إسرائيل أمام خيارات صعبة فى مواجهة إيران
2022-9-26

سعيد عكاشة
* خبير مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

التصريحات التى يطلقها المسئولون الإسرائيليون تجاه المفاوضات الجارية بين إيران من جانب والدول الخمس الكبرى فى مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا من جانب آخر، تعبر عن حالة من الإحباط، سواء من احتمال الإعلان عن التوصل لاتفاق، أو احتمال مضاد بالإعلان عن فشل المفاوضات.

مصدر الإحباط يبدو منطقياً، فإسرائيل تدرك استحالة تعديل الاتفاق الذى انسحبت منه الولايات المتحدة عام 2018 بحيث يشتمل على قبول إيران بوقف أنشطة التخصيب فى منشآتها النووية، والامتناع عن تطوير الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية. إذ أن الدول الست التى تفاوض إيران تستهدف فقط إحياء الاتفاق القديم، وتشديد إجراءات التفتيش الدولى على المفاعلات الإيرانية للتأكد من وفاءها بالالتزامات المنصوص عليها فى هذا الاتفاق، وبالتالى فإن إطار التفاوض لا يخدم التطلعات الإسرائيلية المشار إليها آنفاً، بل إن هذا الإطار نفسه يمكن أن يحول اتجاه الجهود الدولية من الضغط على إيران إلى الضغط على إسرائيل لمنعها من مواصلة سعيها المنفرد لمنع إيران من الوصول للعتبة النووية.

على الجانب الآخر، فإن تسليم الدول الست بفشل الاتفاق (بافتراض حدوث ذلك) يمكن أن يؤدى إلى نفس النتيجة؛ حيث إن إسرائيل على قناعة بأن الدول الكبرى التى تفاوض إيران لا تتبنى موقفاً موحداً أو خطة بديلة للتعامل مع احتمال فشل المفاوضات، وبالتالى ففى حالة الفشل، سيقع عبء مواجهة خطر استمرار إيران فى البحث عن البديل النووى على إسرائيل وحدها، فى وقت تجمع آراء خبراءها الأمنيين والعسكريين على عدم قدرة بلادهم على مواجهة هذا الخطر بمفردها.

استراتيجية ثلاثية الأبعاد

حل هذا المأزق بالنسبة لإسرائيل يتلخص فى تبنى استراتيجية ثلاثية الأبعاد :البعد الأول، يتمثل فى محاولة تقسيم الدول الست التى تفاوض إيران إلى ثلاث كتل، تمثل الولايات المتحدة الكتلة الأولى والأهم منها، فيما تشغل فرنسا وبريطانيا وألمانيا الكتلة الثانية، والصين وروسيا الكتلة الثالثة. فيما يتعلق بالولايات المتحدة، تسعى إسرائيل إلى تأجيل البحث فى الكيفية التى ستتعامل بها حيال الموضوع النووى إلى نهاية هذا العام على أقل تقدير، إذ تراهن على إمكانية تعديل الموقف الأمريكى بعد انتخابات التجديد النصفى للكونجرس، وهو ما عبر عنه مسئول إسرائيلى (رفضت صحيفة جيروزاليم بوست الصادرة فى 13سبتمبر الجارى ذكر اسمه) بقوله: «إن إسرائيل لا تعتقد أن إيران والقوى العالمية ستعود إلى اتفاقهما النووى قبل انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى فى نوفمبر القادم». وتأمل إسرائيل أن تتغير الأوزان النسبية للحزبين الكبيرين داخل الكونجرس بعد هذه الانتخابات، بحيث يمكن لأنصارها هناك التأثير على قرارات البيت الأبيض لصالحها، والامتناع عن تمرير أى اتفاق مع إيران لا يحقق تلك المصالح.

فيما يتعلق بالكتلة الثانية، تحاول إسرائيل أن تستغل المأزق الذى تعيشه أوروبا نتيجة أزمة الطاقة التى تسببت فيها الحرب الروسية-الأوكرانية، لكى تساوم كلاً من فرنسا وبريطانيا وألمانيا على مواقفها من إيران عبر إقناعها بأنه يمكنها أن تؤثر على الدول الغنية بالنفط- والتى ترغب مثلها مثل إسرائيل فى الحد من خطر المشروع النووى الإيراني، وخطر أذرع إيران الإقليمية على أمنها- فى تخفيف وطأة أزمة الطاقة وتداعياتها على أوروبا، مقابل معاونة أوروبا لإسرائيل وهذه الدول فى جهود محاصرة الطموحات الإيرانية.

وتبقى الكتلة الأخيرة التى تضم الصين وروسيا هى الأصعب بالنسبة لإسرائيل لضمهما إلى مجموعة الضغط لكبح التحركات الإيرانية، فكلتا الدولتين يصعب إقناعهما بالمشاركة فى أى جهد دولى للضغط على إيران نتيجة امتلاكهما مصالح كبرى اقتصادية وعسكرية مع الأخيرة، فضلاً عن عدائهما المشترك لانفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي. ولكن بغض النظر عن صعوبة جذب هذه الكتلة الأخيرة لصفها، سيشكل نجاح إسرائيل فى حشد الكتلتين الأولى والثانية ضد إيران إنجازاً كبيراً فى استراتيجية محاصرة إيران.

البعد الثاني، ينصرف إلى تغيير النظرة الإسرائيلية للصراع مع إيران من صراع غير مباشر (مواجهة التنظيمات والكيانات التى ترعاها إيران لمحاصرة إسرائيل: حزب الله، حركتى الجهاد وحماس) إلى صراع مباشر مع إيران نفسها، وقد عبّر عن هذا التغير رئيس الوزراء الإسرائيلى السابق نفتالى بينيت فى مقابلة له مع مجلة «إيكونوميست» البريطانية بقوله: «إن إسرائيل باتت تتبنى مبدأ ضرب الأخطبوط وليس قطع أذرعه»، والذى يعنى تكثيف العمليات السرية ضد برامج إيران النووية والصاروخية والطائرات بدون طيار على الأراضى الإيرانية، بدلاً من استهداف وكلائها الإقليميين فى دولة ثالثة.

وأضاف قائلاً: «لم نعد نلعب مع أذرع ووكلاء إيران. لقد خلقنا معادلة جديدة تركز على التعامل مع الرأس». مقولة بينيت هى إعادة صياغة لمبدأ تبنته إسرائيل من قبل لوصف عملياتها ضد إيران، وهو مبدأ الحرب بين الحروب، الذى يستهدف استنزاف إيران بضربات نوعية مستمرة تضعف قدراتها وتجعلها أكثر ضعفاً قبل نشوب حرب شاملة معها.

البعد الثالث، يركز على حشد المؤسسات الدولية ذات الصلة بالموضوع النووى وقضايا السلم والأمن الدوليين ضد إيران، وفى هذا الصدد تقوم إسرائيل بتقديم معلومات استخبارية وتقارير لمراكز أبحاث للوكالة الدولية للطاقة الذرية تؤكد إخفاء إيران لمعلومات عن أنشطتها النووية، فالتقرير الأخير للوكالة فى شهر يونيو الماضى أكد أن مخزون طهران من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، القريبة من تلك اللازمة لصنع أسلحة نووية، وصل إلى المستوى الذى يكفي، فى حالة زيادة تخصيبه، لصنع قنبلة نووية. وذكر أيضاً أن السلطات الإيرانية لم تقدم حتى الآن إجابات شافية حول مصدر جزيئات اليورانيوم التى عثر عليها فى 3 مواقع غير معلن عنها، قبل سنوات.

وكان المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رفائيل جروسى قد صرح بعدها بأن إيران أبلغته بأنها سترفع 27 كاميرا مراقبة من العدد الكلى البالغ عددها 40 وحدة، من بعض المنشآت النووية، والتى كانت قد وضعت فيها الوكالة الذرية كاميرات مراقبة طبقاً لما نص عليه الاتفاق النووى عام 2015.

هذا الجهد الذى تقوم به الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية نيابة عن إسرائيل، يُعتقد أنه يعتمد بشكلٍ كبير على المعلومات التى تقدمها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لهذه الدول، ويمكن أن تؤدى هذه الجهود فى حالة فشل إحياء الاتفاق النووى إلى إرسال الملف الإيرانى مجدداً إلى مجلس الأمن لمحاولة فرض مزيد من العقوبات على إيران، وإن كان هذا التطور يواجه عقبات بسبب الموقف الروسى والصينى الرافض لفرض أية عقوبات ضد إيران خاصة مع تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين من جانب وبين كل من روسيا والصين من جانب آخر بسبب تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية.

________________________________

نُشر أيضا بجريدة الأهرام، 26 سبتمبر 2022.

 


رابط دائم: