الوحدة الكورية .. استعصاء بعد مرور نصف قرن على إقرار مبادئها
2022-7-23

السيد صدقي عابدين
* باحث في العلوم السياسية - متخصص في الشئون الآسيوية

 

في الرابع من يوليو عام 1972، أقرت الكوريتان ثلاثة مبادئ تقوم عليها عملية إعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية. واليوم وبعد مرور خمسين عاماً على إقرار هذه المبادئ، ما زالت الوحدة بعيدة المنال. فما الذي أدى إلى عدم تحقيق تلك الوحدة حتى الآن؟، وهل ثمة فرص لتحققها في المستقبل؟، وهل إذا حدث ذلك سيكون بالاستناد إلى المبادئ ذاتها التي أقرت منذ نصف قرن؟.

المبادئ الثلاثة بين المثالية والواقعية

بعد سلسلة من الاجتماعات المتبادلة في عاصمتي الكوريتين بيونج يانج وسول، كان من بينها زيارة مدير الاستخبارات الكورية الجنوبية إلى بيونج يانج في الفترة من الثاني إلى الخامس من شهر مايو عام 1972، وزيارة نائب رئيس الوزراء الكوري الجنوبي إلى سول في الفترة من 29 مايو إلى الأول من يونيو من العام نفسه، أعلنت الكوريتان في الرابع من يوليو بياناً مشتركاً تضمن ثلاثة مبادئ باعتبارها أساساً لتحقيق الوحدة بينهما.

المبدأ الأول، يتمثل في ضرورة إنجاز الوحدة بشكل مستقل. ولم تقتصر الصياغة على ذلك وإنما أضافت نقطتين مهمتين: أولاهما تذكر عدم الاعتماد على القوى الخارجية في تحقيق الوحدة. وثانيتهما تؤكد على إتمام تلك الوحدة دون تدخل من القوى الخارجية.

هذا المبدأ بأبعاده المختلفة يبدو مثالياً وغير واقعي في الوقت نفسه. فكيف لوحدة أن تتم بين طرفين حدث الانقسام بينهما أساساً في ظل انقسامات دولية وتدخلات خارجية صريحة في شئون شبه الجزيرة الكورية، ومن ثم انحيازات واضحة لكلا البلدين تجاه قوى خارجية. إذن فالاستقلالية المطلقة تلك إن جاز التعبير لا يمكن توفير شروطها على أرض الواقع. وهذا ما حدث بالفعل على مدار عقود. ولا يجب إغفال أن تجارب الوحدة التي تمت، والتي كان التقسيم فيها في ظل ظروف مشابهة لظروف شبه الجزيرة الكورية، وتحديداً الحالة الألمانية ما كان لها أن تكون لولا تلاقي إرادات دولية، ظلت متعارضة لسنوات طويلة مع إرادة الألمان، سواء كانت تلك الإرادة شعبية أو رسمية.

وفي الحالة الكورية، هل من الوارد الحديث عن استقلالية بهذا المعنى في ظل شبكة علاقات معقدة لكلا الكوريتين مع حلفاء وشركاء زمن الحرب الباردة وما بعدها. ففي زمن الحرب الباردة كانت كوريا الشمالية ضمن المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي وكانت علاقاتها قوية بالصين حتى في سنوات الخلاف السوفيتي-الصيني. وكلا البلدين كان الداعم الأكبر مادياً وعسكرياً وبشرياً لبيونج يانج في الحرب الكورية 1950 ـ 1953. ولم تكن أي من الدولتين تعترف بكوريا الجنوبية كدولة مستقلة. فالعلاقات بين كوريا الجنوبية والاتحاد السوفيتي أقيمت قرب نهاية الأخير، بينما قامت العلاقات الدبلوماسية بين سول وبكين بعد ذلك في العام 1992. في المقابل، فإن الولايات المتحدة تجمعها علاقة تحالف عسكري مع كوريا الجنوبية، وتتواجد لها قوات في أراضي الأخيرة، وتتعهد بالدفاع عنها، وما زالت حتى هذه اللحظة هي التي تتولى قيادة القوات الكورية في حال نشوب حرب. وهي التي شكلت تحالفاً دولياً للوقوف مع كوريا الجنوبية في الحرب الكورية في أوائل خمسينيات القرن الماضي.

إذن، فاستقلالية تامة ومجردة من أي تأثير خارجي قد تبدو شرطاً مستحيلاً، وليس أساساً تقوم عليه الوحدة، خاصة وأن الطرفين المباشرين وإن عاشا شعباً واحداً لقرون، إلا أنه بات بينهما خلافات واختلافات كثيرة أيديولوجية وسياسية واقتصادية واجتماعية. وهنا يأتي الحديث عن المبدأ الثاني والذي ورد ترتيبه في الوثيقة المذكورة ثالثاً والقاضي بقيام وحدة وطنية عظيمة كشعب واحد وبغض النظر عن الاختلافات في الأفكار والأيديولوجيات والنظم.

وهنا تطرح علامات استفهام كثيرة أيضاً حول صيغة تلك الوحدة التي لا تقيم اعتباراً لتلك النوعية من الاختلافات التي ذكرت في البيان. فهل من الممكن تصور قيام دولة واحدة بأيديولوجيتين مختلفتين، وبنظامين مختلفين وبأفكار مختلفة. ربما يتوارد إلى الذهن صيغة دولة واحدة ونظامان. لكن مرة أخرى إلى أي مدى يمكن حدوث ذلك على أرض الواقع. فالكوريتان قدمتا صيغاً مختلفة للوحدة لكن لم تحظ أي منها بقبول الطرف الآخر. كل طرف يصر على أن ما يطرحه هو الصحيح والمعقول والمقبول، لكن الطرف الآخر لا يقر بذلك.

في هذا السياق، طرحت قضية في فترات مختلفة حول ما يمكن تسميته "الوحدة بالاستيعاب". وكانت تلك بالأساس تطرح في الجنوب، بحيث تقوم كوريا الجنوبية وبحكم ما راكمته من موارد باستيعاب كوريا الشمالية والعمل على ردم الفجوة في مستويات المعيشة بين الجانبين. وهذا ما كان يجعل كوريا الشمالية تستشيط غضباً نظراً لأنها تعتبر أن ذلك بمثابة هدم لتجربتها الثورية التي تراها ناصعة.

في المقابل، كانت هناك مخاوف كورية جنوبية كبيرة خاصة في فترة الحرب الباردة من قيام كوريا الشمالية بتوحيد شبه الجزيرة الكورية عبر استخدام القوة العسكرية. من الواضح أن العناصر الثلاثة ممثلة في النظم والأيديولوجيات والأفكار التي حاولت الكوريتان في بيانهما تحييدها من الصعوبة بمكان إن لم يكن من المستحيل تحييدها.

المبدأ الثالث، والذي كما ذكر كان ترتيبه الثاني، يتعلق بضرورة إنجاز الوحدة عبر الوسائل السلمية، ودون استخدام القوة من قبل أي ظرف ضد الطرف الآخر. من الواضح أن هذا المبدأ قدمته كوريا الجنوبية مقابل تقديم كوريا الشمالية للمبدأ الأول الخاص بعدم السماح بتدخل القوى الخارجية في عملية الوحدة، أخذاً في الاعتبار الأجواء التي كانت سائدة بين الطرفين عند إعلان البيان، وكذلك الأجواء الدولية التي كانت سائدة. وبالمناسبة فلا يمكن فصل التطورات بين الكوريتين في ذلك الوقت عن مجمل التطورات على الساحة الدولية، فيما عرف في حينه بالانفراج الدولي، سواء بين موسكو وواشنطن أو بين الأخيرة وبكين. وفي هذا تأكيد على مدى تأثير العامل الخارجي الذي افترض البيان إمكانية تنحيته تماماً عن عملية الوحدة المبتغاة. كما أن الظرف الدولي في مستهل تسعينيات القرن العشرين هو الذي سمح بدخول الكوريتين إلى الأمم المتحدة كعضوين كاملي العضوية.

فرص تحقيق الوحدة الكورية

بعد مرور هذه السنوات على إقرار مبادئ عملية الوحدة، هل هناك فرص حقيقية لتحقيق الوحدة بين الكوريتين؟

الجانبان يعتبران الوحدة هدفاً أعلى بالنسبة لهما. وهناك مؤسسات تقوم على هذه الوحدة بشكل كامل ممثلة في وزارة الوحدة في الجنوب ولجنة خاصة في الشمال. قبل مناقشة فرص تحقق الوحدة والمدى الذي يمكن أن تحدث فيه لابد من الإشارة إلى بعض ما حدث بين الجانبين طوال هذه السنوات. ما حدث يمكن تلخيصه في المراوحة بين التهدئة والتصعيد. ذروة التهدئة كانت في لقاءات القمة بين الجانبين والتي كان أولها منتصف العام 2000. وذروة التصعيد كانت تصل إلى الاشتباكات العسكرية والقصف المدفعي البري أو البحري. ظهرت في فترات التهدئة عناصر مهمة من قبيل اتفاقات خاصة بالتبادلات الاقتصادية والسياحية وإقامة منشآت مشتركة سواء في قطاعي السياحة أو الصناعة، ومنها مجمع كايسونج الصناعي في كوريا الشمالية، والقائم على استثمارات وتكنولوجيات كورية جنوبية وعمالة كورية شمالية، ومجمع كومكانج السياحي في الشمال أيضاً.

لكن تأتي فترات التوتر لتؤدي إلى توقف هذه المشاريع، أو إغلاقها نهائياً، أو حتى نسفها من الوجود. ولا يقف النسف عند هذه المنشآت الإنتاجية والخدمية وإنما يتعداه إلى المنشآت الخاصة بالاتصال بين الجانبين كما حدث مع مكتب الاتصال بين الكوريتين في مدينة كايسونج الكورية الشمالية أيضاً.

 الأمر نفسه يحدث مع الاتفاقات التي تعقد بين الجانبين سواء تعلق الأمر بربط خطوط السكك الحديدية بينهما أو ببعض إجراءات الثقة مثل خطوط الاتصال وتبادل الزيارات أو قطاع الغابات وغيرها من الأمور. وتأتي فترات التوتر ليتم تعليق العمل بتلك الاتفاقات أو حتى الإعلان عن عدم الالتزام بها وإلغائها تماماً.

لا شك أن ذلك على الأغلب يؤدي إلى العودة مجدداً من نقطة الصفر. وهنا يبرز سؤال ذا صلة وهو المتعلق بالأساس القانوني الذي مازال يحكم علاقات البلدين. رسمياً حتى الآن الكوريتان في حالة حرب. إذ انتهت الحرب الكورية باتفاق للهدنة في قرية بانمونجوم في المنطقة الحدودية. وقد طرح كلا الجانبين مقترحات حول تغيير هذا الوضع. فكوريا الشمالية دأبت من آن لآخر على اقتراح عقد اتفاق سلام مع الولايات المتحدة، وليس مع كوريا الجنوبية. في المقابل، فإن الجانب الكوري الجنوبي خاصة في ظل إدارة الرئيس مون جي إن تحدث كثيراً عن ضرورة إنهاء حالة الحرب بين الجانبين، والتوصل إلى نظام للسلام في شبه الجزيرة الكورية.

لا المقترح الكوري الشمالي بات قريباً من التحقق حتى في ظل فترات التقارب مع الولايات المتحدة، سواء في نهاية عهد بيل كلينتون، عندما كانت مادلين أولبرايت أول وزير خارجية أمريكي يزور بيونج يانج، ولا حتى عندما التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالزعيم الكوري الشمالي كيم جونج ـ أون أكثر من مرة عامي 2018 و2019. ففي المرة الأولى جاءت إدارة جورج بوش الإبن بتصور مختلف تماماً، وصنّفت كوريا الشمالية ضمن دول محور الشر. ومن ثم زادت الأمور تعقيداً. وفي الحالة الثانية، فإن المسار التفاوضي الأمريكي الكوري الشمالي انهار تماماً بعد قمة هانوي فبراير 2019 في ظل تفاوت كبير بين طرح كلا الجانبين. وحتى عندما جاءت إدارة جو بايدن وأبقت باب الحوار مفتوحاً، فإن كوريا الشمالية لم ترد بالإيجاب على دعوات الحوار تلك، معتبرة أن السلوك الأمريكي الذي تصفه بالعدائي أبعد ما يكون عن الحوار الذي يقدر ويحترم سيادة ومصالح الطرف الآخر. ومن ثم فقد انطلقت كوريا الشمالية مرة أخرى في سلسلة التجارب الصاروخية. وتشير الكثير من المصادر الرسمية وعلى رأسها الأمريكية والكورية الجنوبية إلى توقع إجراء بيونج يانج تجربة نووية جديدة بعدما توقفت عن ذلك لسنوات. كما أن الولايات المتحدة ما زالت تؤكد على التزامها بأمن كوريا الجنوبية والتصدي لما تسميه استفزازات كورية شمالية بكل الوسائل، بما في ذلك فرض المزيد من العقوبات. ومرة أخرى كيف يمكن تصور وجود حوار في ظل هذه الأجواء وما الذي يمكن أن يفضي إليه من نتائج.

كما أن المقترح الكوري الجنوبي قد تراجعت فرصه كثيراً إن لم تكن قد تلاشت بعد ترك الرئيس مون جي ـ إن للسلطة. ففضلاً عن أن هذا المقترح كان يحتاج إلى توفر عناصر كثيرة ومهمة لم يكن تصور توفرها حتى يتم تنفيذه، فإن إدارة الرئيس يون سيوك ـ يول. الذي تولى مقاليد السلطة في شهر مايو 2022 تختلف تماماً في تعاملها مع كوريا الشمالية. والعنوان الأبرز لها هو التشدد حيال ما تسميه كوريا الجنوبية استفزازات والرد عليها. ومن آخر ما وجه به الرئيس الجديد على هذا الصعيد يوم السادس من يوليو 2022 بضرورة "معاقبة كوريا الشمالية بسرعة وحزم في حال قيامها بأعمال استفزازية". وفضلاً عن أن هذه اللهجة ستواجهها بيونج يانج بتشدد أكثر، فإنها لا تخفي تزايد معدلات عدم الثقة خاصة على ضوء المساعي الرامية إلى السير قدماً بالتعاون الثلاثي الأمريكي الكوري الجنوبي الذي تراه موجهاً لها بالأساس. وتذهب إلى أن ما يتم هو سعي لاستنساخ حلف شمال الأطلنطي في آسيا، بهدف المحافظة على الهيمنة الأمريكية واحتواء الصين. فهل في هكذا أجواء ما زال للحديث عن الوحدة المستقلة والسلمية والمجردة من الخلافات الفكرية والأيديولوجية فضلاً عن الاختلافات بين النظامين فرصة للتحقق؟. حديث هنا عن عقاب سريع وحازم، وحديث هناك عن حرب قد لا تكون تقليدية. إذن فالطريق طريق دورة جديدة من التصعيد وليس التهدئة. هذا إلى جانب ما يجري من تفاعلات صراعية بين كل من الولايات المتحدة وحلفائها من ناحية وكل من روسيا والصين من ناحية أخرى. وإن اختلف مستوى وحدة الصراع.

في الختام، فإن المبادئ الثلاثة التي اتفق الجانبان الكوريان عليها منذ نصف قرن قد لا تكون في حاجة إلى تعديل جذري، لكنها في حاجة إلى تفسير واقعي. كما أن مقترحات الوحدة في حاجة إلى أن تنزل إلى مستوى عملي، وألا تظل في نطاق التنظير أو المناكفات. لكن قبل الحديث عن صيغ الوحدة لابد من البحث عن صيغ تحسن العلاقات. فكل ما حدث على صعيد العلاقات بين الجانبين حتى الآن يمكن تصنيفه في الإطار الرمزي. وما حدث من إجراءات عملية معظمها أطيح بها. كما أن احتمالات حدوث الاشتباكات العسكرية تظل قائمة.

كما أن هناك قضايا قد جدت ويصعب الحديث عن الوحدة دون حسمها، ومن بينها قضية السلاح النووي في كوريا الشمالية. فهل يتصور القبول بقيام دولة كورية واحدة في شبه الجزيرة الكورية مع احتفاظ تلك الدولة بالسلاح النووي؟.

إذا كانت قد مرت خمسة عقود على إقرار مبادئ الوحدة الكورية ومازالت الوحدة عصية على التحقق، فكم من العقود سينتظر الكوريون حتى تتحقق الوحدة؟.

 


رابط دائم: