"بوليكريسيس" Polycrises.. العالم في مواجهة مخاطر متراكبة
2023-5-2

د. جمال عبد الجواد
* مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
 
* المقال منشور ضمن العدد رقم 104 من دورية "الملف المصري" الإليكترونية، أبريل 2022.
للاطلاع وتحميل العدد كاملًا: https://acpss.ahram.org.eg/Esdarat/MalafMasry/104/files/downloads/Mallf-104-April-2023-Final.pdf

 

في عام 2006 نشر المنتدى الاقتصادي العالمي النسخة الأولى من تقرير المخاطر العالمية، وهو التقرير الذي انتظم في الصدور سنويًا منذ ذلك الحين، لتصدر النسخة الثامنة عشر منه في عام 2023. في التقرير الأول تصدر الإرهاب ووباء سارس صدارة التحديات التي تواجه العالم. لاحظ واضعو التقرير الأول عام 2006 أن قضية تغير المناخ تكتسب اهتمامًا متزايدًا، وتوقعوا زيادة أهميتها على قائمة التحديات في السنوات التالية، وهو ما حدث بالفعل. تغلب العالم على وباء سارس وعلى سلسلة الأوبئة التي ظهرت في السنوات التالية، لكننا أصبحنا متأكدين من أن الأوبئة لن تتوقف عن الظهور، وأن وباء آخر سيظهر في وقت ما ليس بعيدًا. اختفى خطر الإرهاب من على شاشة رادار رصد المخاطر العالمية في 2023، بعد أن تراجعت حدته بشدة في الدول الغربية المتقدمة، وإن أصبح يمثل تهديدا شديد الخطورة في بلاد الساحل الأفريقي وبعض البلاد الأفريقية الأخرى جنوب الصحراء. هذه المقالة تناقش المخاطر عالية الحدة، والتي رصدها تقرير المخاطر العالمية لهذا العام (2023)، وذلك في أكثر من إطار زمني، فضلًا عن تناول مفهوم Polycrises «بوليكريسيس»، أو الأزمات المركبة، من أجل فهم عمق التحديات والمخاطر التي تواجه عالم اليوم.

أولًا: مخاطر المدى القصير

 على المدى القصير، أي في غضون عامين رصد تقرير المخاطر العالمية لهذا العام عدة مخاطر، أهمها خمسة، على النحو التالي:

1 - أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة

كانت أسعار الغذاء والمواد الأساسية تشهد موجة ارتفاع منذ قبل كوفيد- 19 ، لكن الوضع زاد سوءا بعد ظهور الوباء ثم بعد اشتعال الحرب في أوكرانيا .لكن السياسات التي لجأت إليها حكومات عدة ساهمت في تعقيد المشكلة. فقد لجأت حكومات مختلفة حول العالم إلى تقييد تصدير منتجاتها من المواد الغذائية مُعطية الأولوية لتوفير احتياجات مواطنيها، مما أدى إلى نقص إضافي في المعروض وزيادة إضافية في الأسعار. ومع أن التضخم المتزايد على مستوى العالم يزيد من حدة أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة، إلا أن معدل ارتفاع أسعار المواد الأساسية قد فاق معدلات التضخم. يتوقع الخبراء تجاوز أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة في نهاية المدى القصير، غير أن تراجع الأزمة سيخلف وراءه ضررًا كبيرًا على الفئات الأضعف، الأمر الذي قد تكون له عواقب تتمثل في اضطرابات اجتماعية وسياسية واسعة النطاق ستبقى احتمالاتها قائمة حتى بعد تراجع تكاليف المعيشة عن المستويات القياسية التي تشهدها حاليا.

2 - تباطؤ اقتصادي

تحاول البنوك المركزية في الدول الصناعية الغنية مقاومة الضغوط التضخمية المرتفعة برفع سعر الفائدة بمعدلات عالية، رافعة احتمالات التباطؤ الاقتصادي، وربما الركود. المتوقع هو تراجع معدلات التضخم في البلاد المتقدمة قبل انقضاء العامين المقبلين، غير أن هذا لن ينهي مشكلة الأسواق الناشئة، التي ستبقى مخاطر التباطؤ الاقتصادي فيها لفترة أطول.

3 - المواجهات الجيو-اقتصادية

صعدت ظاهرة تحويل الاقتصاد إلى سلاح منذ عدة سنوات، عندما زاد اللجوء لاستخدام العقوبات والضغوط الاقتصادية لتحقيق أهداف جيوسياسية، الأمر الذي خلق مخاوف تحرص بسببها الحكومات على تقليل الاعتماد على من تعتبرهم خصوما سياسيين، وتقييد صادرات السلع التكنولوجية المتقدمة، والحرص على تحقيق درجة أعلى من الاكتفاء الذاتي في المواد والمنتجات الحيوية، وإعادة تصميم سلاسل التوريد بحيث تربط بين الحلفاء والشركاء المأمونين فقط.

4 - إخفاق جهود تخفيف التغير المناخي

 تبين المؤشرات أن العالم يتجه إلى الإخفاق في التخفيف من التغير المناخي، وأن فرص الوفاء بالالتزامات الضرورية للحد من الانبعاثات تبدو محدودة جدا، وأن الفجوة بين ما يوصي به العلماء والخبراء وبين ما هو ممكن سياسيا تزداد اتساعا.

5 - التفكك والاستقطاب الاجتماعي

هناك قوى ضاغطة تدفع في اتجاه التفكك والاستقطاب الاجتماعي، بما في ذلك التفاوت في الدخل، والتباعد والخصومة والصراع بين أنماط القيم المجتمعية، وهي ظاهرة عامة تتأثر بها البلاد الغنية والفقيرة، والبلاد الديمقراطية والسلطوية.

ثانيًا: مخاطر المدى الطويل

أما أكثر أزمات المدى الطويل حدة؛ أي حتى عشر سنوات، حسب تقرير المخاطر العالمية فكانت على النحو التالي:

1 - فقدان التنوع البيولوجي وانهيار النظم الإيكولوجية

 لا يبدو هذا خطرا بارزا في المدى القصير، ولكن في مدى العشر سنوات القادمة يرى الخبراء أن العالم مهدد بالوصول إلى نقطة اللاعودة فيما يخص الحفاظ على الأنظمة الإيكولوجية الطبيعية. فقد وصل التدخل الإنساني المهدد لأنظمة إيكولوجية شديدة الحساسية إلى مستوى شديد الخطورة لا تواكبه جهود الحفاظ على النظم الإيكولوجية الطبيعية. فمعدلات تسارع الأنشطة المهددة للبيئات الطبيعية أسرع بكثير من التسارع في أنشطة الحفاظ عليها. ويحذر التقرير من أنه خلال السنوات العشر القادمة سيكون للتفاعل بين فقدان التنوع البيولوجي والتلوث واستهلاك الموارد الطبيعية والتغير المناخي والتغيرات الاقتصادية الاجتماعية، آثار شديدة الخطورة على الأنظمة الإيكولوجية والحياة الطبيعية والتنوع البيولوجي. ونظرًا لأن أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي يعتمد بشكل مباشر على الطبيعة والموارد الطبيعية، فإن التدهور في النظم الإيكولوجية والتنوع البيولوجي سوف يترك آثارا شديدة السلبية على الاقتصاد والمجتمع. ومن ضمن هذه الآثار المتوقعة تواتر ظهور الأمراض والأوبئة التي تنتقل من الحيوان للإنسان، وانخفاض إنتاجية المحاصيل الزراعية وتراجع قيمتها الغذائية، ونقص المياه، وتواتر الفيضانات، وارتفاع منسوب مياه البحر.

يرتبط فقدان التنوع البيولوجي إلى حد كبير جدا بالتغير المناخي الذي يعتبر السبب الرئيس لفقدان التنوع البيولوجي؛ فموجات الاحترار الشديد، والعواصف وارتفاع منسوب ماء البحر والجفاف وما يتسبب فيه من حرائق الغابات قد تسبب بالفعل في انقراض أنواع حية بأكلمها. الفشل في الحد من التغير المناخي سيتسبب في تسريع فقدان التنوع البيولوجي وانهيار النظم البيئية، خاصة في البيئات الجليدية في القارات القطبية، وبيئات الشعاب في المياه الدافئة، وبيئة الغابات.

2 - مخاطر تهدد الصحة العامة

كشفت أزمة كوفيد - 19 عن المخاطر الصحية القائمة، وتشمل زيادة مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية، وشكوك الناس في اللقاحات وترددهم في تلقيها، والمخاطر ذات الصلة بالغذاء، ومخاطر العدوى الناتجة عن التغير المناخي. يشير التقرير أيضا إلى المخاطر التي تتعرض لها الصحة العقلية، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الصحة، والتي تزيد حدتها بسبب عوامل اجتماعية واقتصادية مثل العنف والوحدة والفقر. ويحذر التقرير من حالة الاسترخاء الصحي التي قد تنتج عن اختفاء أخبار كوفيد - 19 من عناوين الأخبار، بما يعيد تكرار ظاهرة إهمال القطاع الصحي التي كشف عنها كوفيد - 19، الأمر الذي يزيد من مخاطر ظهور وباء جديد، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تدفع في اتجاه تقليل النفقات العامة.

يرصد التقرير التكلفة التي تم تكبدها بسبب كوفيد - 19، ويحذر من احتمال تكرارها بشكل أكثر فداحة حال ظهور وباء جديد في ظل سياسة الإهمال الراهنة. فقد تسبب كوفيد - 19 في تراجع جودة الحياة، وتراجع الإنتاجية، وزيادة التغيب عن العمل، والتقاعد المبكر، وتكلفة علاج المرضى والتكلفة الناتجة عن إعادة توجيه الموارد بعيدًا عن احتياجات صحية أخرى مثل الأمراض المزمنة والتطعيمات، الأمر الذي عرض سوق العمل لضغوط شديدة، وزاد من هشاشة القطاع الصحي.

يضع التغير المناخي المتسارع الصحة العامة تحت ضغط شديد بسبب تلوث الهواء والتعرض لموجات الحر والرطوبة ونقص إمدادات المياه النقية، وزيادة انتشار الأمراض الناتجة عن الفطريات واستطالة فترات الطقس الدافئ المناسب لانتشار أمراض مثل الملاريا وحمى الدنج. في الوقت نفسه فإن التغير المناخي يضع النباتات في ظروف أقل مواتاة، بما يؤدي إلى إضعاف قيمتها الغذائية.

3 - أسلحة وصراعات جديدة

لقد صدر تقرير المخاطر العالمية لهذا العام فيما كانت الحرب في أوكرانيا تجذب الاهتمام وتعرّض الأمن الدولي لمخاطر كثيرة، من بينها زيادة الإنفاق العسكري لقوى كبرى رئيسية وتغيير السياسة الدفاعية لدول تبنت فى مراحل سابقة سياسات مضادة للعسكرة والحرب لعقود.

منذ انتهاء الحرب الباردة كان هناك اتجاه نزولي في الإنفاق العسكري للدول الكبرى، وبشكل عام اعتمدت زيادة الإنفاق العسكري أو تراجعه على مقدار النمو الذي يحققه الناتج المحلي الإجمالي. ما حدث مؤخرا هو أن هذه العلاقة بين الإنفاق العسكري والناتج المحلي الإجمالي قد تم فصمها، واتجهت دول رئيسية لزيادة إنفاقها العسكري بمعدلات تزيد كثيرا عن معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي. هذا هو ما حدث مع الإنفاق العسكري للولايات المتحدة والصين والهند واليابان وروسيا ضمن دول أخرى. وهناك اتجاهات إضافية نحو العسكرة والاستقطاب، ومن ذلك حضور دول مثل نيوزيلاند واستراليا واليابان وكوريا الجنوبية لأول مرة قمة حلف الأطلنطي في مدريد في يونيو 2022.

التطورات في التكنولوجيا العسكرية ترفع مستوى المخاطر بما تؤدي إليه من محو الفواصل والتمييز بين الحروب التقليدية والحروب غير التقليدية، واتساع نطاق الحروب لتشمل الأرض والبحر والبر والفضاء والمجال السيبراني والقطبين المتجمدين، باستخدام أسلحة مستحدثة، مثل أسلحة الطاقة الموجهة والأسلحة المضادة للأقمار الصناعية.

4 - تهديد الخصوصية الرقمية

بينما يتزايد الاعتماد على التنكولوجيا والتطبيقات الرقمية، ينتشر استخدام الأجهزة التي تقوم بجمع البيانات، فحياتنا تصبح مرقمنة بسرعة شديدة، الأمر الذي يتيح إمكانية تسجيل ما نفعله في حياتنا لصالح جهات حكومية وخاصة، بما يهدد الخصوصية والاستقلال الذاتي للأفراد، ويهدد بشكل خاص حق الفرد في ألا يكون مرصودا وموضع متابعة، وحقه في التحكم في كيفية استخدام المعلومات الخاصة به. وتزيد المخاطر التي تتعرض لها هذه الحقوق بسبب التطور السريع في تكنولوجيا التعرف على الوجه وتكنولوجيا التعرف على المشاعر من خلال المعلومات الحيوية، وهي تكنولوجيات تتطور أسرع بكثير من تطور الأطر المنظمة لاستخدامها.

في نفس الوقت فإن مواصلة الابتكارات في مجال التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي تستلزم إتاحة البيانات الكبيرة التي بدونها لا يمكن لهذه التكنولوجيات المتطورة أن تعمل. هناك تعارض متزايد بين ضرورات تسهيل الفرصة لمزيد من الابتكارات التكنولوجية من ناحية، وحماية الخصوصية وحقوق الأفراد من جهة أخرى. لابد من إيجاد نقطة توازن بين هذين المطلبين، وإلا فإن أحدهما سيجور على الآخر، بما يمثل خسارة للاقتصاد والمجتمع والأفراد على المدى الأبعد، ويتيح الفرصة لبعض البلاد أن تحقق سبقا على حساب البعض الآخر في هذا المجال

5 - عدم الاستقرار الاقتصادي وتزايد وطأة الديون

 أسرفت الحكومات في الاستدانة في الفترة السابقة، أولًا بإغراء من انخفاض سعر الفائدة، وثانيًا لتخفيف الآثار الاقتصادية لكوفيد - 19. فلما تغيرت الأحوال، وتسارع التضخم، وأخذت أسعار الفائدة في الارتفاع، وجرى اتباع سياسات متشددة للسيطرة على التضخم، أصبحت الديون تمثل تهديدا كبيرا للاستقرار الاقتصادي والسياسي. وزادت احتمالات دخول العالم في ركود تضخمي، كما زادت احتمالات اضطرار عدد من الاقتصادات الناشئة الرئيسية للتوقف عن سداد ديونها، في حين تبدو المؤسسات الاقتصادية وحكومات الدول المتقدمة مترددة في توفير السيولة اللازمة في وقت تطبق فيه هذه الدول المتقدمة سياسات تقشفية.

ثالثًا: المخاطر المتراكبة

نظرًا لعدم كون رصد واستعراض الأزمات العالمية كافيًا للدلالة على عمق التحديات والمخاطر التي تواجه عالم اليوم، فقد تبنى القائمون على تقرير المخاطر العالمية مفهوم «بوليكريسيس» Polycrises، أو الأزمات المركبة، وهو مفهوم مستحدث اقترحه المؤرخ الأمريكي آدم توز Adam Tooze، في مقالة نشرها في عام 2022 في صحيفة «الفاينانشيال تايمز»، للدلالة على ما يعتبره ظاهرة جديدة في الأزمات والمخاطر الدولية؛ حيث لم تعد تحدث المخاطر فرادى متتابعة، فالتسارع في معدلات التطوير التكنولوجي، والانتشار السريع لفنون الإنتاج والتكنولوجيا، وزيادة الاعتماد المتبادل، والزيادة السريعة في حركة السفر، والثورة في تكنولوجيات الاتصالات والمعلومات، كل هذه عوامل تؤدي إلى تسارع توليد وانتقال المخاطر والتهديدات.

«بوليكريسيس» هو حزمة المخاطر العالمية المترابطة ذات الأثر المجمع الذي يزيد عن مجموع آثار كل من هذه المخاطر منفردة.  لو نظرنا إلى المخاطر التي تواجه العالم والنظام الدولي من منظور بوليكريسيس فستتضح القيمة التحليلية لهذا المفهوم. اتسمت السنوات الأولى من هذا العقد باضطراب شديد، فما إن بدأ العالم يعتاد على التعايش مع وباء كوفيد 19، وبدأت عناصر «المعتاد الجديد» تدخل إلى حياتنا، إلا وانفجرت الحرب في أوكرانيا، وهي حرب شديدة الخطورة لأنها حرب نظمية Systemic War مع أنها تدور في بلد واحد فقط، وطرفاها المباشران هما دولتان فقط. لكن موقع الحرب في بلد أوروبي، مرشح بشكل غير رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي وناتو، كما أن الحرب تدور حول موقع هذا البلد من الكتل الدولية الكبرى، ففيما يهاجم الجيش الروسي أوكرانيا، تقدم دول ناتو والاتحاد الأوروبي لأوكرانيا مساعدات سخية أثرّت بشكل حاسم في مجريات الحرب خلال عامها الأول. لقد شهدت الحرب في أوكرانيا تطورًا خطيرًا عندما لوّحت روسيا باستخدام السلاح النووي، وهو السلاح الاستراتيجي الرئيسي الذي لا يتم التلويح به أو استخدامه إلا في صراعات لها طابع نظمي.

لقد أطلقت الحرب في أوكرانيا أزمات دولية في مجالات الطاقة والغذاء، فتسبب هذا في موجة تضخم عالية، وتسارع هروب رأس المال من الأسواق الناشئة والبلاد النامية، كما تسبب في زيادة حدة أزمة الديون في البلاد النامية بشكل خاص. كل هذا ضاعف متاعب نظام اقتصادي دولي مازال يعاني من آثار كوفيد - 19 يحدث هذا على خلفية تفاقم أزمة التغير المناخي.

بعض الأزمات التي يواجهها عالم اليوم مألوفة وسبق لها أن حدثت، أي أنها نوع من العودة لتحديات سابقة، ويشمل ذلك التضخم وتكاليف المعيشة والحروب التجارية وهروب رأس المال من الأسواق الناشئة وانتشار الاضطرابات الاجتماعية والمواجهات الجيوسياسية والتهديد بالسلاح النووي. إن أثر هذه الأزمات يتضخم هذه المرة بأثر من تغير خريطة المخاطر وبسبب مستويات الديون العالية بشكل غير مسبوق، وانخفاض معدل النمو وانخفاض معدلات الاستثمار وتراجع العولمة وتراجع التنمية البشرية بعد عقود من التقدم، والانتشار السريع للتكنولوجيا مزدوجة الاستخدام والضغط المتزايد للتغير المناخي؛ ويتفاعل كل هذا ليخلق حالة عميقة من عدم اليقين بسبب التزامن غير المسبوق بين كل هذه الأزمات.

المخاطر المتعددة تتفاعل مع بعضها، وتنتج أزمات مكبرة متعددة الأبعاد، تضرب بشكل متزامن في عدد من النظم العالمية في مجالات الاقتصاد والأمن والصحة العامة والبيئة. أحد أهم التحديات هو أن إدارة ومواجهة هذه المخاطر يحدث بشكل متفرق من جانب هيئات وفاعلين مختلفين، يختص كل منهم بالعمل ومعالجة الأزمات في نطاق محدد في انفصال عن الآخرين، وغياب علاقة تنسيق بين المجالات المختلفة؛ فالمعالجات المتعددة المستقلة عن بعضها، بالإضافة إلى أزمات هي بطبيعتها متكاملة يُضعف من القدرة على التعامل مع هذه الأزمات المتعددة.

الأزمات المتعددة تضرب في المجالات المختلفة، وتضرب أيضًا في المساحات الموجودة بين هذه المجالات. في هذه المساحات البينية يوجد عدم وضوح للمسئولية، وتغيب استراتيجيات واضحة ومجربة للعمل، بما يحول هذه المساحات البينية إلى مناطق غير محمية مفتوحة تنمو فيها الأزمات والتحديات. التحول الرقمي السريع يغير طبيعة المجالات المختلفة، ويسهم في خلق مساحات بينية واسعة، لا تحكمها القوانين بشكل كاف، وتتقاطع فيها المسئوليات، بما يضاعف من تحديات المخاطر المتعددة.

ما نحن إزاءه هو نظم Systems معقدة ترتبط بعلاقات سببية يصعب الكشف عنها مسبقًا، ولكن يمكن ملاحظتها فقط عندما تبدأ في ممارسة تأثيرها، أي بعد حدوث الأزمة. أيضًا فإن قوة علاقات الارتباط والسببية هذه لا تكون واضحة ومعروفة لنا إلا بعد الحدث ووقوع النتيجة، حتى لو كنا قد تنبأنا بوجود علاقة الارتباط والسببية، فإن قوة هذه العلاقة لا تتضح لنا إلا بعد وقوع الحدث.

يطور تقرير المخاطر العالمية منهاجية لتحليل الأزمات المركبة، ويطبق هذه المنهاجية على أزمة الموارد الطبيعية، حيث تشير التوقعات إلى حدوث زيادة كبيرة في الطلب على الموارد الطبيعية بسبب زيادة السكان وارتفاع مستويات المعيشة والتغير الحادث في نظم وتكنولوجيا إنتاج الطاقة. ويتتبع التقرير الأزمات المرتبطة المتوقع لها أن تظهر بالارتباط مع الأزمة في الموارد، وتوصل إلى أن أزمة الموارد ستتراكب على الأرجح مع أزمات في مجالات المناخ والبيئة والاقتصاد والصراعات بين الدول وسلاسل التوريد.

يمثل هذا مركب أزمات محتمل الحدوث خلال العشر سنوات التالية. وتتوقف حدة هذه الأزمة وما إذا كنا سنتمكن من مواجهتها من عدمه على عاملين محفزين رصدهما التقرير، هما ما إذا كانت الدول ستكون قادرة على التعاون فيما بينها، والمسارات التي يأخذها التغير المناخي، بحيث أنه كلما زاد التعاون بين الدول، وتحسنت إدارتنا لأزمة التغير المناخي، كلما زادت قدرتنا على إدارة أزمة الموارد الطبيعية إن تحديد العوامل المحفزة، والتي تؤثر في قدرتنا على مواجهة الأزمات المتراكبة في الحالات المختلفة هو من أهم مكونات المنهاجية المقترحة للتعامل مع هذا النوع من الأزمات.

ختامًا، يعكس مفهوم «بوليكريسيس»، أو الأزمات المتراكبة، أهمية كبيرة في لفت النظر إلى قصور الهياكل البيروقراطية للمتابعة وصنع القرار عن التصدي بطريقة ملائمة لهذه الأزمات. والتوصية الأهم التي يمكن الخروج بها من هذا التحليل هو ضرورة إعادة صياغة الأطر المؤسسية لصناعة السياسات والقرار بما يحسن قدرتها على العمل في مواجهة أزمات متعددة متداخلة. لقد طورت المؤسسات الأكاديمية مفهوم تعدد المجالات، واخترعت تخصصات بينية Multidisciplinary تغطي مساحات التقاطع المشتركة بين المجالات الأكاديمية الكلاسيكية، وهناك حاجة ماسة لتطوير مفهوم مشابه في مجال الإدارة العامة وهيئات صنع القرار، بحيث تقل المساحات غير المحوكمة، وتزيد القدرة على تطوير سياسات تراعي الآثار غير المنظورة في مجالات عدة.


رابط دائم: