منهجية تقدير نتائج الحرب الروسية – الأوكرانية
2022-8-1

د. وحيد عبد المجيد
* مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

كثيرةُ الالتباسات التى أحاطت، وتحيط، بتطورات الأزمة الروسية-الغربية، منذ بداية تصاعدها فى خريف 2021، وتحولها إلى حربٍ تدور رحاها فى أوكرانيا. وتعود هذه الالتباسات إلى تعقيدات الأزمة فى شقيها السياسى والعسكرى، إذ تمتزج فيها عوامل سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية وثقافية، ويُخلط فيها الاستراتيجى بالتكتيكى، إما بقصد ٍيرتبط بانحيازات سياسية، أو بشكلٍ غير متعمد نتيجة اختلاط الأمور فى بعض الأحيان. ويحدث هذا كله، فيما تقل المعلومات الدقيقة، والمُدَّققة، مقارنةً بفائض الأخبار الزائفة أو المصنوعة من جانب هذا الطرف أو ذاك، فى ظل حرب إعلامية - دعائية لا سابقة لها حجمًا ونوعًا فى تاريخ الصراعات الكبرى.

ويُضاف إلى ذلك أن طبيعة الحرب نفسها تزيد الالتباسات، لأنها مزيجُ من حربٍ نظامية وحرب مدن وشوارع لم تشهد أوروبا مثلها منذ الحرب العالمية الأولى. كما أنها خليطُ من الحرب الثنائية، والإقليمية، وكذلك الحرب العالمية من زاوية تأثر مناطق واسعة فى العالم بها، فضلاً عن أنها تهدد فى حالة توسع نطاقها بنشوب حرب نووية.

وتؤثر هذه الالتباسات، والتعقيدات التى تؤدى إليها، فى كثيرٍ مما نُشر ويُنشر، عن الأزمة والحرب، إذ تزداد جرعة الانحيازات السياسية حتى فى تحليلاتٍ يُفترض أنها علمية أو صادرة عن بعض الجهات البحثية والأكاديمية. ولكن أخطر ما يترتب على تأثير الالتباسات والتعقيدات هو اختلاط الذاتى بالموضوعى فى تقدير النتائج التى ستسفر عنها الحرب، وطغيان الانحياز السياسى على التحليل العلمى وتغليب التفكير الرغبوى Wishful Thinking على التفكير الموضوعى، على النحو الذى نتابع بعض تجلياته فى استنتاجاتٍ مبكرة سابقة لأوانها يُقفزُ فيها فوق أحداثٍ ما برحت مستمرة، ويُجزم بما قد يتعذر ترجيحه أو وضعه فى صدارة احتمالات عدة.

ولكل هذا، وغيره، تشتد الحاجة إلى التفكير فى طريقة منهجية تتسم بمقدار معقول، حتى إن لم يكن كاملاً من الصرامة العلمية عندما يأتى وقت تقدير نتائج الحرب، واستخلاص ما يمكن أن تؤدى إليه، وخاصةً النتائج الكلية المتعلقة بموازين القوة العالمية، وليست الآثار الجزئية المرتبطة بها أو المترتبة عليها فى هذا القطاع أو ذاك.

عن هدف روسيا السياسى-الاستراتيجى

مازالت فكرة أن الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى، أو أنها هى السياسة وقد عُسكرت أو صارت معتمدة على أدواتٍ عسكرية أكثر منها دبلوماسية، صحيحة اليوم مثلما كانت حين طُرحت فى القرن التاسع عشر. والقصد منها هو أن هدف الحرب إرغام العدو على الإذعان السياسى، أو فرض إرادة المنتصر السياسية كليًا أو جزئيًا.

ولهذا نقترح أن يبدأ البحث فى تقدير نتائج الحرب من الهدف السياسى - الاستراتيجى الذى حدَّدته روسيا، وسعت إلى تحقيقه أولاً بالوسائل الدبلوماسية فى نهاية 2021 ومطلع 2022، ثم شنت الحرب عندما تصورت قيادة الكرملين أن السياسة وصلت إلى طريق مسدودة.

فقد طرحت روسيا بدءًا من نوفمبر 2021 مطالب محددة توجهت بها إلى حلف "الناتو" والولايات المتحدة، تحت عنوان الضمانات الأمنية. وركز الخطاب الروسى الرسمى فى تلك الفترة على أن هذه الضمانات صارت ضرورية لأمنها. وصيغت المطالب المتعلقة بهذه الضمانات فى وثيقتين متشابهتين إلى حد كبير، قُدمت إحداهما إلى قيادة حلف "الناتو"، والثانية إلى الإدارة الأمريكية. وفى هاتين الوثيقتين، وخاصةً الوثيقة المقدمة إلى "الناتو"، ما يُعبر بدقة عن هدف روسيا السياسى - الاستراتيجى، الذى سعت إلى تحقيقه بالسياسة لعدة أسابيع، ثم حاولت الحصول عليه بواسطة الحرب منذ 24 فبراير 2022. وهذا الهدف هو بالتالى المرجع الذى يتعين تقدير نتائج الحرب على أساس ما تحقق منه، وما لم يتحقق. وهو أيضًا المعيار الذى تُقاس فى ضوئه هذه النتائج.

ولكى يكون هذا التقدير موضوعيًا، لابد من العودة إلى الوثيقة التى قدمتها روسيا إلى "الناتو"، ونشرت نصها على الموقع الرسمى لوزارة خارجيتها فى 17 ديسمبر 2021.(1) فقد صيغت هذه الوثيقة فى شكل مشروع اتفاقية أو معاهدة عنوانها: (اتفاق على إجراءات لضمان أمن الاتحاد الروسى والدول الأعضاء فى منظمة معاهدة شمال الأطلسى). وهى مقسمة إلى مقدمة وتسع مواد أهمها على الإطلاق ثلاث: المادة الرابعة التى تنص على (لا يجوز للاتحاد الروسى وجميع الدول التى انضمت إلى حلف "الناتو" اعتبارًا من 27 مايو 1997، على التوالى، نشر قوات عسكرية وأسلحة على أراضى أى من الدول الأخرى فى أوروبا بخلاف القوات التى كانت متمركزة فى هذه الدول فى ذلك التاريخ). والمادة السادسة التى تنص على أن (تلتزم جميع الدول الأعضاء فى حلف "الناتو" بالامتناع عن أى توسيع إضافى لهذا الحلف، بما فى ذلك انضمام أوكرانيا وأية دولة أخرى). والمادة السابعة التى تنص على (الدول الأعضاء فى حلف "الناتو" لن تمارس أية أنشطة عسكرية فى أراضى أوكرانيا والدول الأخرى فى أوروبا الشرقية، وجنوب القوقاز، ووسط آسيا).

وواضح أن الهدف السياسى - الاستراتيجى لروسيا على هذا النحو هو خلق وضع جديد يفرض قيودًا على حركة حلف "الناتو" فى شرق أوروبا، سواء فى الدول التى انضمت إلى هذا الحلف اعتبارًا من 1997، أو دول أخرى لم تنضم إليه. وأضافت روسيا دول جنوب القوقاز ووسط آسيا أيضًا فى السياق نفسه. لكن اهتمامها الجوهرى منصب على دول شرق أوروبا، لأن معظمها انضم إلى حلف "الناتو" بالفعل، ولأنها تخشى انضمام الدول الأخرى فى هذه المنطقة أيضًا، برغم أن شروط الالتحاق به لم تكن متوافرة فى هذه الدول، سواء أوكرانيا أو غيرها. ومن شأن هذا الوضع الجديد، الذى سعت روسيا إلى تحقيقه بواسطة الدبلوماسية ثم الحرب، تغيير نظام الأمن فى شرق أوروبا، على نحو يُتيح لها الظهور أمام العالم وقد صارت قادرةً على إحداث تحولات كبيرة، واستعادة المكانة التى كانت لروسيا القيصرية والاتحاد السوفيتى وإن فى صورةٍ مختلفة بطبيعة الحال.

وعندما نعود إلى الخطاب الروسى الرسمى، وتحديدًا إلى تصريحات الرئيس فلاديمير بوتين، فى تلك المرحلة الممتدة بين تقديم المطالب المتعلقة بالضمانات الأمنية المشار إليها سلفًا فى ديسمبر 2021، وشن الحرب فى فبراير 2022، نلاحظ أنها تنصب فى الأساس على هذه المطالب التى تُحدد هدفها السياسى - الاستراتيجى، أكثر مما ترتبط بأوكرانيا التى تعاملت معها موسكو، والحال هكذا، بوصفها ساحةً لإدارة الصراع من أجل تحقيق ذلك الهدف، وليست الهدف الأصيل لهذا الصراع.

ويمكن الإشارة إلى أربعة تصريحات، على سبيل المثال، يبدو واضحًا خلالها أن الهدف السياسى-الاستراتيجى هو تحقيق المطالب المتعلقة بالضمانات الأمنية، وليس ضم أجزاء من أراضى أوكرانيا.

1- فى مقابلة أجراها بافل زاروبينى فى برنامج (موسكو- الكرملين - بوتين) فى قناة روسيا الأولى فى 26 ديسمبر 2021، قال بوتين إن (الضمانات الأمنية موضوعة فى إطار مُحدَّد، ومن الضرورى التوصل إلى اتفاق على أساسها لضمان أمن روسيا ومواطنيها على المدى الطويل، وردنا العسكرى على غياب هذا الاتفاق يمكن أن يكون مختلفًا تمامًا وفق الاقتراحات التى سيقدمها لى خبراؤنا العسكريون. لكننى آمل فى تحقيق نتيجة من خلال المفاوضات ..).(2)

وواضح هنا التهديد باللجوء إلى القوة العسكرية فى حالة عدم التوصل إلى الاتفاق الذى يُحقَّق الهدف الروسى السياسى - الاستراتيجى –المُحدَّد فى ضماناتٍ أمنية- عن طريق المفاوضات.

2- عبر بوتين، فى مؤتمر صحفى عقب محادثاته مع رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان فى أول فبراير 2022، عن استيائه من الرد الأمريكى على المطالب المتعلقة بالضمانات الأمنية، وتحدث عن أن هذا الرد يتجاهل مخاوف روسيا الأساسية.(3)

3- جدد بوتين التعبير عن الاستياء من الرد الذى تلقته روسيا من الولايات المتحدة وقيادة حلف "الناتو"، فى مؤتمر صحفى عقده فى موسكو عقب محادثاته مع الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون فى 7 فبراير 2022. وقال إن الردين تجاهلا أهم مباعث قلق روسيا، وأن الغرب يحاول طمأنته بالحديث عن طابعه الدفاعى، فى حين أن استراتيجيته تعتبر موسكو خصمًا، وأنه سبق له التدخل عسكريًا فى عددٍ من الدول.(4)

4-بدا بوتين وقد وصل إلى اقتناعٍ بعدم جدوى الوسائل الدبلوماسية فى حديثه خلال مؤتمر صحفى فى موسكو مع رئيس بيلاروسيا فى 18 فبراير قبل ستة أيام على شن الحرب. فقد قال ما معناه إنه أدرك عدم جدية الدول الغربية فى مناقشة الضمانات الأمنية، وأنه بحث مع ضيفه مسألة الدفاع المشترك والإجراءات اللازمة للحفاظ على أمن البلدين فى مواجهة أنشطة حلف "الناتو".(5)

السياسى والعسكرى فى تقييم نتائج الحرب

بعد أن حددنا هدف روسيا السياسى-الاستراتيجى كما صاغته بوضوحٍ على هذا النحو، يصبح تقدير ما سيتحقق أو لا يتحقق من هذا الهدف هو المرجع والمعيار فى تقييم نتائج الحرب. والسؤال البحثى الأساسى هنا هو: إلى أى مدى تستطيع روسيا تحقيق هذا الهدف، أى دفع حلف "الناتو" فى نهاية الحرب إلى مراجعة نظام الأمن المرتبط به فى شرق أوروبا، انطلاقًا من مطالبها الخاصة بالضمانات الأمنية، سواء من خلال مفاوضات معها، أو عبر إجراءات منفردة تلقى قبولاً لديها؟

ووفق هذه المنهجية، لا يصح تقدير نتائج حربٍ هدفُها السياسى-الاستراتيجى واضح ومحدد ومُصاغ بدقة على أساس متغيرات تكتيكية. وبعبارة أخرى، لا يجوز تقدير نتائج حربٍ هدفُها السياسى- الاستراتيجى كبيرُ بحجم تغيير نظام الأمن فى شرق أوروبا، بكل آثاره على النظام العالمى، كما لو أنها حربُ حدودٍ تهدف إلى توسيع إقليم الدولة التى تشنها، عبر احتلال أو اقتطاع مناطق من دولة مجاورة. كما لا يستقيم تقدير نتائج حربٍ هدفُها السياسى-الاستراتيجى بهذا الحجم كما لو أنها حربُ اقتصادية تُقاس فيها هذه النتائج بالآثار المترتبة على عقوبات وإجراءات اقتصادية عدائية متبادلة.

ولهذا، يتعين أن يكون السؤال عما سيتحقق من هدف روسيا السياسى- الاستراتيجى هو المرجع والمعيار الذى تُحدد بناء عليه نتائج الحرب. فهل سيحدث تغيير فى نظام الأمن فى شرق أوروبا فى الاتجاه الذى حددته روسيا فى صياغتها لهدفها السياسى- الاستراتيجى فى الوثيقة التى سبق عرض أهم ما تضمنته، أم سيبقى الوضع على ما كان عليه، أم سيحدث تغيير ولكن فى اتجاهٍ آخر مغاير لذلك الذى تهدف إليه موسكو؟

ومفيدُ أن يؤخذ فى الاعتبار، سعيًا لبلوغ جواب موضوعى عن هذا السؤال فى نهاية الحرب، تطوراتُ تحدث الآن، على أن نتابع مستجداتها وما ستؤول إليه فى الفترة المقبلة إلى أن تسكت المدافع وتضع الحرب أوزارها. ومن أهم التطورات التى نقترح متابعتها بدقة ثلاثة:

1-التغيير الاضطرارى الذى حدث فى الخطة العسكرية الروسية الأساسية، التى سعت من خلالها إلى السيطرة على أوكرانيا عن طريق احتلال كييف وتنصيب حكومة موالية لها فيها، ومن ثم خلق أمرٍ واقعٍ جديد يفرض على قيادة حلف "الناتو" والإدارة الأمريكية مراجعة موقفهما تجاه المطالب الخاصة بالضمانات الأمنية الروسية، خشية أن تواصل موسكو اندفاعتها فى حالة نجاح تلك الخطة باتجاه دول أخرى فى شرق أوروبا، وتحديدًا مولدوفا وربما دول البلطيق الثلاث أو بعضها.

فقد اعتمدت الخطة الأولى على هجومٍ صاعق على أربعة محاور أهمها كييف، على نمط الهجوم الذى شنته الولايات المتحدة إبان غزو العراق عام 2003 (Shock and Awe). ولكن الخطة الروسية الأساسية أخفقت لأسباب عدة ليس هنا مجال الخوض فيها، وعُدلت لتركيز الهجوم على محور الشرق فى إقليم دونباس وجواره.

فهل سيكون فى إمكان روسيا العودة إلى الخطة الأولى، وإن بشكل مختلف بطبيعة الحال، والتقدم صوب كييف فى مرحلة لاحقة من الحرب، على نحو ربما يُقربَّها من تحقيق الهدف السياسى- الاستراتيجى، أو جزء منه، أم أن الأمر صار صعبًا وبات عليها أن تكتفى بالسيطرة على ما تستطيع احتلاله فى شرق أوكرانيا؟

2-فى حالة عدم قدرة روسيا على مواصلة الحرب سعيًا للوصول إلى كييف، أى العودة إلى الخطة الأصلية وإن فى صورة مختلفة وظروف متغيرة، فإلى أى مدى سيكون فى إمكانها تحييد ما تعتبره خطرًا عليها من أوكرانيا؟ ويتطلب جواب هذا السؤال متابعة مدى ترسيخ روسيا سيطرتها على المناطق التى احتلتها، وستحتلها، فى شرق أوكرانيا، وربما غيرها وفق ما تستطيعه، وهل ستتعامل حكومة كييف مع الأمر الواقع الجديد الذى تخلقه روسيا بسيطرتها على أكثر من ربع أراضى أوكرانيا مثلما تعاطت مع اقتطاع شبه جزيرة القرم عام 2014، أم ستنظم عمليات مقاومة غير نظامية فى المناطق التى تسعى روسيا إلى تكريس السيطرة عليها، وإلى أى مدى سيدعم حلف "الناتو" هذه المقاومة حال حدوثها؟

وفى جواب هذا السؤال ما قد يفيد جزئيًا فى توضيح إلى أى مدى ستستطيع روسيا تحييد ما تعتبره خطرًا يُمثله حلف "الناتو" عليها من خلال أوكرانيا. فقد كانت روسيا تخشى انضمام أوكرانيا إلى هذا الحلف، برغم عدم توافر أهم شرطين للالتحاق به لديها. وأولهما ألاَّ تكون الدولة التى تنضم إليه فى حالة نزاع حدودى مع دولة مجاورة. وكان واضحًا أن النزاع الروسى- الأوكرانى يحول دون توافر هذا الشرط الذى التزم به الحلف فى حالات سابقة، آخرها حالة جمهورية مقدونيا الشمالية التى لم يُنظر جديًا فى طلب التحاقها إلا بعد أن حلت نزاعًا أصغر بكثير مع اليونان. فقد اعترضت أثينا على الاسم السابق لهذه الجمهورية (مقدونيا)، ولم يُحل النزاع إلا عندما تم تغييره إلى مقدونيا الشمالية، وعندئذ وافق الحلف على انضمامها فى مارس 2020 بعد طول امتناع. وثانيهما أن تكون بنيتها العسكرية ونظم تسليحها متوافقة مع متطلبات الحلف. وكان هذا الشرط مفقودًا أيضًا بسبب هشاشة بنية أوكرانيا العسكرية، واعتماد نظام التسليح فيها على أسلحة شرقية (سوفيتية).

 لم يكن انضمام أوكرانيا إلى "الناتو" ممكنًا، إذن، قبل الحرب. وسيبقى كذلك بعدها سواء التزمت كييف بعدم السعى إليه، أو لم تلتزم، ولكن إذا واصل "الناتو" تزويد أوكرانيا بالأسلحة، وتوسع فى ذلك عقب وقف الحرب، يصبح السؤال منطقيًا عن تحول الخطر الذى اعتبرته روسيا محتملاً إلى تهديد فعلى من جراء وجود بنية عسكرية للحلف فى أوكرانيا كأمر واقع وليس مقننًا، وما إذا كان احتلال موسكو للمناطق الشرقية فيها يُقلل هذا التهديد.

ويتعلق هذا السؤال بقضية ابتعاد حلف "الناتو" أو اقترابه من حدود روسيا. فالهدف السياسى- الاستراتيجى للحرب هو إبعاد الحلف عن روسيا. فهل هذا ما سيتحقق، أم عكسه؟ ومن الضرورى، هنا أيضًا، متابعة المدى الذى سيبلغه تعزيز قوات "الناتو" وأسلحته فى دول شرق أوروبا الأخرى الأقرب إلى روسيا. فقد بدأت عمليات التعزيز منذ نشوب الحرب، ومازالت متواصلة حتى اليوم. ولكن هل ستتواصل حتى نهاية الحرب، وهل ستبقى القوات والأسلحة الإضافية فى الدول التى أُرسلت إليها، أم ستُعاد إلى حيث كانت، أم ستزداد؟ وهل ستحافظ الولايات المتحدة على سياستها الراهنة، وهى الاحتفاظ بالقوات التى نشرتها فى شرق أوروبا خلال الحرب، وزاد عددها من 60 ألف إلى مائة ألف حتى أول يوليو 2022(6) أم ستراجع هذا الموقف بعد الحرب؟.

وفى الجواب عن هذا السؤال كثير جدًا مما يتطلبه تقدير نتائج الحرب، مضافًا إليه جواب سؤال آخر يثيره طلب فنلندا والسويد الانضمام إلى الحلف، الأمر الذى يُقرَّبه أكثر من روسيا. ولفنلندا أهمية أكبر فى هذا التقدير، لأن حدودها المشتركة مع روسيا تمتد لحوالى 1300كم.

3-استمرار أو إلغاء الحظر الذى فرضته ليتوانيا على عبور سلعٍ خاضعة لعقوبات الاتحاد الأوروبى إلى منطقة كاليننجراد الروسية، وهى جيب معزول برًا عن أراضى روسيا، ويقع على بحر البلطيق بين ليتوانيا وبولندا المنضمتين إلى حلف "الناتو".

وتزداد الأهمية الاستراتيجية لهذا الجيب، الذى صار محاصرًا من البر بموجب قرار ليتوانيا، فى ظل انضمام فنلندا والسويد إلى "الناتو"، ومن ثم تحول بحر البلطيق إلى بحيرة أطلسية بالكامل فيما عدا هذا الجيب الروسى.

ووفق ما سيُستجد فى هذه التطورات، وربما غيرها أيضًا، يمكن تقدير ما سيصير إليه هدف روسيا السياسى- الاستراتيجى، الذى يُعد المرجع والمعيار الجوهرى لتقدير نتائج الحرب اعتمادًا على ما ستنتهى إليه، واسترشادًا بتاريخٍ ملئ بدروسٍ مفادها أن المسافة شاسعة بين كسب مساحات من الأرض وبين تحقيق نصر استراتيجى.

________________________________

1- يمكن العودة إلى نص الوثيقة الروسية المُحدَّدة للهدف السياسى-الاستراتيجى الذى سعت إليه بالسياسة ثم بالحرب على موقع وزارة الخارجية الروسية:

Https://mid.ru.ruforeignpolicy/rso/nato/17908031?Lang=en.17-12-2021,13,26.

وعنوانها:

Agreement on measures to ensure the security of the Russian Federation and Member States of the North Atlantic Treaty Organization.

2- Https://arabic.sputniknews.com,26-12-2021.

3- Https://arabic.sputniknews,com,1-2-2022.

4- Https://arabic.rt.com,7-2-2022.

5- Https://arabic.sputniknews.com,18-2-2022.

6- Https://nytimes.com/3-7-2022.


رابط دائم: