دبلوماسية السينما: كيف تدق الحرب أبواب المهرجانات العالمية؟
2023-3-6

آمنة فايد
* باحثة مشاركة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

مع تزامن انطلاق الدورة الــ 73 من مهرجان برلين السينمائي العالمي خلال الفترة (16 – 26) فبراير من العام الجاري 2023، وانقضاء عام على الحرب الروسية – الأوكرانية التي اندلعت في الرابع والعشرين من فبراير 2022؛ طغت سياسة الحرب التي تتبناها ألمانيا وحلف شمال الأطلسي "الناتو" ضد روسيا على طبيعة المهرجان المُسيس في الأساس، والذي لطالما استغل فعالياته للتأكيد على المواقف السياسية التي تتبناها بلاده.

ففي إحدى المقابلات لمدير المهرجان السابق، ديتر كوسليك، قال: "تأسس المهرجان خلال الحرب الباردة في العام 1951، والادعاء بأنه مهرجان سياسي يتأتى من كون برلين كانت دائمًا عاصمة للسياسة، خصوصًا في كل ما يختص بالعلاقات بين الغرب والشرق"[1].

في ضوء هذه الرؤية تم توزيع شارات صغيرة خلال فعاليات المهرجان مُزينة باللونين الأزرق والأصفر للتعبير عن التضامن مع الجانب الأوكراني، كما خصص المهرجان في نسخته لهذا العام سلسلة من الفعاليات وحلقات النقاش، إلى جانب عدة أفلام تُجسد وجهة نظر أحادية الجانب معنية بالشأن الأوكراني في زمن الحرب، من بينها الفيلم الوثائقي "القوة الخارقة" “Superpower” للمخرج الأمريكي، شون بين، الذي سيكون بمثابة العرض الوثائقي الرئيسي في المهرجان باعتباره من أهم الأعمال التي تناولت الجانب السياسي في الحرب الروسية– الأوكرانية.

ولعل أكثر ما يُميز فيلم "القوة الخارقة" هو أن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، يلعب الدور الرئيسي من خلال جلسات حواريه يُجريها معه المخرج على مدار الفيلم. فالفيلم بدأ تصويره عام 2021 وكانت تتمحور فكرته الأصلية في عمل عن مسيرة زيلينسكي وكيف تحول من ممثل كوميدي إلى رئيس لبلاده، إلا أن الخط الدرامي للفيلم قد تغير عند اندلاع الحرب، فتحول الفيلم لتغطية أحداث الحرب وعمل لقاءات واقعية عديدة مع الجنود على الخطوط الأمامية للقتال، ومع خبراء ساسة أوكرانيين للإجابة على عدة تساؤلات سياسية واجتماعية وعسكرية لفهم موقفهم من الحرب، ومحاولة البحث في أسباب تحول التهديدات الروسية إلى واقع حرب تعيشه أوكرانيا.

تسييس المهرجانات السينمائية

على غرار ظهور الرئيس الأوكراني في عدة مهرجانات سينمائية وحفلات توزيع جوائز فنية عالمية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، منها: مهرجان "كان" السينمائي في فرنسا في دورته الـ 75 خلال الفترة (17 – 28) مايو من العام 2022، ومهرجان "البندقية" السينمائي في إيطاليا في دورته الـ79 خلال الفترة (31 أغسطس – 10 سبتمبر) من العام 2022، وحفل توزيع جوائز "جولدن جلوب" في دورته الـ 80 في الولايات المتحدة الأمريكية يوم 11 يناير من العام 2023، أفسح مهرجان برلين السينمائي المجال للرئيس زيلينسكي، لإلقاء كلمة خلال حفل الافتتاح من مكتبه في كييف، وجهها إلى صانعي الأفلام والفنانين مُطالبًا إياهم بدعم بلاده، في إشارة منه إلى أهمية دور الفن في تغيير العالم، من خلال إلهام الشعوب والتأثير في توجهاتهم. 

ولعل حرص زيلينسكي على الظهور في تلك الفعاليات السينمائية العالمية، ودعم المهرجانات لتلك السياسة له أبعاد تعتمد بشكل كبير على ممارسات الدبلوماسية السينمائية التي اعتمدها الغرب منذ الحربين العالميتين الأولى والثانية، عندما كانت كل دولة تنتج أفلامًا يغلب عليها الشكل الدعائي من أجل طرح قضيتها والتأثير على الرأى العام لحشد الدعم والتأييد الشعبي لمواقفها السياسية، حيث تعتبر المهرجانات السينمائية ظاهرة أوروبية نشأت في بدايتها لتعبر أفلامها عن الرسائل والقضايا السياسية والقومية والأيديولوجية التي تمثل حكوماتها.

فقد كانت إرهاصات تسييس المهرجانات السينمائية العالمية على يد الزعيم الإيطالي، بينيتو موسوليني، الذي أطلق مهرجان "البندقية" عام 1932 كأول مهرجان سينمائي عالمي، وكمنصة سياسية تروج للفاشية الإيطالية وتُضفي عليها الشرعية[2]. وما لبث المهرجان أن تأثر بالتداعيات السياسية للحرب العالمية الثانية، فتم حظر جميع الأفلام والمخرجين والوفود من خارج أعضاء دول المحور، واقتصر المهرجان في تلك الأثناء على عدد محدود من العروض والفعاليات[3]. هذا، بينما انطلق مهرجان برلين السينمائي الدولي المعروف بنسخته الحالية في أثناء الحرب الباردة عقب تقسيم ألمانيا إلى غربية وشرقية، حيث انطلق المهرجان في ألمانيا الغربية عام 1951، وفي المقابل انطلق مهرجان "لايبزج" التسجيلي في ألمانيا الشرقية عام 1955، وبات كل مهرجان منهما يُقدم من الأفلام والعروض ما يخدم رسالته ويدعم موقف دولته السياسي[4].

وهكذا، باتت الدبلوماسية السينمائية تُمثل أولوية خاصة كأداة من أدوات القوة الناعمة التي تستغلها الدول في تصدير روايتها الخاصة إلى شعوبها، وبناء صورة ذهنية تخدم سياستها الخارجية في أزمنة التنافس والحروب، وهو الأمر الذي عاد إلى الواجهة خلال الحرب الروسية – الأوكرانية، لا سيما أن زيلينكسي -أحد أطراف الحرب- قبل دخوله عالم السياسة كرئيس لبلاده، كان شغفه منصبًا على عمله خلف شاشات التلفاز في البرامج والأعمال السينمائية والدرامية، بالتالي ليس هناك موضع ريبة من حرصه على إعادة إحياء حضوره على شاشات المهرجانات والأعمال السينمائية، خاصة إن كان ذلك الحضور قد يخدم مصالحه، ويدعم موقف بلاده في حربها ضد روسيا، وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته من تكرار استشهاده في أكثر من كلمة خلال تلك المهرجانات بقوة السينما وأهمية صناعة الأفلام في خضم الحروب.

رسائل عديدة

تحمل السياسة التي تتبعها المهرجانات الفنية في تسليطها للضوء على الحرب الروسية - الأوكرانية عدة رسائل نفسية وسياسية وعسكرية وإنسانية، يمكن تناول أبرزها على النحو التالي:

1- إشاعة حالة نفسية ذات حدين: يُعد الحرص على ظهور الرئيس الأوكراني بصورة مُتكررة بزيه العسكري، قويًا ومتفائلاً بالنصر في كلماته في المحافل الدولية والمهرجانات السينمائية، رسالة نفسية ذات حدين. فمن ناحية، يريد زيلينسكي من خلال إذاعة وتداول أنباء حضوره المرئي على شاشات مثل تلك المناسبات التي تعتبر ترفيهية، فضلاً عن مشاركته في الفيلم الوثائقي "القوة الخارقة" -في ظل الحرب التي تشهدها بلاده- أن يبث شعور الطمأنينة والثقة في الشعب الأوكراني وفي قواته العسكرية، لشحذ همتهم وتعزيز حالتهم النفسية في مواجهة القوات الروسية. ومن ناحية أخرى، يسعى إلى إشعال حالة من الخوف والإحباط وزعزعة الثقة في النصر سواء بين القوات الروسية على خطوط القتال مع نظيرتها الأوكرانية، أو في الداخل الروسي، حكومة وشعبًا.

2- محاولة الحصول على الدعم العسكري: وظّف الرئيس الأوكراني -في كلمته خلال مهرجان برلين السينمائي- المآسي التي شهدتها ألمانيا عبر التاريخ، لا سيما في أثناء جدار برلين وتقسيمها بين المعسكرين الغربي والشرقي، وقام بتشبيه الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا ببناء جدار برلين لفصل أوكرانيا عن أوروبا، واصفًا أوكرانيا بأنها قلعة يجب ألا تسقط وتظل ثابتة حتى النهاية من أجل مصير أوروبا والعالم.

ويهدف ذلك إلى إحياء معاداة الشيوعية في الحرب الباردة، وإذاعة الشعور بالتهديد الذي يؤكد أنه لا يواجه أوكرانيا وحدها، في محاولة منه للحصول على الإمدادات العسكرية الغربية والأمريكية بالأسلحة الدقيقة بعيدة المدى لإنهاء الصراع، وهي الرسالة التي سلط عليها فيلم "القوة الخارقة" الضوء عندما أجرى المخرج شون بين لقاءات مع عدد من الطيارين المقاتلين الأوكرانيين الذين أكدوا في معرض حديثهم حاجة بلادهم إلى الطائرات المقاتلة المزودة بأنظمة صواريخ رادار متطورة[5].

3- تسليط الضوء على الأزمة الإنسانية التي خلّفتها الحرب: باعتبار الدعاية جزءًا أساسيًا من الحروب ومن أوراق الضغط السياسية التي توظفها الأطراف للتأثير على الرأي العام والحصول على التعاطف والتأييد من الحكومات والشعوب، الذي بدوره يزيد من فرص الحصول على الدعم والمساعدات الإنسانية، كالمواد الغذائية والعلاجية؛ يحرص زيلينسكي وإدارة بعض المهرجانات على تسليط الضوء على حجم المأساة البشرية التي يعاني منها الشعب الأوكراني في حربه ضد روسيا، لا سيما أن مثل تلك الاستراتيجية قد نجحت في دفع مشاهير هوليوود إلى إطلاق عدد من مبادرات جمع التبرعات للمتضررين من الحرب في أوكرانيا منذ اندلاعها.

ففي أكثر من مناسبة فنية، وجه زيلينكسي نداءً عاطفيًا إلى صانعي الأفلام والفنانين لدعم بلاده والتدوين عبر حساباتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن الأزمة الإنسانية والحقوقية التي يعيشها الشعب الأوكراني وإعلان التضامن معه، مؤكدًا على أن وقائع الحرب والغارات الجوية المستمرة وطلقات النيران والانفجارات قد تجاوزت الحدود الإنسانية والفطرة السليمة. هذا، فضلاً عن إدارة مهرجان برلين التي أعلنت بشكل صريح في بيان لها التضامن والتعاطف مع ضحايا الشعب الأوكراني والملايين الذين غادروا البلاد، مُشددة على دعمها للفنانين الذين ظلوا في قلب الأحداث يصورون وينقلون وقائع الحرب إلى العالم[6].

فالجدير بالذكر في هذا الشأن، أن من بين الأفلام الأوكرانية التي تم عرضها خلال مهرجان برلين السينمائي نجد الفيلم الوثائقي "الجبهة الشرقية" “Eastern Front” للمخرج والمُسعف المتطوع في الجيش الأوكراني، يفين تيتارينكو، الذي تطوع في الطاقم الطبي الخاص بالإسعافات الأولية على خطوط القتال والمواجهة لمحاولة إنقاذ وإجلاء المصابين والجرحي، وخلال 6 أشهر قام بتصوير عدد من القصص والمواقف الإنسانية المليئة بالدراما والمعاناة ومشاهد الموت والفراق التي يعيشها الجنود الأوكرانيون أثناء القتال. بينما في فيلم وثائقي آخر تم عرضه -أيضًا- خلال المهرجان ووصف باعتباره أكثر الأفلام التي عكست حقيقة واقع أوكرانيا منذ بداية الحرب، بعنوان "في أوكرانيا" “In Ukrania” يتم عرض الحياة اليومية التي يعيشها الشعب الأوكراني، من خلال تصوير الشوارع والدبابات الروسية، وحجم الدمار الذي خلّفته الحرب منذ اندلاعها.

4- الإضرار بقطاع صناعة السينما الروسي: تعتبر حملة الإقصاء والاستبعاد التي اتبعتها بعض المهرجانات السينمائية والمحافل الفنية الغربية للمنصات والوفود الإعلامية والأعمال السينمائية الروسية المدعومة من مؤسسات الدولة الرسمية، في مقابل إفساح المجال لصناع الفن الأوكراني لعرض أعمالهم، وتصدير رسالتهم ورؤيتهم الخاصة عن الحرب إلى العالم، تأكيدًا على عدم قبول أي حضور روسي رسمي يكون بمثابة منبرًا للرواية الروسية الخاصة عن الحرب أو الخطاب السياسي الروسي سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وتعتبر تلك السياسة جزءًا من استراتيجية الغرب لتهميش وعزل روسيا ثقافيًا وتوجيه ضربة اقتصادية لقطاع صناعة السينما فيها، حيث أعلنت شركات الإنتاج الأمريكية وعدد من مؤسسات الثقافة الأوروبية –عقب اندلاع الحرب- الخروج من السوق الروسية ومنع تصدير أفلامها لدور العرض السينمائية، وهو الأمر الذي أدى إلى انخفاض إجمالي إيرادات السينما في روسيا من حوالي 540 مليون دولار عام 2021 إلى 320 مليون دولار عام 2022، خاصة أن عروض أفلام هوليوود -لطالما- كان لها الدور في تأمين الحصة الأكبر من الإيرادات[7].

ختامًا، يمكن القول إن الصراعات السياسية والحروب العسكرية استطاعت أن تطغى على مبدأ حيادية الفن، ليصبح بذلك أداة يتم استغلالها لتطبيق العقوبات وتصدير الرؤى والخطابات التي تخدم مصلحة كل جانب في مواجهة الآخر، سواء كان ذلك من خلال السياسات التي تنتهجها المهرجانات الفنية وشركات الإنتاج السينمائية أو عبر الأعمال السينمائية والفنية التي يتم إنتاجها بصورة موجهة، وذلك انطلاقًا من قوة الصورة والكلمة في التأثير على الشعوب وعلى تشكيل الرأي العام العالمي تجاه مختلف القضايا، لا سيما تلك التي تحمل نزعة إنسانية وحقوقية.


[1] هوفيك حبشيان، شون بن يكشف خلفيات الهجوم الروسي في مهرجان برلين، اندبندنت عربية، 19 فبراير 2023، متاح على: https://bit.ly/3mqG6Cl

[2] نورا ناجي، المهرجانات السينمائية.. ظاهرة سوسيولوجية وتأريخ للزمن، مجلة الجسرة الثقافية، العدد 59، 22 فبراير 2022، متاح على: https://bit.ly/3YlYKsi

[3] أول مهرجان سينمائي في العالم، موقع المرسال، 7 أبريل 2020، متاح على:https://bit.ly/3JexFTD

[4] طارق الشناوي، ضبط الجرعة السياسية.. الفضيلة الغائبة عن "برلين"، المصري اليوم، 19 فبراير 2023، متاح على:https://bit.ly/3ybusOo

[5] Stefan Steinberg, War propaganda dominates Berlin film festival opening, including Sean Penn’s Superpower, WSWS, 22 February 2023, available on: https://bit.ly/3mjFi1T

[6] محمود ترك، زيلينسكي يدعو الفنانين لدعم بلاده ضد روسيا بافتتاح مهرجان برلين السينمائي، القاهرة الإخبارية، 17 فبراير 2023، متاح على: https://bit.ly/3EXmBrf

[7] على شرف الدين، كيف أثرت الحرب في قطاع السينما وصالات العرض الروسية، اندبندنت عربية، 25 فبراير 2023، متاح على: https://bit.ly/3Yox1qK


رابط دائم: