الكتابة والكتاب والدراسات الثقافية فى المنعطف الرقمى
2023-5-18

نبيل عبد الفتاح
* مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

الثورة الرقمية، شكلت تحولًا ناعمًا فى عالمنا، ودفعت نحو الثورة الصناعية الرابعة، وتمت من خلال تطوير صناعة الحاسوب، وبناء أنظمة الشبكات والبرامج الرقمية. ومصدر هذا التحول الناعم هو مساهمتها فى تطوير جذرى للاتصال الإنسانى داخل كافة الأنساق الثقافية العالمية، على تعددها، وفيما بينها، وفتحت آفاقًا جديدة للتواصل، والتبادل الاتصالى، والرمزى، واللغوى، ويسرت التعارف المتبادل. وكان ولا يزال تطورها فائقًا، ولا يُقاس بعمليات التحول الكبرى التى استغرقت مراحل تاريخية وزمنية معقدة، وطويلة، حتى الثورة الصناعية الثالثة. من الحاسوب وتطوره، وتحوله مع الهاتف المحمول، بات العالم عند لمسة من أصبع، فى عديد من فضاءاته، إلى الترجمة الآلية، إلى تعلم اللغات، والتسوق الإلكترونى، وتبادل المعلومات، والأفكار، وتزامن زمن الفعل مع زمن الحدث، وبروز ظاهرة صحافة المواطن، أو الصحافة العامة أو صحافة الشارع الذى تعرفه ويكيبيديا بأنه مصطلح يرمز إلى أعضاء من العامة يلعبون دورًا نشيطًا فى عملية جمع ونقل وتحليل ونشر الأخبار والمعلومات عبر استخدامات صحافة الإنترنت.

كل ذلك كان يتم فى هدوء ونعومة أيا كانت آثاره وانعكاساته على الحياة الفعلية والحياة الرقمية. مواقع للتواصل الاجتماعى فى حالة تجدد، في ظل بروز الدور المحورى للشركات الرقمية الكبرى العملاقة فى اقتصاد العالم، وأبحاثها المتجددة، التى تجرى فى سرية تامة.

التنافس الضارى بين هذه الشركات العملاقة فى مداخيلها المالية المليارية -بالدولار- ومعها شركات صغيرة فى الهند -على سبيل المثال- يغزون ويغيرون العالم كله، من خلال ابتكاراتهم الرقمية المذهلة التى أدت إلى انكشاف العالم، وخصوصياته، وتمثيلاته، واستعراضياته.

المتغيرات الرقمية سريعة جدا، وباتت جزءاً من تشكيل عالم السرعة الفائقة، واكتشافاتها، وبرامجها، ومواقعها، سريعة جداً، فى ظل تنافس شركاتها، ودور أجيال المبرمجين والمكتشفين وتجاربهم الرقمية، التى تغير العالم والإنسان، وتحويل الإنسان من مركز الكون والطبيعة إلى التمهيد لنهاية ذلك فلسفيا ووجوديا وكيانيا، ومن ردود الطبيعة والاحتباس الحرارى، والفيروسات المتحورة التى قلبت أوضاع عالمنا مع هذا التغير، وزاد من دور الرقمنة، والحياة الروبوتية، وتطوراتها فى ظل الإغلاق التام والجزئى، وتحولت الحياة الرقمية وتفاعلت، وتغير الحياة الفعلية بوتائر فائقة السرعة من خلال وسائل التواصل الاجتماعى، والفيديوهات الطلقة والموضة، والصور الاستعراضية المحمولة على الذاتية المفرطة، وأيضا التغيير فى الكتابة، والكتب عبر الرقمنة، ثم دخول الذكاء الاصطناعي، ومعه الـ ChatGpt، وعصر الإناسة الروبوتية، وما ستلعبه مستقبلا فى الحياة الروبوتية، والإنسانية معاً، وتحول الروبوت إلى إنتاج أشكال أولية من الكتابة الإبداعية والفنون والموسيقى والتشكيل، والجرافيك، والسينما، وكتابة المقالات والبحوث والكتب، والسرديات الأدبية، على نحو بدأ يطرح أسئلة عديدة حول مخاطر ذلك على العقل والوجود الإنسانى، ومفهوم العمل والابداع.

سوف نخصص هذه الدراسة الوجيزة حول أثر الرقمنة على الكتاب والكتابة والبحوث الأكاديمية، والدراسات الثقافية، وبعض التغيرات التى ألمت بها، خاصة السلبية، من خلال دراسة عدد من الأبعاد، تشمل: التحول التكنولوجى وأثره على الكتاب، الرقمنة والمحتوى المعرفى للكتاب والكتابة، أثر الرقمنة على الصناعات الثقافية، الكتابة والمحتوى المعرفى والرقمنة، المؤسسة الجامعية والإنتاج البحثى والرقمنة وأثرها على المحتوى المعرفى، الثورة الرقمية والكتابة والكتاب، وسوق النشر... ملاحظات عربية، أنظمة الذكاء الاصطناعى وأثرها على الكتاب والإنتاج الأكاديمى والمحتوى المعرفى، التغير فى الكتابة والتلقى الرقمى وأثره على المحتوى الرقمى، انعكاسات الإنتاج المعرفى المرئى على الوسط الأكاديمى، إرهاصات عصر ما بعد الأكاديميا التقليدية إلى الأكاديميا الرقمية والروبوتات، المحادثات الروبوتو إنسانية وأثرها على العقل الإنسانى.

أولًا: التحول التكنولوجى وأثره على الكتابة والكتاب

لابد أولا من استعادة إحدى البداهات فى تطور التقنية وأثرها على الكتابة والكتب، وهى أن شكل الكتابة ومحتواها كان جزءاً من عمليات التطور التقنى والتفكير، والانتقال من المرحلة الشفاهية إلى المرحلة الكتابية، ومن ثم ظهور الكتابة على الحجر وأوراق الشجر وجلود الحيوانات، وهو ما أعطى الكتابة شكلا اتسم بالحروف الكبيرة فى كل لغة من اللغات البشرية، ثم الدمج بين الكتابة والكتاب وخطوطه، وبين العلامات والرموز والرسوم ذات الدلالة، والسائدة فى هذه الثقافة أو تلك بما فيها اللغة العربية. كان الكاتب فى الغالب هو صانع الكتاب، أو كان بعض من حوارييه، وكان النسخ اليدوى، هو أداة نشر الكتاب، ومن ثم قلة مستهلكيه القرائيين، ممن يجيدون القراءة، وكان إعادة النسخ هو أداة النشر المحدود على نحو ما يبدو من تاريخ الكتاب فى الثقافة العربية الإسلامية.

فى المجتمعات الغربية، ومع ظهور مطبعة جوتنبرج، ظهر الكتاب المطبوع، وكان النشر فى البدايات للكتاب المقدس وبعض الكتب الفلسفية والشروح الدينية، ومن الطبيعى أن ظهور المطبعة أدى إلى الحفاظ على الذاكرة الإنسانية والفكر الإنسانى.

كان التطور التكنولوجى يلقي بظلاله الوارف على صناعة الكتاب والكتابة ذاتها، وأثر من ثم على صناعة المحتوى المعرفى للكتاب، من حالة الانتقال السماعى للكتاب، بين عديد الكتاب فى المرحلة الشفاهية وعدم الإسناد المرجعى للأفكار، لقائلها، والإضافة إليها والإسناد المرجعى للأفكار لقائلها وكاتبها.[1]

إعادة نشر الكتب الفلسفية، اليونانية، والنسق القانونى الرومانى لعب دورا مؤثرا في دوائر أوسع. وفى عالم دائرة الإسلام ظهرت الكتب الفقهية، والسيرية، والافتائية، والتفسيرية للقرآن الكريم، وظهر علم الكلام بعد أكثر من مائة وخمسين عاما من وفاة الرسول الأكرم، وظهرت المذاهب والمدارس الفقهية داخلها، ومؤسسيها والتابعين وتابعى التابعين.

لقد أثرت الكتابة والطباعة بعد ذلك على شكل الكتاب، وعلى تنسيقه، من خلال الطباعة على الحجر، ثم الطباعة على آلة الطباعة، التى تطورت تطوراً كبيراً مع تطور تقنيات صناعة الكتب، والصحف والمجلات، من خلال صناعة الغلاف واسم المؤلف ودار النشر، وإلى دمج الصورة والرسم في الغلاف الخارجى، وما بات يطلق عليه الآن فى الدرس الأكاديمى النقدى عتبات النص. وتطور أيضا شكل الصفحات الداخلية، والفهرست، والهوامش، ومراجع الكتاب.

كان الناشر الحكومى، ثم الناشر الخاص، يلعبان الدور الرئيسى فى صناعة النشر، مع صناعة الورق حتى تحول نشر الكتاب إلى صناعة كبرى لاسيما فى المجتمعات الغربية، ثم انتقلت إلى بقية بلدان العالم.

لا شك أن النشر الورقى للكتب أدى إلى تطوير محتواها المعرفى، وساهمت فى تطوير الأفكار، وتراكمها، والأهم التقدم فى عديد التخصصات لاسيما في العلوم الاجتماعية. ثم أدت إلى تطور الجدل بين الكتاب بعضهم بعضا حول الأفكار. من ناحية أخرى، أدت إلى انتقال الجدل إلى المجال العام، ثم إلى دخول القارئ إلى مجال التفاعل مع نصوص، وخطابات المؤلفين من خلال فعل التلقى، والتفسير والتأويل، كل وفق نمط التلقى الشخصى، حتى ذهب رولان بارت إلى القول بموت المؤلف فى بعض كتاباته، وشايعه عديدون فى مرحلة ما بعد التفكيكية.

لعب الكتاب المطبوع فى مجال السياسة والفلسفة والسوسيولوجيا دورًا هامًا فى الجدل العام السياسى، وخاصة فى بريطانيا، وفي فرنسا خاصة بعد ثورة الطلاب، وخاصة مع الأفكار الفلسفية التى سادت بعد الحرب العالمية الثانية، وانتشار الفلسفات الوجودية، والماركسية، والتروتسكية، التى دخلت أفكارها حومة الجدل الإيديولوجى، ودور المثقفين فى الجدل العام، وأدوارهم الوظيفية فى المجالين الفكرى والسياسى.

فى عالمنا العربى، دخلت المطبعة مع الحملة الفرنسية مع صدمة الحداثة، وذهبت مع خروجها من مصر، ثم عادت مع البطريرك الأرثوذكسي الإصلاحى البابا كيرلس الرابع. ثم المطبعة الأميرية فى نهاية القرن التاسع عشر، ثم المطابع الخاصة، وظهور الناشر الخاص إلى جوار الناشر الحكومى على نحو أدى إلى حراك فكرى بين الكتاب والكتاب فى الفقه والتفسير والمدونات الإسلامية، إلى المناقشات الفلسفية والاجتماعية، والإصلاحية والسياسية فى أوائل القرن العشرين، إلى المرحلة شبه الليبرالية. تطور خلالها الكتاب مع تطور تقنيات الطباعة، فى شكل الكتاب ونوعية الورق، والحروف، وظهور الجماعة القرائية مع هذا التطور التقني من الطباعة على الحجر، إلى صف الحروف، إلى الجمع الآلى، ثم الجمع التصويرى، إلى الطباعة الديجيتال، ثم الأشكال الجديدة من الطباعة، حيث يمكن أن تنشر نسخة واحدة من الكتاب وفق الطلب. لجأ بعض الناشرين إلى الطباعة الحالية للتقليل من المخزون الكتبى لديهم، ولربط الكتاب بسوق البيع والشراء، من حيث مدى رواجه من عدمه فى سوق النشر العربى.

إذن نحن أمام مراحل عديدة من أثر التطور التقنى/ التكنولوجى على صناعة الكتاب، ونشره، وتوزيعه. من هنا يمثل أثر الرقمنة على الكتاب جزءاً من تاريخ الكتاب وتطوره، ومعه الكتابة والمحتوى المعرفى للكتاب، ومن ثم فإن استعادة تاريخ الكتب والكتابة لابد أن يستصحب معه هذه التطورات، والانطلاق من حقيقة أنه لا يوجد شكل محدد للكتاب، وأنه لن يكون ورقياً فحسب، وأن خطاب موت الكتاب، وفق الخطاب التكنولوجى أو الرقمى، يشكك بعضهم فى حدوثه، وربما نهاية المؤلف، لأن المرحلة الراهنة هى مرحلة انتقالية فى تاريخ عالمنا كله، تنطوى على اضطرابات، وتوترات، وصراعات، وانفجار للمكبوت الإنسانى، الشعبوى والقومى، والتطرف وبعض التعصب الدينى -لاسيما فى عالمنا العربى- وبعض الجاليات العربية الإسلامية فى أوروبا.

انفجار المكبوت الإنسانى يبدو أحيانا فى أشكال انكارية رافضة لبعض من المؤشرات الأولية للتحولات الرقمية، وفى الذكاء الصناعى وظهور الروبوت الكاتب!

ثمة ملاحظة أساسية أن المنظورات المعرفية السائدة لعقود، أو مراحل تاريخية سابقة، شكلت تاريخ العقل، والأفكار، وغالبا ما يسود بعضها أحكامها القيمية، وتحيزاتها، ونوستالجياتها المرتبطة بتاريخ كل مرحلة، ومفكريها ونظرياتها ومقارباتها وانساقها المعرفية، وأحداثها، وشكل الكتاب وجمالياته، وأيضا محتواه المعرفى المتعدد فى تألق بعض أفكار الكتاب والكتاب! لا شك أن التحيزات، وإعلان التحيز-هو الموضوعية لدى جونار ميردال فى الدراما الآسيوية- ومن انفجار المكبوت هو ما يجعل المرحلة الحالية من الكتاب الورقى، وتطوره طباعيا وشكليا ومضمونيا، مع الرقمنة يجعلنا نعتقد أنها محض مرحلة مستمرة ومتحولة فى تطور الرقمنة والذكاء الاصطناعى، ومستقبل الكتاب ومحتواه الرقمى. السؤال الذى يُطرح هنا: ما أثر الرقمنة على الكتاب ومحتواه المعرفى؟

الحاسوب والرقمنة أدي إلى عديد من التغيرات الهامة فى الكتابة والكتاب والصناعات الثقافية، والسؤال: هل تخلت الثورة الرقمية عنه؟ بالطبع لا؛ لكن هل ذلك سيؤدى إلى استمرارية عدم التخلي فى ظل تطوراتها المذهلة، ومعها الذكاء الاصطناعى التوليدى؟

ثانيا: الرقمنة وصناعة الكتاب

ساهم الحاسوب، ثم التطورات الرقمية المذهلة، في حدوث تغيرات كبرى فى صناعة الكتاب والتفكير والكتابة، والصناعات الثقافية، وذلك على النحو التالى:

1- الانتقال فى تنضيد الكتب؛ من التنضيد التصويرى إلى التنضيد الرقمى digital، وهو ما ساهم فى توفير زمن طباعة الكتاب، ومراجعته، ودقته ونشره فى البلدان الأكثر تطوراً، وبعض دور النشر العربية المتطورة علي قلتها!

2- تقليل عدد المشاركين فى طباعة الكتاب من العمالة الفنية والمراجعة، على نحو ساهم فى تقليل التكاليف، خاصة فى ظل غياب المحررين كوظيفة فى دور النشر العربية إلا قليلاً!

3- الانتقال من الإنتاج الكبير من دور النشر الصغيرة عالميا إلى نشر أعداد تجريبية، ثم أعداد تتناسب مع الطلب على الكتاب، وفق مؤشرات الطلب القرائى عليه.

4- تخفيض تكلفة دور النشر من خلال عدم وجود مخزون ومخازن ذات الإيجارات المكلفة.

5- البيع الرقمى، والإرسال للكتب الورقية عبر البريد، أو من خلال بعض الشركات التى تنقل الكتب إلى مشتريها.

6- ظهور المنصات الرقمية لنشر الكتب، وبيعها، وتوزيعها رقمياً بناءاً على اشتراكات محددة من القراء مثل منصة ابجد وغيرها.

7- انتشار ظاهرة القنص الرقمى للكتب الهامة فور نشرها، وتوزيعها مجانا على الحياة الرقمية.

8- بدايات مقلقة لبعض السرقات الأدبية للكتب، أو بعضا منها!

9- تخفيض ثمن الكتب باهظة الثمن، وإعادة طبعها، ونشرها بأثمان مقبولة، خاصة مع التضخم، وعسر الحياة للقراء من الفئات الوسطى الصغيرة، والوسطى- الوسطى، وإرسالها إلى أماكن إقامتهم قبل فيروس كرونا وزادت هذه الظاهرة معها، وبعدها.

10- زاد الاهتمام بتصميم بعض أغلفة الكتب، وجعلها أكثر جاذبية، والاعتناء بها من خلال الطباعة الرقمية digital على حساب التصميم الداخلى للكتاب، ونوعية الورق التى ارتفعت أسعارها، مع ارتفاع أسعار الدولار، واليورو، وشكلت أزمة لغالب دور النشر فى المنطقة العربية.

11- نشر الكتب رقميا بعد وفاة كتابها، دونما استئذان من الورثة، أو إعطائهم حقوق المؤلف، وذلك على بعض مواقع التواصل الاجتماعى، لاسيما الفيسبوك.

12- نشر بعض الكتب فى حياة المؤلفين ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعى.

13- قيام بعض دور النشر بنشر كتب المؤلفين بدون مقابل، أو الحصول على نقود منهم لنشرها.

14- بعض دور النشر تقدم عقودا أقرب إلى عقود الإذعان، من خلال فرض شروط لاستغلال المصنف لمدة خمس سنوات، وأيضا الحصول على نصف قيمة أى جائزة يحصل عليها كاتب المصنف أيا كان رواية، أو شعر، أو فلسفة..الخ.

الكتب تأثرت كثيرا بالثورة الرقمية فى الإعداد للنشر، والطباعة، والتوزيع، وأعداد الكتب، عن ذى قبل. وواكب المنعطف/ المنعرج الرقمى العسر الاقتصادي والتضخم المرتفع في دول العسر فى المنطقة العربية، وارتفاع أسعار الكتاب فى دور النشر الحكومية والخاصة.

مرجع مواكبة الكتاب للرقمى أن بعض الأجيال الأكبر سنا لا يزال بعضهم مرتبطا بالكتاب الورقى، والقراءة الورقية. بعض الأجيال الشابة على قلة بعضهم يشترون الكتاب الورقى لاسيما الروايات، وكتب السيرة الذاتية، والمشاركة فى ورش كتابة الرواية، والقصة القصيرة.

ثالثاً: أثر الرقمنة على الصناعات الثقافية

عرفت اليونسكو مصطلح الصناعات الثقافية "بأنه ينطبق على تلك الصناعات التى تجمع بين ابتكار المضامين، وإنتاجها والمتاجرة بها، وهى ذات طبيعة ثقافية غير ملموسة (غير قابلة للتغيير، مضامينها محمية بقانون حقوق المؤلف، ويمكن أن تأخذ شكل البضاعة أو الخدمات". الصناعات الثقافية، وفق تعريف اليونسكو ذات الطبيعة الثقافية غير الملموسة وغير القابلة للتغيير والتى تأخذ شكل البضاعة أو الخدمات، تأثرت بالثورة الرقمية، وذلك على النحو التالى:

1- التوثيق الرقمى لها، سواء كانت جزءا من التراث المادى، أو التراث اللامادى على نحو يحفظها كجزء من الذاكرة الإنسانية، وذاكرة كل جماعة تكوينية عرقية أو قومية أو لغوية. هذا التوثيق الرقمى ينطوى على توثيق بصرى، وخاصة المناطق الأثرية وبعض الصناعات الثقافية التى توشك على الأفول أو الإندثار.

2- إمكانية متابعة حركة انتقال بعض هذه الصناعات من منطقة لأخرى، ومحاولة إسنادها لغير مبدعيها، والكشف عن ذلك.

3- الإنتاج الرقمى المرئى لهذه الصناعات، وترويجها عبر وسائل التواصل الاجتماعى، وإتاحة بعضها للمشاهدة عبر الفيديوهات، والفيديوهات الطلقة.

4- الترويج لبعض الصناعات الثقافية على وسائل التواصل الاجتماعى من خلال البيع الرقمى، وإيصالها إلى طالبيها.

5- البث الفيديوهاتى لبعض المواقع والمتاحف الأثرية يلعب دورا ثقافيا فى إطلاع مستهلكى الواقع الرقمى على هذه المواقع الأثرية الهامة فى تاريخ الإنسانية وثقافاتها، وتعددها، وهى وظيفة ثقافية، وإنسانية بامتياز، توسع من الأفاق العقلية، بين أبناء الثقافات المتعددة فى عالمنا الذين لا يستطيعون السفر إلى مواقعها الأساسية فى بلدانها.

6- التوثيق لهذه الصناعات الثقافية، والتراث المادى واللامادى فى دول جنوب العالم الفقيرة، والأكثر فقراً، والتى تعانى من إهمال السلطات السياسية التوتاليتارية، والتسلطية، والتى لا يهتم بعضها بالصناعات الثقافية، وأيضا فى الدول التى بها نزاعات أهلية، وحروب داخلية، وتؤدى إلى تحطيم وإزالة بعض هذا التراث المادى.

هذه الجوانب الحمائية، إذا جاز التعبير، لأثر الرقمنة على الصناعات الثقافية، والتراث المادى واللامادى تبدو مهمة فى الحفاظ على الذاكرة الإنسانية، والتعدد الثقافى والتنوع فى مجتمعات العالم المختلفة، وخاصة مجتمعاته الغقيرة والأكثر فقراً، والتى تسودها طبقات سياسية استبدادية وتسلطية لا تهتم كثيرا بالثقافة الشعبية أو الرسمية، والتراث المادى واللامادى، والصناعات الثقافية.

رابعا: الكتابة والمحتوى المعرفى والرقمنة

الكتابة الإبداعية وسردياتها وقصائدها ومسرحياتها وأغنياتها كانت تعتمد -ولا يزال بعضها- على الكتابة بالقلم، واكتسبت تقاليدها ببعض من الحميمية لدى بعض كبار الكتاب، واستمروا فى ذلك حتى بعد ظهور الآلة الكاتبة، وانتقل بعضهم إليها، وباتت مستمرة، وشكلت النقرات على الآلة الكاتبة حالة سوسيو- نفسية ارتبط بها بعض الكتاب. فى الكتابة على الآلة الكاتبة، كان بعضهم يشطب، ويحذف ويضيف، إلى ما كتبه، وبعضهم يمزق الأوراق التى كتبها، ويعيد كتابتها مجدداً!

ومع بدايات الحاسوب، انتقل بعضهم للكتابة على الحاسوب، ولديهم إمكانية الحذف، والإضافة. وفى الأبحاث، والمقالات، كان يمكن استخدام بعض الفقرات من المراجع، وإضافتها إلى متن الكتاب والبحث والمقال، وإسناده إلى المراجع المأخوذة منها.

كانت تقاليد البحث الأكاديمى الورقى تفرض قواعدها الصارمة فى الاقتباس، والإسناد المرجعى، ثم عدم اعتماد المراجع من الواقع الرقمى فى غالب الأكاديميات الغربية. ثم تطور الأمر إلى شيوع هذا النمط من الاقتباسات الرقمية فى الرسائل الأكاديمية، والمقالات، والكتب فى العلوم الاجتماعية.

أدت الرقمنة والحياة الرقمية إلى ظهور عدد من الظواهر فى الكتابة على النحو التالى:

1- تزايد الاقتباسات الرقمية فى الكتب والمقالات فى مجال الدراسات فى العلوم الاجتماعية (النظريات السياسية والسوسيولوجية، والأدبية)، وفى الدراسات النقدية فى الأدب، سواء من اللغات الأجنبية، أو من اللغة العربية، أو المترجمة إليها، بما يتنافى مع أسس البحث الأكاديمى.

2- تزايد بعض من السرقات الأدبية التى وصلت فى بعضها إلى نسبة بعض الكتب إلى غير أصحابها، ووضع الأسم عليها، واستخدامها فى التدريس الجامعى فى بعض الجامعات الإقليمية فى مصر على سبيل المثال واكتشاف بعض المؤلفين لهذه السرقات وفضح السراق.

3- لجوء بعض الأشخاص أو المراكز الخاصة التى تقوم بإعداد رسائل الماجستير والدكتوراه لآخرين نظير أجر وقيام بعضهم باقتباسات واسعة النطاق فى إعداد هذه الأطروحات للآخرين، دونما التزام بالقواعد العلمية فى الاقتباس، والانضباط فى الالتزام بأسس البحث الاجتماعى.

4- ضعف المحتوى العلمى والمعرفى، ونزعة الابتكار الخلاقة فى البحوث، وسيطرت النزعة الوصفية على حساب التحليل والتفسير والتركيب.

5- استمرارية ظاهرة تضخم السرود البحثية الوضعية، وعروض المناهج النظرية، والمفاهيم المستعارة من الكتب على بعض المواقع الرقمية، وانفصالها عن الحالات التطبيقية، دونما روابط عضوية بينها، وبين فرضيات، أو أسئلة، أو إشكاليات الأطروحة الجامعية.

هنا نحن لا نزال فى حالة سكون وجمود الحياة الأكاديمية وبعدها عن الإبداع البحثى فى العلوم الاجتماعية، والاستثناءات جد محدودة جداً فى الجامعات العربية، في ظل سطوة النقل من المراجع الغربية دون إسناد لها، ودون مراعاة لقواعد الاقتباس المنضبط.

6- نزوع بعض الباحثين فى العلوم الطبيعية إلى استخدام المواقع الرقمية فى التخصصات العلمية المختلفة فى استعارة البحوث الأجنبية، ونتائجها، وإسنادها إلى الباحثين، دونما تجارب معملية تثبت ما تم استعارته، وهى ظاهرة باتت شائعة، وتكشفها بعض الأنظمة المستخدمة لإثبات مدى دقة هذه الاستعارات البحثية والقائمين بها خارج البلاد.

ما سبق لا يعدو أن يكون بعض المظاهر التى تأثرت سلبيا بالرقمنة، على البحوث العلمية عموماً، وعلى المحتوى المعرفى الذى بات محدوداً جداً. والأخطر أن العقل النقلى الأكاديمى هو المسيطر، وغالبا لا توجد أطروحات -إلا قليلا- أو كتابات حول الحياة الرقمية، وتغيراتها فى مجال الكتابة، وعلى المحتوى المعرفى لها! وأيضا على المستوى الإبداعى!

لا شك أن غالب حركة النشر لا تميل إلى نشر هذه الكتابات إلا من خلال تمويل بعض المؤلفين لها مالياً لنشرها بدعوى أنها لا تجد اهتماماً، أو رواجاً من جماعات القراء إلا قليلاً، وغالبا تضيع حقوق المؤلف في هذا الإطار. ولا تميل المؤسسات الأكاديمية إلى نشر هذه الأطروحات الجامعية، التى تجيزها، والتى توصى لجان التحكيم الجامعية بنشرها، وتبادلها مع الجامعات الأخرى.

خامسا: المؤسسة الجامعية والإنتاج البحثى والرقمنة وأثرها على المحتوى المعرفى

التركيز على المؤسسات الجامعية العربية، وأثر الرقمنة على أداءها التعليمى، والمحتوى المعرفى لإنتاجها، يشير إلى عديد الأزمات الكبرى، قبل وبعد الرقمنة، ويمكن الإشارة إليها فيما يلى:

1- تزايد عدد الجامعات والكليات الحكومية، وفي كافة المحافظات، وبعضها كان مدارس ثانوية قبل اتخاذها مقار للجامعات الجديدة، ثم تمددها، وخاصة فى مجال العلوم الاجتماعية.

2- الطابع البيروقراطى الحكومى، وسيطرته على إدارة هذه الجامعات، وضعف تمثل العقل البيروقراطى -فى هيئات التدريس- والإدارة للرقمنة وثوراتها فى الخطاب الأكاديمى التقليدي المسيطر، أو فى العمل الإدارى!

3- تزايد في عدد الجامعات الخاصة، التى تحولت إلى مشروعات استثمارية. ولا تزال هذه الجامعات لا تهتم كثيرا بنوعية الجماعة الأكاديمية التى تقوم بالتدريس فى هذه الجامعات، على نحو بات يؤثر على مخرجات العملية التعليمية بها، ومن ثم على المحتوى العلمى. تستخدم بعض هذه الجامعات الرقمنة فى الإدارة، وأحيانا فى التدريس، إلا أنها لا تهتم كثيرا بالمحتوى المعرفى للعملية التعليمية لصالح البُعد الاستثمارى، والمالى المتحقق من إنشائها.

4- لا توجد حركة نقدية تتابع المحتوى المعرفى، وأثر الرقمنة على الخطابات الأكاديمية فى الجامعات.

5- ضعف الكتب الجامعية المقررة، والتى لا تزال سياسة التدريس فيها وبها تقليدية، وهو ما يظهر فى المراجع التى تعتمد عليها هذه الكتب، والتى تعود إلى منتصف القرن العشرين أو من عقد السبعينات إلى التسعينات، سواء على المستوى النظرى، خاصة فى كليات العلوم الإنسانية، ونقص شديد فى متابعة التطورات فى التخصصات الأكاديمية المختلفة على المستوى العالمى، أو الدراسات المقارنة نظرياً وتطبيقياً.

فى ظل هذه الأوضاع المأزومة، لا يزال أثر الرقمنة على التدريس والإنتاج الأكاديمى، وخطاباته ومحتواه الرقمى محدوداً، والاستثناءات قليلة من بعض الباحثين والمتخصصين، وأساتذة الجامعات، وذلك على الرغم من أن الرقمنة تتيح إمكانيات الإطلاع على عديد من المواقع الرقمية التى تقدم الكتب والدراسات الحديثة إلى القراء والباحثين والأكاديميين. من هنا يبدو أثر الرقمنة محدوداً فى تطوير البحث والخطاب الأكاديمى، فى تخصصات مختلفة فى العلوم الاجتماعية، والبحوث العلمية التطبيقية فى مجال العلوم الطبيعية.

سادساً: الثورة الرقمية والكتابة والكتاب وسوق النشر.. ملاحظات عربية

مع كل ثورة من الثورات الصناعية، من الأولى إلى الثالثة، كانت التحولات التقنية، وعلاقات الإنتاج، والتغيرات الثقافية، وفى مجال العلوم الاجتماعية، تأخذ بعض الوقت لكى تتم دراسة هذه التحولات، وإبداع مفاهيم، ومصطلحات، ونظريات جديدة، ومقاربات منهجية للتعامل البحثى، وإنتاج خطابات منهجية، وأكاديمية تتوافق مع الظواهر والمشكلات الجديدة.

كان الخطاب البحثى والأكاديمى -ومحتواه المعرفى- يستصحب بعض من الآلة الاصطلاحية، والمناهج السائدة قبل هذه الثورة، أو تلك، إلى حين إبداع تنظيرات وتحليلات جديدة مختلفة، يتطور معها البحث فى مجال العلوم الاجتماعية، وتطبيقاتها الميدانية، وكذلك الأمر فى مجال العلوم الطبيعية، وذلك فى الدول والمجتمعات، والجماعات الأكاديمية والعلمية فى الدول الأكثر تطوراً فى عالمنا، والتى حدثت فيها هذه الثورات، لاسيما، الثانية والثالثة.

إمعان بعض النظر فى ذلك يشير إلى ما يلى:

1- تفوق التقنية، وأولوية حدوثها على البحث السوسيو-سياسى، والسوسيو- دينى، والسوسيو- اقتصادى، والسوسيو- ثقافى، والفلسفي، حيث يحدث التغيير، ويتابعه بعد ذلك بفترات هذه الأنماط والخطابات البحثية التى تحاول فهمه وتحليله.

2- يميل العقل الأكاديمى، والبحثى، إلى اللجوء والاحتماء بالنظريات والآلة الاصطلاحية والمقاربات السائدة فى وصف يبدو به بعض المفارقة فى الوصف والتحليل والتركيب للمتغيرات الجديدة، عن واقعها الموضوعي، وانعكاساتها، ومآلاتها.

3- بطء بعض العقل الأكاديمى لاسيما النقلى فى التفاعل مع المتغيرات التقنية، وانعكاساتها السوسيو- ثقافية وغيرها، ولجوءه إلى مألوف أنماط التفكير السابقة على المتغيرات التقنية.

4- تذهب بعض الأنساق الثقافية السائدة وموروثاتها -لاسيما فى المنطقة العربية- إلى مقاومة المتغيرات والتحولات فى الواقع الموضوعى، لأنها تخترق السائد، وتحدث تحولاتها داخله ببطء أحيانا، لكن مع الرقمنة أحدثت تحولات كبرى لاسيما فى القيم وازدواجياتها، وخاصة مع الأجيال الجديدة من أبناء الرقمنة.

5- بعض العقل الأكاديمى الإيديولوجى أو المؤدلج يميل إلى مقاومة التحولات التقنية، وأثرها الاجتماعى والجيلى، وفى علاقات الإنتاج، والتهميش الجيلى.

لا شك أن هذه الملاحظات بدت من خلال المقاومة أو عدم التكيف، لاسيما فى الدرس والبحث الأكاديمى العربى والمصرى، وأدت إلى نمطيته، وركود بعضه، والاستثناءات مهمة لكنها محدودة، ومن ثم أدت إلى بروز فجوات بين الظواهر الجديدة، والتعامل الأكاديمى ومقارباته المنهجية والنظرية والاصطلاحية، ومحتواه المعرفى الذى يجافى الظواهر الجديدة فى وصفها، وتحليلها واستيلاد لغة ومصطلحات جديدة من داخلها، فى ظل تغير اللغة فى عالم الرقمنة والروبوتات الذكية، وأنظمة اللغة الضخمة.

السؤال ما أثر ذلك على مواقف بعض الجماعات الأكاديمية العربية من هذه التحولات الرقمية، وفى تطبيقات أنظمة الذكاء الاصطناعي، فى درسهم لظواهر الرقمنة، والذكاء الربوتى والتوليدي؟

هناك عدة اتجاهات في هذا الصدد يمكن تحديدها فيما يلي:

اتجاه أول، لا يزال بحكم العمر، وعدم المتابعة، عند مواقفهم الأكاديمية المحافظة، التى تدور حول أن هذه التغيرات فائقة السرعة، تحتاج إلى بعض الوقت لكى يمكن بحث آثارها على نحو يتسم بالجدية والموضوعة.

اتجاه ثانى، يحاول التقليل النسبى من أثر هذه التحولات فائقة السرعة، لاسيما فى الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعى، التوليدى وأثره على العقل الإنسانى، والإبداع الفكرى والسردى والروائى، وفى مجال الفنون، على الرغم من دخول بعض من أنظمة الذكاء الصناعى كفاعل فى هذه الأعمال الإبداعية.

اتجاه ثالث، هو اتجاه بتشيرى بالثورة الرقمية والذكاء الاصطناعى، واحتمالات تطورهما على نحو يؤدي إلى تهميش الوجود الإنسانى، ويؤدى إلى تهديد مستقبله لصالح عالم الروبوتات، وخاصة فى ظل تمددها فى المجالات الصناعية، والعمل فى قطاعات إنتاجية وخدمية، وأيضا عبر دخولها إلى مجال الفكر والإنتاج فى الكتابة علي نحو ما يظهر في روبوتات الدردشة، والبحث والفنون الإبداعية.

الاتجاهات الثلاث السابقة، تسود الموقف من تطورات الثورة الرقمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعى، وتسيطر على بعض الإنتاج البحثى والكتابى.

الموقف من هذه الاتجاهات الثلاث فى مجال أثر الرقمنة على الكتاب والكتابة من خلال الحالة الراهنة ومؤشرات التغير فى الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعى، يبدو على النحو التالى:

1- أدت الرقمنة إلى ازدياد الهوة والفجوات بين الأجيال فى التعامل معها، وأيضا فى نمط الكتابة والتلقي، والتمثل، من خلال تعامل الأجيال الشابة والأصغر سنا مع استخدامات وبرامج ومواقع، ولغة الرقمنة، بينما هناك عسر نسبى فى استخدام هذه اللغة الرقمية وتطوراتها بالغة السرعة، وأنظمتها وبرامجها التى تتجدد على نحو فائق. من هنا ثمة بعض من تراجع بعض الأجيال الشابة، والأصغر سنا من الصبية، للكتابة الورقية لصالح الكتابة الرقمية، التى لا تزال هى التى تعتمد فى التعليم الحكومى، وغالب الجامعات الخاصة، مع استخدام الحاسوب، فى العملية التعليمية، ثم دروس الزووم فى أثناء جائحة فيروس كرونا المتحور. لا شك أن نمط الكتابة الورقية، والتلقى القرائى، والمحتوى المعرفى مختلف عن نمط الكتابة الرقمية، والتلقى والتمثل الرقمى. في النمط الأول، سادت مقاربات وأساليب لغوية، وضوابط أكاديمية منهجية، فى المراجع، والمناهج، والاصطلاحات، وحدود الاقتباسات، والإحالات المرجعية، والتأمل، والتمهل والأناة فى القراءة والتفسير، والتوظيف، والتأويل، والاختلاف فى وجهات النظر، والترجيح فيما بين بعضها بعضا، على نحو أدى إلى الأدنى من العمق فى المعالجة، والتأنى النسبى فى الكتابة.

الأجيال الشابة يسودها الإيقاع السريع، وفائق السرعة فى النظر إلى الخطاب الرقمى –خطاب المنشورات، والتغريدات والصورة، والفيديو الطلقة- على نحو أثر على التركيز وبعض من عمق النظرة النقدية، والموازنة بين الآراء المختلفة والمقاربات المتعددة لذات الموضوع، فى الكتابة والبحث والفحص المنهجى.

2- أثرت اللغة الرقمية على مادة الكتابة وموضوعاتها السريعة وتغيراتها وطابعها الموجز جدا في الغالب الأعم، ومعلوماتها، حيث تسود بعض الأخبار والمعلومات الكاذبة، أو المغلوطة ونسبة بعض آراء رواد مواقع التواصل الاجتماعى إلى بعض الأدباء والمفكرين والعلماء الكبار على غير الحقيقة، أو للسخرية فى بعض المواقف السياسية النقدية أو الوقائع والأحداث الاجتماعية، مثل زي بعض المطربين والمطربات والممثلين والممثلات وطابعه وتصميمه الإثاري.. إلخ أو تصوير سرادقات العزاء، وسلوك بعضهن أو بعضهم أو هدم مقابر لمشاهير ..الخ!

3- هناك أيضا تأثير حالة ما بعد الحقيقة وأثرها على خطابات مواقع التواصل الاجتماعى الرقمية، أو بعض الخطابات السياسية أو بعض وسائل الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي المتلفز، وخاصة فى الحياة السياسية الرقمية –إذا جاز التعبير- إزاء خطابات الكذب، والأخبار الكاذبة لبعض السياسيين فى المجتمعات الأكثر تقدما، على نحو ما ساد فى مرحلة الإدارة الجمهورية ورئاسة الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب، وأيضا بعض قيادات اليمين المتطرف فى الدول الأوروبية، مثل فرنسا، وإيطاليا، وبلجيكا، وألمانيا، والدانمارك على سبيل المثال، وأيضا هيمنة الأكاذيب، واللغة المجانية فى خطابات الدول الشمولية والتسلطية فى جنوب العالم، والمنطقة العربية.

4- أدت الرقمنة إلى حالة من التداخل بين اللغة العربية، وركاكة استخداماتها، وبين اللغة المحكية، وبروز بعض الكتابات والترجمات من اللغات الأجنبية باللغة العامية على نحو ما بات يظهر على استحياء حينا، وبصراحة فى مصر، وذلك فى إطار خطاب الهوية الانقسامية، والنزاعية بين الاتجاهات السياسية، والفكرية المختلفة.

5- فرضت الرقمنة بعض الإشارات والعلامات فى الكتابة الومضة -إذا جاز التعبير وساغ- السريعة فى التعبير ودلالته، بين الأجيال الأصغر سنا، والشباب، وهو ما يمثل دلالة على تراجع المحتوى المعرفى، لصالح المحتوى الاتصالى والمعلوماتى المحكي وطابعه الشفاهي فيما بين بعضهم بعضا.

6- تأثير الصور، والفيديوهات الطلقة، على العمليات الذهنية، ومن ثم تأثيرها على السرود التخيلية فى القصة القصيرة، والرواية، والشعر، وفى الاقتباسات فى بعض الأعمال، وتأثرها بالصور، وبعض الأفلام السينمائية.

 7- ازدياد النقل، والاقتباسات فى المقالات دون إسناد مرجعى لمصادرها، ونسبة بعضهم لها، مع بعض القنص للأفكار والسرقات الأدبية الرقمية، من بعض المواقع، وأيضا فى الكتب، والرسائل الأكاديمية، على نحو أثر سلبا على المحتوى المعرفى لها، وهو ما دفع بعض الجامعات إلى تبنى برامج للكشف عن مصادر بعض الأطروحات، ومدى توافقها مع الضوابط الأكاديمية فى الاقتباسات، ومدى دقة إسنادها المرجعى من عدمه، والكشف عن بعض السرقات الأدبية من الحياة الرقمية فى مجال البحوث، والكتب، والمقالات العلمية، سواء البحوث فى العلوم الاجتماعية، أو الأبحاث التطبيقية فى العلوم الطبيعية.

8- تراجع الحركة النقدية فى مجال الكتابات والبحوث فى العلوم الاجتماعية، والطبيعية التى تتابع الإنتاج وتقييمه نقديا من حيث التقليد والاتباع، والتجديد، والإبداع المعرفى، ومقارناته بالدراسات المتخصصة على المستوى الدولى، والإقليمى، والدراسات المقارنة، والكشف عن عمليات الانتحال، والسطو العلمى فى بعض هذه الأعمال. من ناحية ثانية، شيوع ظاهرة العصبة، والشلة الأدبية ونقادها، ومجاملاتهم المتبادلة فى نقد الأعمال الأدبية، والنقدية، وتقويمها من حيث الانتحال، أو الترجمة وإسنادها بعض الكتاب وغيرهم، فى الكتب التقدية للسرود الأدبية، والترجمات الآلية التى تنشر، وتتسم بعدم الدقة، على نحو أدى إلى بعض من الفوضى فى الدراسات الأدبية، والنقدية.

9- أثرت القراءة الرقمية الومضة والسريعة لدى بعض الأجيال الشابة، وصغيرة السن إلى تراجع قراءة الكتاب المطبوع، وتحول عديد من الكتب إلى كتب رقمية، وبعضها تم نشره وتوزيعه رقميا دون مراعاة لحقوق الملكية الفكرية، وبعض الكتب يتم نشره خلال أيام من صدوره ورقيا، وينشر رقمياً دون إذن من دار النشر، أو المؤلف، وهو ما يؤدى إلى تراجع القراءة والتلقى للكتب الورقية والمقالات والروايات، التى يتراجع أعدادها، فى الطبعة الأولى إلى أعداد محدودة لا يتجاوز أكثرها من ألف إلى خمسمائة نسخة للكتاب دون المكانة والذيوع، وبعض دور النشر تنشر من خمسين إلى مائة ومائتين نسخة فى الطبعة الأولى، ثم ذات العدد أو أكثر إذا ما راج الكتاب، وتشير إلى طبعة ثانية وثالثة.. إلخ فى سياق الترويج لما يطلق عليه الأكثر مبيعاً، وهى ظاهرة مصطنعة، لا ظل لها فى الواقع القرائى الفعلى.

10- تشارك نوادى القراءة، وورش الكتابة القصصية والروائية فى الترويج لبعض الكتب والروايات، والمجموعات القصصية، بقطع النظر عن أهميتها، أو قوة أو ضعف مستواها الأدبى، أو المحتوى المعرفى لبعض الكتب، وتستخدم هذه المجموعات/ الشلل الواقع الرقمى فى الترويج لأعضائها، ونقادها من خلال الحياة الرقمية بالصور، والمنشورات، وأغلفة الكتب. وقد يؤدى ذلك إلى بعض الرواج المحدود الذى لا يتجاوز عشرات، أو بعض مئات من النسخ، ويظل التوزيع محدوداً فى ظل عسر الفئات الوسطى/ الوسطى، والصغيرة، فى دول العسر العربية.

11- تزايد ظاهرة تمويل بعض الكتاب لبعض دور النشر فى نشر كتبهم، فى أعداد محدودة digital، وتضع بعض هذه الدور شروطا فى عقود نشر الكتب تفرض على الكاتب مدة خمسة سنوات لاستغلال الكتاب، وشرط الحصول على نصف قيمة الجوائز التى قد يحصل عليها الكتاب. هذا يشكل نمطا مماثلا لعقود الإذعان، وأيضا ينتهك حقوق المؤلف، بالنظر إلى بعض من عدم التنظيم لدور النشر، والعقود التى تبرمها مع الكتاب.

12- لا يزال الكتاب ومحتواه المعرفى يخضع فى دور النشر الكبرى إلى الدور الوظيفى لمحررى الكتب والروايات والشعر... إلخ والمحتوى المعرفى، أو الإبداعى، والفنى، على نحو يجعل الكتاب صالحا للنشر. فى العالم العربى تبدو نادرة وظيفة المحرر، التى تلجأ إليها بعض دور النشر الكبرى، لكن عدم لجوء غالب دور النشر لها، يؤدى إلى ضعف المحتوى المعرفى، والبحثى، والابتكارى لها، أو الإبداعى فى الروايات، أو القصص والأشعار، ومن ثم أدى ذلك إلى الرداءة والسطحية فى عديد الأعمال.

13- ساهم التطور الرقمى فى تطوير أغلفة الكتب –بقطع النظر عن محتواها ودلالتها- من خلال الطباعة الـ digital، وذلك لجذب عيون القراء، وأيضاً لبعض من التجديد لدى بعض مصممى الأغلفة من مصممى الجرافيك، وهو تغير نسبى فى فن صناعة الكتاب، مع ملاحظة رداءة ورق الكتب، للتقليل من التكلفة، قبل وبعد ارتفاع أسعار ورق الطباعة مع ارتفاع سعر صرف الدولار فى بعض الدول، واستيراد الورق من الأسواق الخارجية!

14- ظهور بعض الاهتمام القرائى بالترجمات الروائية والفلسفية، من بعض الجماعات القرائية فى العالم العربى، وهى أعمال روائية من الأدب العالمى المتنوع من أمريكا اللاتينية والواقعية السحرية، والاتجاهات الأدبية الأوروبية، وحول كتاب من ذوى أصول أفريقية وآسيوية، وهاجروا، أو ولدوا داخل هذه المجتمعات أو نزحوا إليها كمهاجرين، وعاشوا حياة اتسمت بالخصوصية، والأزمات، وكتبوا عن عالمهم الخاص، وهى روايات حاز بعضها على جوائز عالمية، كالبوكر... إلخ، أو بعض كبار الكتاب ممن حصلوا على جائزة نوبل فى الأدب، أو غيرها من الجوائز الكبرى.

لقد شاعت الكتب الفلسفية المترجمة فى أعقاب فشل "الربيع العربى"، وميل بعض القراء الشباب على قلتهم لفهم فلسفى للوجود الإنسانى، والفرد، والحرية، والجسد... إلخ! ولجأ بعضهم إلى الكتب الفلسفية المترجمة لفهم أوضاع الإنسان فى العالم المتحول.

15- قلة الأعمال البحثية عن سوق النشر ومشاكله، وغالب ما ينشر يدور حول شكاوى الناشرين دون الكتاب، أما الأعمال البحثية عن اتجاهات النشر الحكومية والخاصة، وتحليل اتجاهاتها وأولوياتها فى النشر، والتى تتم وفق أولويات المكسب والخسارة، لا زالت قليلة. وهناك غياب لما يمكن أن يطلق عليه سياسات للنشر، سواء للنشر الخاص، أو الحكومى، وتقوم على فلسفة وأولويات، وخطط للنشر، تتسم بسد النقص فى بعض التخصصات، أو متابعة التطورات المختلفة فى إنتاج دور النشر العالمية، والاتجاهات الفكرية والبحثية والعلمية الجديدة التى تتابع التطورات التقنية والرقمية، والذكاء الاصطناعي على نحو رصين.

16- يميل بعض الكتاب نظراً لمشاكل النشر والناشرين إلى نشر أعمالهم على صفحاتهم على الفيسبوك، أو بعض المواقع الرقمية. بعض المواقع الرقمية- أمازون، وأبجد... إلخ- تساهم فى النشر الرقمى والبيع مقابل اشتراك، ومشاركة دور النشر ببعض من نسب الاشتراكات، والبيع، ومعهم الكتاب، وهى تجربة لا تزال فى بداياتها.

هذا الواقع الكتابى، والكتب وصناعتها تواجه عسرا على عسر، وأثر الرقمنة التى تحمل بعضها لوقت قد لا يتعدى الأجل المتوسط، أو البعيد فى أكثر التوقعات، وسرعان ما ستحدث تحولات فارقة فى الكتابة والفنون، والبحث الأكاديمى، والمحتوى المعرفى.

سابعا: أنظمة الذكاء الاصطناعى وأثرها على الكتاب والإنتاج الأكاديمى والمحتوى المعرفى

الثورة الرقمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي ليست كغيرها من التطورات التكنولوجية والمعرفية التى كانت سائدة فى مراحل التطور التاريخى من الثورات الصناعية الأولى والثانية والثالثة، ومن ثم انعكاساتها على إنتاج المعرفة وإبداع الفنون، بل فى العلوم الطبيعية، لن يكون قصرا على الإبداع الإنسانى، الفردى أو الذى يتم فى إطار المؤسسات الأكاديمية، والصناعات الثقافية التى اعتمدت تاريخياً على الجهد الإنسانى المبدع. نحن إزاء نقلة، وتحول فى مركزية الإنسان فى الكون ومحمولاتها الفلسفية، والسوسيولوجية، والسياسية وفى الفنون، خاصة فى ظل مؤشرات التحول إلى مرحلة الإناسة الربوتية، وما بعد الإنسان.

فى مرحلة الرقمنة وبداياتها، بدت بعض الانعكاسات على عمليات إنتاج المعرفة، ومحتواها، ومستوياتها من خلال ما يلى:

1- اعتماد بعض الباحثين داخل المؤسسة، وخارجها، على اللجوء إلى بعض المصادر الرقمية فى جمع المعلومات، والمقالات، والكتب والاقتباسات من المواقع الرقمية المختلفة، وهو ما أدى إلى ما يلى:

أ- ازدياد الاقتباسات من المصادر الرقمية فى الدرس الأكاديمى، وكتابة المقالات البحثية، أو الإسناد المرجعى.

ب- بعض من السطو والقنص على بعض المصادر، وإسنادها إلى الباحث، وهى ظاهرة بدأت فى بعض الجامعات العربية، بل وعلى بعض المواقع، ويتم بعد فقرة اكتشاف هذه السرقات الأدبية،ـ وخاصة فى بعض الجماعات والكليات العربية.

ج- ضعف الأطر النظرية للإنتاج البحثى، ومحتواها المعرفى، والانفصال البحثى، على نحو بات يمثل ظاهرة فى عديد المؤسسات الأكاديمية العربية، وشيوع الحشو والركاكة الأسلوبية.

د- يسرت بعض مواقع المكتبات الكبرى عمليات اللجوء إلى الكتب الرقمية.

فى ضوء هذه السلبيات اتخذت بعض المؤسسات  الأكاديمية الغربية في البداية موقفا يرفض لجوء بعض الباحثين إلى المصادر المرجعية الرقمية، وخاصة المقالات، واعتصمت بالمصادر الكتبية والمقالاتية المنشورة ورقيا، خاصة فى الأكاديميات الغربية والمجلات العلمية.

ه- بعض الجامعات العربية، وقلة من المدارس الأكاديمية، اتخذت ذات الموقف الأكاديمي الغربى، ثم سرعان ما تخلى بعضها عن ذلك، مع تطور الرقمنة والنشر الرقمى.

و- مع تطور الرقمنة، وتزايد النشر الرقمى، وخاصة مع تزايد مشكلات النشر، وخاصة فى المجال الأكاديمى، لجأ بعض الباحثين والكتاب خارج الدوائر الأكاديمية إلى الكتب المقررة على الطلاب، وخاصة فى الكليات ذات الأعداد الكبيرة، كالحقوق والتربية والتجارة، ولجوء عديدين إلى النشر الرقمى، فى ظل هيمنة المتابعات والمشاركات على المواقع الرقمية المعنية بالكتابات السوسيولوجية والفلسفية والسياسية.

ز- ساهم فى تمدد النشر الرقمى ازدياد المجلات الرقمية، خاصة فى المنطقة العربية، نظراً لإغلاق عديد من المجلات الفكرية والنقدية، فضلا عن أن إصدارات الكليات الجامعية، باتت عرضية، وليست على نحو مستدام، من ثم لجأ بعض الباحثين إلى النشر الرقمى.

ح- تراجع عدد نسخ الكتب الورقية عموما، لاسيما الفكرية، وأيضا الكتب الأدبية -الروايات والقصص والشعر والنقد الأدبى النظرى والتطبيقى- على نحو أدى إلى لجوء بعض الكتاب والأكاديميين إلى النشر الرقمى.

ط- تأثرت بعض مراكز البحث بأزمة النشر والتوزيع للكتب الورقية ولجأت إلى إنشاء مواقع رقمية، لأنها هى الأكثر مقروئية من الورقية، وخاصة مراكز البحث السياسى والاستراتيجى العربية، ومثالها موقع  مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

ي- انتشرت فى المرحلة الأولى للرقمنة بعض البرامج للكشف عن نسب استخدام الباحثين والطلاب للمصادر المرجعية فى أبحاثهم وكتاباتهم، وتم تحديد نسب –فى كل تخصص- فى اعتمادهم على النقل والاقتباس من المراجع، ورفض ما يتجاوز ذلك فى العلوم الاجتماعية، وأيضا فى العلوم الطبيعية.

ك- أدت البرامج الرقمية فى الإحصاءات والبيانات إلى تيسير عملية وضع الخرائط، وتصنيف البيانات، ودلالاتها، من خلال هذه البرامج، وهو ما يعكس تأثير الصور فى التلقى الرقمى لمستهلكى ورواد وسائل التواصل الاجتماعى، على العمل والإنتاج الأكاديمى، سواء فى النشر الرقمى، أو أساليب التدريس، عبر الفيديو، وغيره، واستخدام الحاسوب فى عرض الأبحاث على الجمهور والطلاب.

2- ما سبق هو جزء من أثر الرقمنة فى مجال البحث والكتابة، وهو ما أثر على بعض المحتوى المعرفى، وذلك للأسباب التالية.

أ- تيسير عملية البحث عن مصادر المعلومات والمراجع العلمية، على عكس الاعتماد على الكتب والمقالات الورقية فى المكتبات ودور النشر، على نحو يؤدى إلى التأمل والتقصي قبل البدء فى إعداد الخطط البحثية، والأسئلة والإشكاليات والفرضيات. من هنا أثر يسر وسهولة الوصول إلى المراجع إلى هيمنة بعض من النظرات السريعة على هذه المراجع، وأثر ذلك على القراءة والتلقى العميق لها، وموقعها فى سياق العملية البحثية.

ب- فى مجال العلوم الطبيعية باتت هناك سرعة استخدام نتائج البحوث السابقة والمنشورة، والاعتماد عليها، دونما إجراء فحص لهذه النتائج، وبعضهم تم إسنادها إلى بحث له، دون إجراء هذا البحث، وهو ما تكشف عنه برامج محددة فى كل تخصص عن مصادر البحث الأساسية، ومن قام بها من الباحثين فى التخصص على المستوى الوطنى أو العالمى.

ثامنا: التغير فى الكتابة والتلقى الرقمى، وأثره على المحتوى الرقمى

أحد أبرز التغيرات التى شملت الكتابة والتلقى الرقمى على وسائل التواصل الاجتماعى، هو الميل إلى القراءة السريعة، وانتشار خطاب الصورة، والفيديو الطلقة، وهو ما أدى إلى تراجع النظرات الفاحصة للمعلومات المغلوطة والأخبار الكاذبة، بالإضافة إلى ظاهرة مرحلة ما بعد الحقيقة post-truth، وذلك على نحو واسع، خاصة مع تمدد اليمين المتطرف فى بعض البلدان الأوروبية، والظاهرة الترامبية فى الولايات المتحدة الأمريكية. لا شك أن هذه الظواهر أثرت سلبا فى الحياة الرقمية والفعلية. السؤال هل الكتب ومحتواها المعرفي تأثر بهذه الظواهر؟

لا شك أن الواقع السياسى الفعلي تأثر مع الحياة الرقمية بهذه الظواهر، سواء فى الكتابة الرقمية أو الكتابة الورقية، خاصة مع دخول الجموع الرقمية الغفيرة إلى وسائل التواصل الاجتماعى، ومشاركتها فى إنتاج خطاب المنشورات، والتغريدات، والخطاب المرئى والفيديوهات الوجيزة جدًا. لا شك أن ذلك أثر على نمط التلقى فائق السرعة، على نحو أدى إلى بعض التأثير السلبى على القراءة السريعة، والسطحية من الأجيال الشابة والأصغر سنًا.

بروز بعض الفجوات بين الظواهر الرقمية الجديدة وأثر الرقمنة على الإنتاج العلمى والمعرفى، وبين الآلة الاصطلاحية، والنظرية والمفاهيمية المهيمنة فى الدراسات السوسيولوجية والفلسفة والقانونية والسياسية.. إلخ! على نحو يربط الظواهر الرقمية، بما قبلها، ومن ثم لا يساهم ذلك فى التطور المعرفى لدى بعض الباحثين. بعضهم يلجأ إلى بعض الكتابات الجديدة فى تفسير سوسيولوجيا الرقمنة، وإلى بعض المفاهيم السابقة على الرقمنة فى دراساتهم!.

أدت الرقمنة إلى سلاسة الوصول إلى مصادر المعلومات، والنزعة إلى التلخيص، والايجاز، والتبسيط، والإحالات إلى المصادر الرقمية، وأحيانا اللجوء إلى مصادر مضللة، أو كاذبة، أو أبحاث لم تتم أساسًا على بعض المشكلات والأزمات والقضايا أو الظواهر!

ثمة ميل لدى بعض الباحثين إلى النزعة التعميمية فى كتاباتهم الرقمية –دون مسوغات منهجية لذلك- وهى جزء من ثقافة الجموع الرقمية الغفيرة، ونمط تفكيرها، وميلها إلى التبسيط والتعميم الذى يفسر كل شىء ولا يفسر شيئًا. بعض هذه النزعة أثرت على بعض الباحثين فى المؤسسة والجماعة الأكاديمية.

أدت أنظمة الترجمة الآلية إلى لجوء بعضهم إليها، على الرغم من بعض الأخطاء الترجمية الفادحة، وخاصة فى الدراسات النظرية التى تناولت بعض التطور النظرى، والاصطلاحى، وخاصة فى الدراسات الأدبية النقدية، وبعض السرد الروائى والقصصي والشعرى، دونما متابعة ودراسة لتطور هذه النظريات الأدبية النقدية، وهو ما أدى إلى بعض من الفوضى، والتشوش فى توظيف هذه الآلة النظرية فى النقد التطبيقى للأعمال الأدبية.

لا شك أن الفجوات بين الدراسات الأكاديمية فى بعض الجامعات العربية، وبين التطورات فى التخصص، لم تستطع الثورة الرقمية أن تؤدى إلى سدها أو تجسيرها عبر الترجمة الآلية، في تطورها الحالي، ومن ثم لا تزال الفجوة فى حالة تمدد، وازدياد مسافاتها بين الإنتاج النظرى، وتطبيقاته فى التقاليد الأكاديمية الغربية، والمقارنة وما يجرى فى بعض تفاعلات الجماعات الأكاديمية العربية التي تسودها حالة من السكون المعرفى، أو سيطرة خطاب التعميمات، أو ما يطلق عليه فىى التعبير السودانى الذائع "الكلام الساكت"، أو "اللغة الخشبية" فى الوصف الفرنسى.

إن تمدد المعرفة، والكتابات السوسيو- سياسية، والسوسيو– قانونية، والنقدية فى مجال الدرس النقدى التطبيقى خارج النطاق الأكاديمى، وسرعة متابعاتها للظواهر الاجتماعية والثقافية، والمشكلات القانونية فى الواقع الاجتماعى، وبطء الدرس الأكاديمى، أدى إلى تبنى بعض الجماعة الأكاديمية لها. يبرر ذلك فى سرعة متابعة الباحثين خارج الوسط الأكاديمي للأزمات السياسية للنظم السياسية، والنخب السياسية الحاكمة والمعارضة، وتراكم الأزمات وتفاقمها على عديد الصعد. أيضا المشكلات البينية العربية– العربية، جعلت مثل هذه الدراسات، والتحليليات، والمقالات الورقية، وعلى الواقع الافتراضى جزءًا مقبولا  من الجماعة الأكاديمية فى العلوم السياسية، وأيضا فى الدراسات السوسيولوجية العربية عن الحياة اليومية، وأيضا فى سوسيولوجيا القانون، حول الأحكام القضائية، وما وراءها من مشكلات اجتماعية. ثمة ازدياد فى قبول الجماعة الأكاديمية لمثل هذه الكتابات لأنها تشارك فيها على نحو كبير.

تاسعًا: انعكاسات الإنتاج المعرفى المرئى على الوسط الأكاديمى

تشكل المعرفة المرئية، سواء من خلال النشر الرقمى أو الكتابات النقدية، أحد أبرز انعكاسات الثورة الرقمية على الإنتاج المعرفى فى عديد التخصصات فى مجال العلوم الاجتماعية والطبيعية، وعلى الوسط الأكاديمى من خلال اللجوء إليها وسرعة فى الوصول إلى بعض مصادرها التى تم نشرها رقميا –أيا كان تاريخ إنتاجها وقيمتها المعرفية فى تخصصها- وخاصة الإنتاج الأدبى فى الرواية والقصة القصيرة والشعر، الذى بات يمثل فيضانا سرديا على المواقع الرقمية، كمصادر للنقد التطبيقى ومعه الدراسات النظرية المترجمة أو أصولها الأجنبية.

السؤال الذى يُطرح فى هذا الصدد، هل تؤثر الصور والفيديوهات الطلقة على الإنتاج الأكاديمى ونمط التلقى أو القراءة الرقمية، والكتابة؟

 باتت الصورة، والفيديو الومضة –إذا جاز التعبير وساغ- مهيمنًا على الحياة الرقمية، سواء فى الإنتاج، أو التداول كجزء من حالة الانكشاف، ونهاية الخصوصية، مع الثورة الرقمية، فى حالة الولع الجماعى بتصوير الذات فى عديد حالاتها، االمترعة بالنرجسية المفرطة، أو تصوير الآخرين، والأمكنة والشخصيات العامة. من هنا أثر ذلك على التلقى/التمثل الرقمى فائق السرعة، الذى يعكس عصرنا فائق السرعة، فى كل شىء، من الاستهلاك الفعلى للطعام السريع، إلى القطع الموسيقية السريعة، والغناء/ الأغنية القصيرة السريعة الاستهلاك والتلقى، وهو ما أثر على عملية القراءة/ النظرة الومضة السريعة على خطاب المنشورات والتغريدات، والصور، والفيديو الطلقة. لا شك أن هذه الظاهرة الرقمية واسعة النطاق تمثل موضوعا للدراسة، من حيث تأثيرها على الإنتاج الأكاديمي والمعرفى، لسبق تأثيرها على الإنتاج الاعلامى فى جميع تخصصاته المكتوب، والمرئى من حيث الانتقال إلى الرقمى لمواقع الصحف الكبرى، وسرعة تداول الأخبار، سواء على هذه المواقع، أو من خلال مواقع الاتصال الاجتماعى، وظهور المواطن الصحفي، فى نقل الأخبار والأحداث من مواقعها وقت حدوثها! لا شك أن بعض هذه الظواهر الرقمية تشكل موضوعا للبحث السوسيو –ثقافى، والسوسيو-أدبى، وخاصة فى أثرها على السرود الأدبية الوجيزة، وخاصة توظيف الرقمنة وخطابها المرئى، وصوره الومضة، وفيديوهاته الطلقة فى بناء الصورة، ونسيج العمل، وإيجازه وكثافته، على نحو ما حدث من أثر السينما والتلفاز على السرود الروائية والشعرية بما فيها شعر العامية.

بعض الباحثين العرب تناول بعض السرود الرقمية فى دراسات نقدية تناولت بعض السرود الروائية والشعرية بما فيها شعر العامية. وبعض الباحثين العرب تناول بعض السرود الرقمية، فى دراسات نقدية مثل زهور كرام (المغرب)، وسلوي السعداوي (تونس)، وآخرين.

هل الخطاب المرئى -الصور والفيديوهات القصيرة جدا- يؤثر على العمليات البحثية؟

المرجح نعم من حيث كونها تشكل مادة للبحث فى عديد التخصصات. من ناحية ثانية، ميل المنشور من هذه الدراسات إلى الإيجاز المكثف، والتلخيص، وعرض النتائج، وأيضا الإشارات المرجعية، مع استخدام الرسوم البيانية والإحصائيات والجداول، وبعض الصور لتوثيق عناصر البحث ونتائجه، بل يمكن تصور استخدام الفيديو كمرجع، أو جزء من المتن البحثى مستقبلا.

على سبيل المثال، فى تحليل البناء الإدراكى لبعض القادة السياسيين يمكن استخدام الفيديو لبعض الخطابات، فى أثناء الأزمات السياسية الداخلية، والإقليمية، والدولية، لدرس الثبات الانفعالي أو الإلتزام بالخطاب السياسى المكتوب، أو الخروج عنه، أو فى الإجابة على أسئلة الصحفيين والإعلاميين.. إلخ.

لاشك أن مثل هذا التأثير يمكن أن يمتد إلى الدراسات الخاصة بالعمران، والتحضر، والانفجارات العشوائية فى بناء السكن العشوائى، وسوسيولوجية السكن –إذا جاز التعبير وساغ- من حيث الحيز العمرانى، والعلاقة مع الفراغات العامة، وظواهر التحضر المشوه. هنا يمكن استخدام الصور الرقمية، والفيديوهات كجزء من البحث، أو المقال. تطور الإنتاج المرئى الرقمى سيؤثر على الإنتاج البحثى الأكاديمى، وغيره، وسيؤدى إلى القبول بذلك فى الوسط الأكاديمى، وسيفرض معاييره الخاصة فى هذا الصدد فى الآجال القصيرة، والمتوسطة، والبعيدة.

هل تفرض هذه الانعكاسات المرئية الرقمية قواعدها الجديدة، وتفرض طرقا مختلفة فى استعمال الكتاب حامل المعرفة القديم؟

المرجح استمرارية الكتاب الورقى القديم إلى الأجلين المتوسط والبعيد كأحد مصادر المعرفة، لكن المرجح انتقاله من الورقى إلى الرقمى كجزء من عمليات الرقممنة، والمكتبات الرقمية، إلا أن المرجح أيضا أن تأخذ المعرفة أشكالا جديدة فى الكتاب المتعدد المكونات الرقمية من الكتابة البحثية الرقمية، والصورة، والفيديوهات، والرسومات، والبيانات والرسوم البيانية. يمكن أيضا تصور نهاية الكتاب التقليدى لصالح الخطاب المرئى البحثى والاستقصائى، على نحو ما تم فى الصحافة الاستقصائية. الأخطر أن لغة الكتابة/ الكتاب فى ظل هذه التطورات الرقمية فائقة السرعة، ربما تتغير على نحو غير مألوف أو متوقع، وذلك على النحو التالى:

1- ميل بعض الباحثين إلى اللغة الشفاهية على الفيديوهات الرقمية والانتقال من اللغة العربية الفصيحة إلى اللغة الشفاهية المحكية، فضلًا عن الاتجاه الذى بدأ بالكتابة والترجمة إلى اللغة العامية من اللغات الأجنبية. هذا الاتجاه بات جزءًا من السجال حول اللغة والهوية في بعض البلدان العربية، مصر على سبيل المثال، أو ببعض اللغات غير العربية التي باتت تسود في الخطاب الرقمى على مواقع التواصل الاجتماعى من الجموع الرقمية الغفيرة لبناء تواصل معها، وإيصال المعرفة عبرها، من خلال التبسيط اللغوى الحكائى، وفى ضرب الأمثلة في الخطاب البحثى، لإنتاج التواصل لغويا مع الجموع الغفيرة.

2- تفرض الرقمنة على اللغات المختلفة لغة رقمية توليدية مع الذكاء الاصطناعي والمرحلة الروبوتو إنسانية– الأناسة الروبوتية– حيث تتوالد، وتنمو، معها اصطلاحاتها، واختصاراتها المختلفة، والدالة، وهو ما سيؤدى إلى حلول هذه اللغة الرقمية وتطورها، مع تطور الرقمنة، والذكاء الاصطناعى إلى حلول لغة كونية عابرة للغات المختلفة، ومن ثم تؤدى إلى توسيع وكثافة الاتصال العالمى، وخاصة في ظل استخدامات اللغة المرئية الرقمية، من صور وفيديوهات... إلخ.

ما سبق محض مرحلة في الثورة الرقمية، وانعكاساتها على الكتابة الأكاديمية، وخارجها، ومؤشرات تغيرها، لكن السؤال الكبير ما هو مصير الأكاديمية والكتابة والإنتاج المعرفى، في ظل تطور الذكاء الاصطناعي، وChat GPT وغيره من الأنظمة الروبوتية التوليدية، وتطورها السريع في ظل تنافسات ضارية بين الشركات الرقمية الكبرى؟

عاشرًا: هل هي إرهاصات عصر ما بعد الأكاديميا التقليدية إلى الأكاديميا الرقمية الروبوتية؟

يتعين بداية تناول التحول الجديد في عصر الذكاء الاصطناعي، والأناسة الروبوتية، وذلك على النحو التالى:

1- التطور فائق السرعة في مجال الرقمنة والذكاء الاصطناعي أدى إلى دخول هذه الابتكارات التقنية، والأنظمة والبرامج الرقمية، وفى مجال الذكاء إلى جميع المجالات، من العمل، والإدارة، والتحليل للبيانات الضخمة، والتسويق، والأعمال المالية والمصرفية، وفى المجالات الطبية، والتصميم الهندسى، على نحو بات يشكل تحديًا لمفهوم ووظيفة التفكير، والعمل الإنسانى، وإلى حالة من الإزاحة للإنسانى لصالح الروبوتى، على نحو بات يشكل تهديدا للوجود  الإنسانى. وتطرح هذه التحولات أسئلة جديدة حول إشكاليات المعنى في الحياة، وأيضا الوجود الإنسانى، وثورة على مركزية وجوده في الكون!

2- الأخطر أن الوظائف الروبوتية الجديدة والمتجددة في الذكاء الاصطناعى لم تعد محض أداتية، وإنما انتقلت إلى مجال البحث، والكتابة، والفنون الإبداعية في السينما، والموسيقى، والفن التشكيلى، والتصوير الفوتوغرافى والرقمى، وبدت معها بشائر قيامها بهذه الأعمال، وتؤشر إلى أن تطورها سيؤدى إلى إمكانية أن تلعب أدوارًا إبداعية على مستوى الفكر مستقبلا، والبحث الأكاديمي، في مجال إنتاج البحوث، وكتابة المقالات، من خلال ما هو متاح من البيانات الضخمة على وسائل التواصل الاجتماعى، والمواقع الرقمية البحثية، وأيضا إمكانية الوصول إلى المكتبات الرقمية، مع ظهور Chat BPT، وبارد Bard، من شهر نوفمبر 2022 إلى الآن واحتمالات تطورها في ظل التنافس بين الشركات الرقمية العملاقة في إمكانياتها وميزانياتها، وأرباحها  الضخمة، وأيضا خسائر بعضها بين الحين والآخر.

3- الأمر لا يقتصر على روبوتات الدردشة، وإنما دخلت الروبوتات عالم الطب، ليس فقط في مجال المساعدة وتقديم بعض الخدمات الطبية المساعدة للأطباء أو الأطقم المساعدة، أو المرضى، كتقديم الطعام، أو الدواء.. إلخ، وإنما لإجراء العمليات الجراحية، وهى بداية ستتطور مستقبلا. في هذا الصدد قام بعض الجراحين في مستشفى "فال ديبرون" في برشلونة بإسبانيا باستخدام روبوت رباعى الأزرع لإجراء عملية زرع رئة بتقنية رائدة من خلال شق بطول 8 سم وفوق الحجاب الحاجز مباشرة، وهو إجراء أقل إيلاما، وأكثر أمانا من الطريقة التقليدية التي تتطلب شقا بطول 30 سم وفترة حرجة بعد الجراحة، وذلك وفقا لرويتر.

لا شك أن هذا الحدث يحمل معه دلالات هامة بشأن تطور أنظمة الذكاء الاصطناعى، والدور الوظيفى للروبوتات، ومألات تطورها في الحياة الإنسانية، وفى بعض المجالات التي كانت جزءًا من العقل الإنسانى الخلاق، كالطب والهندسة، وخاصة البرامج الهندسية في الانشاءات، والتخطيط العمرانى، وتصميم المباني، وتخطيط التجمعات السكنية.. إلخ.

4- الحدث الأهم هو نظام  الـ Chat GPT، ونظام Open AI، المدعوم من مايكروسوفت، وDeep Mind من جوجل، وسعى ايلون ماسك إلى إنشاء منافس ثالث لكليهما. أنظمة الدردشة الروبوتية دخل إليها منذ نوفمبر 2022 مئات الملايين من الأفراد والجموع الرقمية الغفيرة، حيث جرى النقاش معها فى عديد الموضوعات، والأهم إعداد المقالات، وبثها بناءا على طلب المشارك في الدردشة.

قبل نظام الدردشة مع الروبوت، طُلب من أحد الروبوتات كتابة مقال دونما معلومات أو معطيات، وكتب مقالا عاديًا، وكان ذلك مؤشرًا هامًا على الدور الذى من الممكن أن تلعبه الروبوتات في مجال الكتابة. جاءت الأنظمة التوليدية الجديدة للمحادثة الإنسانو –روبوتية تمثل نقلة بالغة الأهمية من حيث أثرها المستقبلي.

تعتمد روبوتات الدردشة علي المعلومات المتاحة على الواقع الرقمى بما فيها المعلومات المغلوطة، أو غير الدقيقة، أو المبتسرة أو الجزئية، أو الكاذبة، أو المضللة التي قد تنطوى عليها المنشورات والتغريدات، وبعض المواقع التي تنشر المقالات والأبحاث، أو الدردشات البينية، أو بعض القنوات التي يقيمها بعضهم، للحديث في موضوعات شتى. من هنا فإن إعداد المقالات، أو الدراسات، أو الردود الروبوتية يمكن أن تنطوى على معلومات بها عوار، أو غير دقيقة في بعضها او كاذبة!

الإنتاج الروبوتى الكتابى والبحثى في هذه الحالة يمثل إعادة ترتيب المعلومات المتاحة -بكل ما تنطوى عليه من معلومات صحيحة أو مغلوطة أو كاذبة- وطرحها في خطاب الدردشة الروبوتو إنسانية. من الشيق هنا ملاحظة ما يلى:

1- محدودية التحليل للمعلومات المتاحة على الواقع الافتراضى، وابتساره.

2- عدم تجاوز الروبوت في هذه المرحلة للإبداع الإنسانى، والرؤى والتحليلات الخلاقة.

3- ثمة إمكانية لكتابة الروبوت للسرديات الأدبية في حدود المتاح رقميًا.

4- قيام الروبوت بتخليق بعض الصور وتركيبها وبدت كصورة فنية لمصور مبدع! وهو ما كشف عنه الفنان الذى تقدم بها على أنها من إبداعه ثم أوضح حقيقة إنها إنتاج روبوتى. هذا له دلالة هامة مستقبليا.

5- من هنا تستطيع القول إن التطور القادم في أنظمة المحادثة الروبوتية/ الإنسانية، ستلعب أدوارًا بالغة الأهمية في مجال البحث الأكاديمى، والسرديات، والصور والفيديوهات والسينما، والفنون، وهو ما سيؤدى إلى الدخول إلى عصر الأناسة الروبوتية، ثم إلى عصر ما بعد الإنسان، في ظل حالة من السرعة الفائقة في هذا المجال.

6- قد يستطيع الإسان، وهذا أمر مرجح، أن يبطىء من عمليات التحول إلى الأناسة الروبوتية، ويضع بعض التنظيم الأخلاقي أو القانوني على ابتكار الأنظمة الخاصة بالذكاء الاصطناعي التوليدي ووظائفها، بهدف الحفاظ على المصير الإنساني، ووجوده، والأهم الحياة الإنسانية.

في حال وضع هذه النظم القانونية والأخلاقية Code of ethics وLegal System فإن ذلك لن يحول دون هذه التطورات السريعة، أو يضبط إيقاعها. فكما حدث في مراحل تاريخية سابقة، شهد عالمنا الثورات الصناعية والعلمية، ولم يحل المنع السياسى، والتجريم القانوني من استمرارية تطوير البحث السرى حولها. مثال ذلك الاستنساخ الحيوانى والبشرى الذى يتم في بعض المواقع في آسيا، رغم المنع والتحريم الديني والتجريم القانوني.

7- ما يشير إلى أن المنع أو التنظيم لأنظمة الذكاء الاصطناعى لن يحول دون استمراره هو ذلك التنافس الضارى بين الشركات الرقمية العملاقة حول تطوير روبوتات المحادثة الروبوتية، رغم  إعلان أيلون ماسك أن هذا المجال لابد من التوقف في تطويره لمدة ستة أشهر، ثم سرعان ما قرر السعي لتطوير نظام ثالث للمحادثة الروبوتو-إنسانية! من ناحية أخرى، فإن التوقف لا يحول دون قيام بعض الشباب العاملين في هذا المجال بتطوير هذه الأنظمة، أو ابتكار غيرها، كما حدث، ولا يزال، في اختراقات الحاسوب، وبعض المواقع الحساسة في بعض دول العالم، بما فيها الدول الأكثر تطورًا. ويمكن أن تحدث هذه الاختراقات لروبوتات المحادثة، وتطويرها من خارج الشركات الكبرى العملاقة في مجال الرقمنة والذكاء الاصطناعى.

8- من هنا سيستمر التطور في مجال الأنظمة الروبوتية الاصطناعىية، على نحو سيؤدى إلى تجديدها، وتطويرها في مجال الكتابة والبحث الأكاديمي. وقد يدفع ذلك إلى حالة من التنظيم في المجال الأكاديمى لإجراء برامج وبحوث، وبرامج للرقابة على محتوى البحوث التي يجريها الأفراد أو المجموعات البحثية من حيث الانضباط المنهجى، والإبداعي، وحدود الاقتباسات، وأيضا على محتواها المعرفى والتحليلى.

9- بعض المؤشرات الأولية تشير إلى أن الأدوار التي ستلعبها الروبوتات في مجال البحث الأكاديمى وكتابة المقالات قد تؤدى مع أنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات إلى قيامها بالحلول النسبى محل الإنسان في العمل البحثى في العلوم الاجتماعية، وربما تطور منهجيات ولغة بحثية مختلفة، تعتمد على اللغة الرقمية ولغة الإشارات والمصطلحات المغايرة للمألوف في مجال العلوم الاجتماعية، وتخصصاتها المختلفة، والآلة الاصطلاحية السائدة في تخصصاتها المختلفة.

القطع المعرفى مع المنظومات النظرية والمفاهيمية السائدة وتطوراتها أمر محتمل، وممكن  حدوث بعضه نسبيا، ثم حدوث تغيير كبير داخلها. ومن الشيق ملاحظة إمكانيات تطور المناهج والمقاربات النظرية والاصطلاحية في هذه العلوم للتعامل مع حالة التطور الروبوتى المستمر في هذا الإطار.

10- سيؤدى التطور الرقمى، وفى مجالات الذكاء الاصطناعى، إلى تقليص مستمر للطلب على خريجى الدراسات في العلوم الاجتماعية في الوظائف، حتى في المجال القانوني والحقوقى. هناك محاولة لكى يقوم روبوت بدور المحامى للدفاع عن متهم في إحدى القضايا، وهى بداية تجربة ستستمر مستقبلًا!

11- هناك وظائف مهددة في نظر بعض الخبراء من جراء تطبيقات الذكاء الاصطناعى، وذلك خلال السنوات القادمة، ومن ضمن هذه الوظائف المؤلفون والمدونون، وكتاب المقالات، وموظفو التجزئة، ومهندسو البرمجيات، وخبراء الأمن السيبرانى، ومصممو الجرافيك.  

صحيح أن هذه التغيرات الكبرى قد تؤثر على بعض الوظائف المختلفة، لكن ذلك سيتسع نطاقه في المستقبل.

خاتمة: المحادثات الروبوتو-إنسانية وأثرها على العقل الإنسانى

السؤال الذى تطرحه هذه التطورات فائقة السرعة في مجال الذكاء الاصطناعى: ما هو أثر الـ Chat GPT وغيرها من الأنظمة الروبوتية التوليدية، والمحادثات الروبوتو إنسانية، على العقل الانسانى؟ ونطرح فيما يلي أهم هذه التأثيرات:

1- المرجح أن بعض هذا التطور المذهل لتطبيقات الذكاء الاصطناعى سيؤدى إلى المزيد من الفجوات الواسعة بين الدول الأكثر تطورًا، وبين المجتمعات المتخلفة، وبعض المتوسطة، وستزداد هشاشة الدول الفقيرة، والأكثر فقرًا، وبعض المتوسطة، وسيتعرض الأمن القومى لتهديدات كبرى. والأخطر انعكاسات التطور في التكنولوجيا العسكرية على هذه الدول وجيوشها وأنظمتها السياسية.

2- الفجوات في العقل الإنسانى بين أجيال الأناسة الروبوتية، وبين كبار السن، ومن هُم في سن الشباب، أو الصبية في أيامنا، وهذا يؤدى إلى تفكك الاندماج الاجتماعى والتفاعل الإنسانى، وبين من يعملون، ومن يعيشون في حالة البطالة المستدامة، لأنهم لا يستطيعون التكيف مع التغيرات الروبوتية الجديدة. وستظهر مشكلات تخص نظم التأمينات الاجتماعية، وتمويلها، والمستحقين لها! في عديد الدول الأوروبية والأكثر تطورا!

3- سيؤثر التطور الروبوتى على بعض الفئات الساكنة في عطالتها الإجبارية، وعقلها الفردى والجماعى، وفي انفصالها عن التفكير المنظم في السياقات الروبوتية والوظيفية.

المرجح أيضا أن بعض التغير سيحدث في عقل بعض هذه الفئات، من التفكير الخلاق المؤسس على ثقافة السؤال إلى حالة من الوسن العقلى، وإحالة الأسئلة إلى الروبوت، بحثًا عن الإجابات على نحو قد يؤدى إلى بطء عمليات التفكير العقلى.

4- استخدام الروبوت في إعداد الأطروحات العلمية، أو طرح الأسئلة والإشكاليات، والفروض العلمية، سيقلل من قدرات بعض الباحثين، لاسيما في مجال العلوم الاجتماعية، ويؤثر على المحتوى المعرفى لها، وخاصة في المجتمعات المتخلفة، وجامعاتها ومعاهدها التي لايزال بعضها يسيطر عليها الركود، والتعليم الردئ المستوى، والبحوث التى تفتقد للمحتوى المعرفى المتجدد.

إن الملاحظات السابقة تشير إلى ثلاث سيناريوهاتScenario  محتملة في أثر الرقمنة والذكاء الاصطناعى على الدراسات الثقافية:

السيناريو الأول: استيعاب العقل الإنساني الخلاق لتطورات الذكاء الاصطناعى. يعتمد هذا السيناريو على ما يلى:

- أن العقل الإنساني، مبتكر الروبوتات والذكاء الاصطناعى والرقمنة، قادر على السيطرة علي أنظمتها، وتطوراتها، ومن ثم ستظل تحت هذه السيطرة الإنسانية، وخاصة الأجيال الشابة، وصغيرة السن مستقبلا من الإنسان المرقمن.

- لجوء الطبقات السياسية الحاكمة والمشرعين إلى تنظيم مجال الابتكار الرقمى والتقنى، وأنظمة الذكاء الاصطناعى، وذلك على الصعد القانونية والجنائية والأخلاقية.

- الضغوط التي قد تمارسها الجماعات الناخبة، ومستهلكى الحياة الرقمية، بضرورة ضبط السيطرة الإنسانية، وعدم تهديد الروبوتات للوجود الإنساني والحياة الإنسانية.

- بروز بعض الضغوط من الأجيال الشابة الرقمية على الشركات الرقمية العملاقة، لضبط تطوراتها، أو إبطائها بخرق الأنظمة الخطرة، أو من خلال تسريب المعلومات عن بعض الابتكارات التي تشكل تهديدا ما للحياة الإنسانية.

السيناريو الثانى: من الأناسة الروبوتية إلى ما بعد الإنسانى

يعتمد هذا السيناريو على ما يلى:

- استمرارية التطور السريع وفائق السرعة في مجال الذكاء الاصطناعى، وتوظيف الروبوتات في مجالات متعددة للعمل، والتخصصات، وتزايد تعقيدات، وتركيب الأنظمة الروبوتية

- استياء وحالات غضب وتظاهرات وضغوط متزايدة للعمال من مجالات تخصص واسعة، ودخول الروبوت في الحياة الفعلية والعملية للإنسان.

- تداخل الروبوتى والإنسانى والرقمى، وانعكاسات ذلك في العلاقات بين هذه الفواعل.

- تجاوز الروبوتات العقل الإنسانى، والتفكير المستقل لها.

- سيطرة الروبوتات على تنظيم الدول، والمجتمعات، والانتقال إلى مرحلة ما بعد الإنسان.

السيناريو الثالث: التفاعل بين الإنسانى والرقمى

يعتمد هذا السيناريو الوسيط على نمط التفاعلات المتبادلة بين التفكير الإنسانى، والروبوتى، والذكاء الاصطناعى، وهو ما يعنى عدم سيطرة الروبوتى على نحو كامل، في ظل استمرارية العقل الإنسانى الخلاق، ومواكبته للتفكير الروبوتى المستقل، وفعله في الحياة.

السيناريوهات الثلاثة السابقة هي محاولة لإظهار الأثر البالغ الأهمية للانتقال إلى مرحلة الأناسة الروبوتية، وانعكاساتها على العقل، والفكر، والبحث والحياة الإنسانية والروبوتية. إن عالمنا يدخل في بدايات قطيعة معرفية وتاريخية مع عصور مركزية الإنسان في الحياة الكونية وكل ما تراكم من أبنية معرفية وفنون وآداب وفلسفات... إلخ. إنها مرحلة قطع مع ما أورثناه من تراث وتراكم على كافة الصعد!


[1] أنظر: عبدالفتاح كليطو، الكتابة والتناسخ، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي عن الفرنسية، (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولي، 1985).


رابط دائم: