الفرصة
2022-10-26

د. محمد فايز فرحات
* مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

بجانب المناقشات المهمة التى جرت خلال أعمال المؤتمر الاقتصادى المهم الذى انتهى بالأمس، فقد مثل المؤتمر مناسبة مهمة لفهم أعمق للتجربة التنموية المصرية التى انطلقت فى عام 2014. عملية التأصيل والفهم تلك جرت من خلال المقارنات المباشرة للتجربة التنموية المصرية الراهنة مع مراحل تاريخية سابقة، إما أنها لم تشهد برامج إصلاح حقيقية، أو أنها شهدت أفكارا إصلاحية لكنها لم تكتمل لأسباب مختلفة، رغم أنها بدأت بتشخيص دقيق للمشكلات الرئيسية التى تواجه الاقتصاد المصرى.

لقد مثل المؤتمر فرصة مهمة لإثارة العديد من الإشكاليات. من بين هذه الإشكاليات العلاقة بين الأمن والتنمية. الافتراض السائد أن وجود تهديدات أمنية كبيرة يدفع فى الأغلب بالقيادة السياسية فى العديد من المجتمعات إلى تأجيل قضية التنمية، وهو تأجيل يسهل الدفاع عنه وتبريره. التجربة التنموية المصرية الراهنة انحازت إلى رؤية أخرى، تقوم على أنه يمكن العمل على مسار التنمية، بالتوازى مع تعزيز الأمن ومواجهة التحديات الأمنية، وأنه يجب عدم تأجيل قضية التنمية لحين إنجاز هدف الأمن، بدءا من تثبيت مؤسسات الدولة، وانتهاء بمواجهة تحدى الإرهاب وتعزيز قدرات الردع. ولم يقتصر الأمر على المستوى الداخلى، فقد انسحبت هذه الرؤية على مستوى العلاقة مع الإقليم المحيط. فقد مثل الأخير بيئة منشئة للأزمات الإقليمية التى انعكست سلبا على الأمن القومى المصرى وعلى المصالح الحيوية المصرية، لكن الرؤية المصرية انحازت أيضا إلى بدء التجربة التنموية وعدم ربطها بشرط تعافى الإقليم. ثم جاءت البيئة الدولية لتفرض المزيد من التعقيدات على البيئة المحيطة بالتجربة التنموية المصرية.

على العكس من اضطرار القيادة السياسية المصرية الراهنة إلى التعامل مع قضيتى الأمن والتنمية بالتوازى، فقد كان العديد من القيادات التنموية التاريخية محظوظة عندما أُتيحت لها فرصة التركيز على هدف التنمية دونما تحديات أمنية ضخمة، أو تحمل أطراف أخرى فى بعض الحالات جزءا كبيرا من عبء الأمن نيابة عن دولها. ينطبق ذلك على التجارب الآسيوية بشكل كبير. ففى ماليزيا، ورغم حالة التنوع العرقى والدينى، لكن باستثناء الاضطرابات العرقية والدينية فى أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، لم تشهد البلاد تحديات أمنية داخلية كبيرة. الأمر نفسه فى حالة سنغافورة وكوريا الجنوبية اللتين لم تعرفا هذا النوع من التحديات بالنظر إلى حالة التجانس الدينى والعرقى إلى حد كبير. على المستوى الخارجى، حظيت هذه التجارب الثلاث بامتيازات تاريخية. إقليميا، لعبت رابطة دول جنوب شرقى آسيا (آسيان) دورا مهما فى تجميد النزاعات الإقليمية لمصلحة التفرغ لأهداف التنمية وتعزيز التجارة والاستثمار والتكامل الاقتصادى بين دول الرابطة. ثم جاءت عملية التكامل الاقتصادى الطوعى والتاريخى بين اقتصادات آسيا- المحيط الهادئ لتعزز من عمليات التنمية التى عرفتها هذه الاقتصادات بموجاتها المختلفة، فى إطار تكاملى بين الأسواق المحلية والقطاعات الاقتصادية.

ورغم أن كوريا الجنوبية قد شهدت منذ الخمسينيات تحديا خارجيا مع بدء الحرب الكورية- الكورية (1950- 1953)، لكن هذا التحدى ارتبط بوجود دعم خارجى من جانب الولايات المتحدة، بدءا من دخولها كطرف مباشر فى الحرب وانتهاء بمد المظلة الدفاعية الأمريكية إلى كوريا الجنوبية -بالإضافة إلى اليابان- حتى اليوم. هذه المظلة الأمنية الأمريكية وفرت لكوريا الجنوبية فرصة كبيرة للتركيز على هدف التنمية والتحرر نسبيا من أعباء الإنفاق الأمنى. ولم يقتصر هذا الدعم الأمريكى على المستوى الدفاعى، فقد ظل هناك التزام أمريكى بدعم هذه الاقتصادات كجزء من الإستراتيجية الأمريكية لوقف المد الشيوعى، الأمر الذى وفر لدول المنطقة فرصة كبيرة للتفرغ لإنجاز هدف التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

على العكس من هذه الامتيازات. والخصوصية التاريخية التى حظيت بها هذه التجارب التنموية التاريخية، فإن التجربة المصرية الراهنة تعمل فى بيئة مأزومة إقليميا ودوليا، بل إنها لم تمتلك العديد من الميزات النسبية التى حظى بها المشروع التنموى المصرى خلال عقدى الخمسينيات والستينيات، لولا تحميل هذا المشروع بأعباء أمنية كان فى غنى عنها، وكان يمكن تفاديها، أدت فى النهاية إلى انهياره وعدم قدرته على الاستمرار.

كان من اليسير على القيادة السياسية المصرية الراهنة، انطلاقا من هذا الواقع الدولى والإٍقليمى المعقد، أن تركز على أولوية الأمن وتأجيل قضية التنمية لحين تعافى الإقليم وتغير الشروط الدولية، لكن هذا لم يحدث، إذ انحازت هذه القيادة إلى العمل على مسارى الأمن والتنمية معا، وهو مسار شاق، لكنها ربما تكون فرصة استثنائية أمام الأمة المصرية. فما كان يمكن إنجازه منذ عقود مضت قد يمكن إنجازه اليوم بتكلفة أعلى، لكنه قد لا يكون متاحا لاحقا.

________________________________

نُشر أيضا بجريدة الأهرام، 26 أكتوبر 2022.

رابط دائم: