، مع إنشاء مجموعة الثماني الإسلامية التي ضمتهما إلى جانب دول إسلامية ست أخرى هي: إندونيسيا، ونيجيريا، وباكستان، وإيران، وبنجلاديش، وماليزيا. وعلى الرغم من أن هذه المجموعة لا تزال قائمة مؤسسياً، إلا أن مردودها السياسي والاقتصادي والاستراتيجي لم يكن بالقدر المرتجى في علاقات البلدين، ولم تركز على هدف الارتقاء بالعلاقات الثنائية بين دولها، ولم تتمكن هذه المجموعة من تجسيد الطموح الذي يرتقي إلى مستوى الفكرة، وبقيت علاقات دولها كأي علاقات دولية عادية، دون ملامح خاصة تشير إلى مدى الإسهام الخاص لتكوينها المؤسسي في كيانها كمجموعة إسلامية.

في إطار كل ما سبق، يمكن التأكيد على أن مرحلة "التأسيس الاستراتيجي" للعلاقات المصرية التركية ينبغي أن يرافقها استمرار الجهد والبحث الفكري الاستراتيجي المؤسسي لتعميق الفهم المتبادل، عبر مؤسسة فكرية تعقد حوارات دائمة بين البلدين، وتتغلغل إلى المؤسسات التحتية المساعدة لأجهزة صنع القرار، مع إحياء دور المؤسسات المجتمعية أيضا في تعميق علاقات الشعبين؛ فمن دون ذلك ستبقى العلاقات منقوصة ومحصورة بالأطر الرسمية، ومن ثم مهددة باحتمالات التراجع في ظل عدم تعميق تقدير حجم وأوزان المصالح والتحديات المشتركة، التي قد لا يمتلك السياسيون الوقت للاستفاضة فيها وتعميقها، وبناء منظومة القيم التي تسورها بأسيجة من الحماية وتعززها بالقوة الناعمة.

وفي محاولة لوضع اليد على أهم ملفات المرحلة الراهنة بالنسبة للبلدين، فإن الملف الأهم حالياً هو الملف الاقتصادي، الذي يستدعي تعزيز الاستثمار والمشروعات المشتركة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، وبناء الشراكة والمصالح التي تفرض استمرار العلاقات السياسية وتصونها. وقد يعود قدر كبير من حسابات البلدين التي حالت دون الانزلاق إلى مستويات من الاشتباك العسكري في ليبيا هو تقديرهما لحجم هذه المصالح الاقتصادية، التي ظلت مستمرة بالمليارات رغم الخلافات. والمؤكد أن الشخصيات المرافقة للرئيس التركي في زيارته، تشير إلى ملفات الزيارة الأساسية، حيث يرافق الرئيس أردوغان 6 من الوزراء أبرزهم: وزراء الدفاع والخارجية والتجارة والطاقة. مما يعكس أهمية الجانب الاقتصادي والأمني.

وإذا كان بالإمكان تصور أجندة لمحاور وقضايا التعاون الإقليمية بين مصر وتركيا خلال السنوات القليلة المقبلة، فإنه يمكن تحديدها على النحو التالي:

1- غزة والقضية الفلسطينية: تستدعي أوضاع غزة ما بعد الحرب إلى تكاتف الجهود والمساعي المصرية والتركية، بهدف تكثيف الضغط الدولي لأجل التوافق حول صفقة المستقبل للقضية الفلسطينية وأوضاع غزة، وهي صفقة تتطلب تضافر كل القوى العربية والإقليمية والإسلامية، وفي المركز منها مصر وتركيا ودول الخليج، لأجل التوصل لحل نهائي للقضية الفلسطينية، يتأسس على المقررات الدولية وحل الدولتين وبناء الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، كما يدفع إلى تأسيس التزام دولي بشأن إعادة إعمار غزة ومساعدة الدولة الفلسطينية الوليدة. ذلك أنه مهما كان من مآسي الحرب، فإن الخسارة الأكبر ستكون إن مرت الجرائم الإسرائيلية وانتهت بلا عائد على القضية الفلسطينية، وذلك يدعو لاستثمار العلاقات المصرية- التركية في إتمام صفقة برعاية دولية بشأن القضية الفلسطينية، وبناء الوضع المؤسسي للدولة في غزة وفلسطين بعد الحرب. ويمكن لجهد مصري- خليجي- تركي مشترك أن يشكل أهم دعامة للقضية الفلسطينية خلال المرحلة المقبلة.

2- محورية الدولة الوطنية: يلي ملف غزة في الألوية والأهمية أهمية التوافق بين البلدين حول جهد مشترك بالتوافق مع دول الخليج عموما والسعودية والإمارات خصوصا، لأجل إعادة بناء الدولة الوطنية في العالم العربي، كمدخل لإعادة بناء النظام الإقليمي، الذي سيكون لكل من مصر ودول الخليج وتركيا دور مهم فيه خلال المرحلة المقبلة، بالنظر إلى طبيعة خريطة المنطقة بعد الحرب في غزة، والتأكيد على أن مصالح تركيا في العالم العربي تتعاظم وتزدهر مع الدولة وليس مع الفاعلين من غير الدول مهما كانت أدوارهم، تجنبا لوضعية شبيهة بوضعية إيران وميليشياتها في المنطقة. في هذا الصدد، يمكن لتركيا أن تسهم بدور كبير مع مصر ودول الخليج في إعادة بناء الدولة الوطنية في سوريا والعراق واليمن وليبيا والصومال، عبر مجهود مشترك لإعادة الإعمار، وإعادة بناء الكيان السياسي والمساعدة في ترميم التوافقات وبناء مؤسسات صنع القرار.

3- الأمن الإقليمي: لم يعد النظام الإقليمي العربي وأوضاع العالم كله على نحو ما كان قبل عقدين، حيث تحولت مفاهيم الأمن الوطني والقومي، ومعها تحولت مفاهيم المصالح، في ظل حالة اندماج وانفتاح عالمي غير محدودة أطاحت بكثير من المفاهيم التقليدية بشأن الأمن القومي والسيادة. وقد جعل كل ذلك مقترحات جرى طرحها سابقا حول بناء أطر تعاون عربية مع دول الجوار الإقليمي (خاصة تركيا وإيران)، والتي جرى رفضها أو التردد فيها عربيا سابقاً، هي الآن مطلوبة وبقوة، في ظل تحقيق المكسب للجميع. وبقدر ما تحتاج المنطقة العربية إلى نظام أمن إقليمي، موازن في مقابل حالة "التوحش" الإسرائيلي المدعوم بالولايات المتحدة، فإنها في حاجة إلى تعزيز العلاقات وبناء تحالف مصري- خليجي- تركي، هدفه المرحلي استثمار الواقع المأساوي في غزة في صفقة قرن للقضية الفسلطينية، ومن ناحية أخرى بناء نظام أمن في غزة وفلسطين يضمن الانتهاء إلى الدولة الفلسطينية، التي بدأ يتردد الحديث عن الاعتراف بها دوليا وأمريكيا. ولا ينبغي أن تمضي جرائم الإبادة في غزة سدى ومن دون ثمن، ككل الوعود السابقة بشأن القضية. وإلى جانب ذلك توحيد الواقع الإقليمي حول صيغة وهيكل أمن، بعد تأكد الدول العربية من عدم قدرة إسرائيل على التغيير وتقديم أي إعتذارات أو "تنازلات" عن سلوكها الذي ينتهك القانون الدولي، مع عجزها عن احترام أي قواعد تخص النظام الإقليمي الجديد، الذي كان محل رهان من البعض.

4- الأمن والغاز في المتوسط: يمكن لكل من مصر وتركيا كقوتين إقليميتين كبيرتين على ضفاف المتوسط، وفي الشرق منه؛ حيث ممرات التجارة والمضائق والغاز، أن يشكلا معا قوتين للاستقرار الإقليمي في البحر المتوسط، الذي سوف تزداد أهميته كثيرا في السنوات المقبلة لحجم الفرص والتحديات فيه. وفي هذا السياق تحديدا يمكن لمصر أن تساعد تركيا في تحسين علاقتها مع اليونان وقبرص، استثمارا لعلاقات القاهرة بالبلدين، التي توسعت خلال السنوات الماضية. ولا يزال الملف الخاص بالغاز وترسيم الحدود البحرية يحتاج لجهد كبير قد يستغرق سنوات، وتحتاج منطقة شرق المتوسط لعناية خاصة من البلدين.

لكل ذلك تكتسب زيارة الرئيس التركي أهمية كبيرة في مسار تصحيح وإعادة بناء العلاقات المصرية- التركية وتوجيهها نحو الطريق الصحيح، ومن المهم في سياق كل ذلك تحقيق التفاهم بين مؤسسات صنع القرار في البلدين على خريطة طريق لإدارة العلاقات، لأن الفترة المقبلة من عمر النظام الإقليمي مهمة جدا ولا سبيل فيها إلا للتعاون، مع ضرورة تأمين التوافقات من التقلبات المستقبلية، التي قد تبقى محتملة؛ إن بقيت العلاقات دون إطار استراتيجي مؤسسي مستدام.


رابط دائم: