الأزمة السورية والحرب فى أوكرانيا .. الانعكاسات والمآلات
2022-3-9

صافيناز محمد أحمد
* خبيرة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تتقاطع ملفات التفاعل بين الولايات المتحدة وروسيا فى منطقة الشرق الأوسط مع ملف الأزمة فى أوكرانيا على وقع الغزو العسكرى الروسى لأراضى الأخيرة فى 24 فبراير 2022، وذلك فى سياق النزاع الدولى بين روسيا وحلف الناتو، جراء اتهام موسكو للحلف بعدم الأكتراث بمخاوفها الأمنية تجاه مد مظلته العسكرية شرقاً، والوصول لحدودها المباشرة حال قبول عضوية أوكرانيا به.

وبغض النظر عن "جدلية" المسببات التى دفعت روسيا للإقدام على خطوة الغزو العسكرى لدولة مجاورة ذات سيادة، وبغض النظر كذلك عن تطورات الصراع المسلح بين الطرفين الروسى والأوكرانى ونتائجه بالنسبة لروسيا، فإن ثمة انعكاسات تبدو واضحة على ملفات التفاعل الأخرى بين الجانبين الروسى والأمريكى، لاسيما فى منطقة الشرق الأوسط، التى تشهد انخراطاً عسكرياً للطرفين فيها؛ حيث تستخدم تلك الملفات كأداة ضغط بين الطرفين بهدف الوصول إلى ما يمكن تسميته بـ"المقايضات الجيوسياسية".

 ويأتى ملف الأزمة السورية فى مقدمة تلك الملفات، الذى لايزال يعانى – على مدار عشرة سنوات - من غياب إطار دولى محدد للتسوية السياسية، نتيجة لعدم توصل أطراف الأزمة، من القوى الدولية والإقليمية المنخرطة فيه، إلى مسار تفاوضى يضمن مصالحها المتباينة؛ ما أدى إلى بقاء الأزمة رهينة لخريطة المصالح والنفوذ التى رسمتها تلك القوى على أرض الصراع السورى، والتى استقرت فى السنوات الثلاثة الماضية عند نقطة القبول الضمنى المتبادل بين كافة أطرافها - دولياً وإقليمياً - بخيار "إدارة توازن المصالح"، وهو الخيار الذى أبقى الأزمة فى حالة جمود، وأبقى خريطة النفوذ العسكرى للقوى المنخرطة فيها فى حالة ثبات.

تأييد لموسكو وتداعيات متعددة الأبعاد

فى سياق ذلك، أعلن النظام السورى تأييده للحليف الروسى فى حربه العسكرية ضد أوكرانيا، وقد استبق هذا التأييد قيام وزير الدفاع الروسى سيرجي شويغو بزيارة لقاعدة حميميم العسكرية الروسية فى اللاذقية، واجتماعه بالرئيس السورى بشار الأسد قبل الغزو الروسى لأوكرانيا، بما اعتبره المحللون أن سوريا باتت تمثل امتداداً للأمن القومى الروسى، لاسيما وأن قاعدة حميميم تعتبر خط دفاع روسياً متقدماً فى البحر المتوسط لمواجهة الناتو، الذى يتمتع بوجود قوى فى قاعدة انجيرليك الجوية بجنوب تركيا أحد أعضاء الحلف.

وقد أدى الغزو الروسى العسكرى لأوكرانيا إلى "تراجع نسبى" فى اهتمام موسكو بملف الأزمة السورية لاسيما على المستوى العسكرى، وانعكس هذا التراجع فى انخفاض ملحوظ لنشاط القوات الروسية فى العديد من المناطق السورية؛ فخفت حدة الضربات الجوية على مناطق الحدود السورية- العراقية حيث بقايا تنظيم الدولة، كما تراجعت معدلات الاستطلاع الجوى فى البادية السورية، وقلت كذلك تحركات الدوريات العسكرية الروسية بالقرب من مناطق الوجود العسكرى الأمريكى فى مناطق الشمال الشرقى، وفى مناطق النقاط الأمنية الروسية- التركية المشتركة فى شمال الحسكة. وإن كان هذا التراجع لا يعبر عن تغيير فعلى بشأن إدارة روسيا لكافة أبعاد الأزمة، حيث لاتزال تتحكم فى كافة مفاعيلها على أرض الواقع، يخدمها فى ذلك طبيعة الاهتمامات الأمريكية فى ظل إدارة بايدن تجاه بؤر الصراعات المسلحة؛ حيث تولى هذه الإدارة اهتماماً نوعياً ببعض المسارات الفرعية داخل الملف السورى؛ كملف المساعدات الإنسانية، ومحاربة الإرهاب، وضمان أمن إسرائيل فى مواجهة المخاطر التى يمثلها وجود الميليشيات الإيرانية فى منطقة الجنوب السورى، الأمر الذى يتيح لروسيا هامش مناورة كبيراً فى معالجة الصراع السورى؛ سواء على مستوى مسارات التفاوض السياسية المتوقفة، أو على مستوى التحركات العسكرية على الأرض.

أما بالنسبة للتفاعل الروسى- الأمريكى المباشر فى الملف السورى - على خلفية حالة التوتر المتصاعدة بين الطرفين فى الملف الأوكرانى- فمن المتوقع أن يشهد هذا التفاعل تحولاً فى نمطه؛ لينتقل من حالة "التوافق الضمنى" التى تمثلت فى القبول بمسار التفاوض "السورى/ السورى" بشأن اللجنة الدستورية برعاية روسية باعتباره مساراً منبثقاً عن القرار الأممى رقم 2254، إلى حالة من "التشدد الحاد" التى سيكون لها انعكاسات سلبية على حلفاء الولايات المتحدة من الأكراد السوريين فى مناطق الإدارة الذاتية شمال سوريا، وتحديداً قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، المدعومة عسكرياً ولوجستياً من قبل واشنطن، هذا فضلاً عن احتمالات قوية بممارسة روسيا ضغوطاً تجاه الوجود العسكرى الأمريكى – المحدود- فى الشمال السورى، بما يزيد الضغط على قوات سوريا الديمقراطية، ويجعلها بلا غطاء عسكرى أو سياسى فى مواجهة النظام السورى.

ويرتبط التفاعل الروسى- الأمريكى فى أوكرانيا، وانعكاساته على الملف السورى، بمتغير التعاطى التركى مع الغزو الروسى لأوكرانيا؛ فتركيا المنخرطة عسكرياً فى سوريا، ويعنيها الوضع فى أوكرانيا جيوسياسياً، أبدت موقفاً حذراً ومتبايناً فى الوقت نفسه من ذلك الغزو؛ ففى بداية الصراع الروسى- الأوكرانى لم تغلق تركيا ممرىَ البوسفور والدردنيل أمام حركة السفن العسكرية الروسية، على وقع تثمين أنقرة لموقف روسيا الرافض لإلحاح النظام السورى المتكرر - على مدار السنوات الثلاثة الماضية - بشأن شن حرب عسكرية شاملة فى إدلب.

وتالياً، وتحت الضغوط الأوروبية الأمريكية قررت تركيا تفعيل اتفاقية مونترو- الموقعة عام 1936- التى منحتها السيطرة على الممرين المذكورين، بما يعنى غلق تلك الممرات الاستراتيجية فى وجه السفن العسكرية الروسية، ما يعد تطوراً نوعياً فى الموقف التركى من الغزو الروسى لأوكرانيا، من المحتمل أن يكون له تداعيات حادة وسلبية على العلاقات الروسية- التركية على المدى الطويل.  

هذا التغير فى نمط التفاعل التركى مع الغزو الروسى لأوكرانيا جاء مدفوعا بهدفين: الأول، هو أن تثمن الدول الأوروبية الموقف التركى بما يدفعها إلى إبداء قدر من المرونة تجاه مطالب أنقرة المستمرة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبى. والثانى، رغبة أنقرة فى التأثير على الموقف الأمريكى الداعم لقوات سوريا الديمقراطية الكردية "قسد"، بما يدفع واشنطن للأخذ فى الحسبان تخوفات تركيا الأمنية من وجود كيان كردى مسلح على حدودها الجنوبية.

ويلاحظ هنا، أن غلق تركيا لممراتها أمام السفن العسكرية الروسية سيؤدى إلى اعتماد روسيا على الموانئ السورية، وتحديداً مينائى اللاذقية وطرطوس باعتبارهما يمثلان قواعد عسكرية خلفية لروسيا. لكن الواقع يقول أن الحسابات التركية مع روسيا داخل سوريا أكثر بكثير من تلك التى تجمع تركيا بالولايات المتحدة، وهو ما يعنى أن تركيا ربما تواجه غضباً روسياً حاداً موجهاً لمناطق نفوذها فى الشمال السورى، بما فيها الشمال الغربى حيث إدلب التى تعد المعقل الرئيسى والوحيد للمعارضة السورية المسلحة التى ترعاها وتدعمها تركيا عسكرياً.

أيضاً لمتغير التفاعل الإسرائيلى مع الحرب الروسية على أوكرانيا ارتباطاته المهمة بالأزمة السورية؛ فحالة الحذر الشديدة التى أبدتها حكومة نفتالي بينيت - وربما التأييد الضمنى لصالح الغزو الروسى – جاءت مدفوعة بمخاوف تل أبيب من قيام موسكو بتقييد الضربات العسكرية المستمرة التى تقوم بها إسرائيل ضد الأهداف الإيرانية فى العمق السورى.     

بالإضافة إلى ما سبق، ثمة أنباء تقول أن روسيا تتجه إلى تجنيد مرتزقة سوريين إلى جانب القوات الروسية فى حربها ضد أوكرانيا، خاصة فى حرب المدن والضواحى، مقابل دعوة الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكي لمتطوعين للقتال إلى جانب القوات الأوكرانية، وهو أمر يحمل الكثير من الإشكاليات التى قد تعرض سوريا لمزيد من فرض العقوبات الاقتصادية على غرار عقوبات قانون قيصر التى لاتزال قائمة. كما يحمل إرهاصات مخيفة تؤشر على دخول الأزمة الأوكرانية فى المسار نفسه الذى دخلته الأزمة السورية، وهو أن كلا الأزمتين باتتا بؤراً صراعية جاذبة للمقاتلين الأجانب، على نحو يعنى فتح بؤر جديدة للإرهاب على المستوى الدولى من ناحية، وفى قلب أوروبا من ناحية ثانية، وربط الأزمة الأوكرانية بمتغيرات العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية فى ملفات الشرق الأوسط من ناحية ثالثة.  

آثار اقتصادية متوقعة

من الانعكاسات الأكثر فداحة التى ستتأثر بها سوريا جراء الغزو الروسى لأوكرانيا الآثار الاقتصادية السلبية؛ حيث تعتمد دمشق على استيراد المواد الغذائية والنفطية والغاز من روسيا إلى جانب أوكرانيا، وهو ما سيزيد من وطأة العقوبات المفروضة عليها من قبل الولايات المتحدة، هذا بخلاف أن العقوبات المفروضة على روسيا، والتى بدأت تطال قطاعى الغاز والنفط من شأنها التأثير بقوة على الداخل الروسى، وهو ما يعنى أن روسيا ستنشغل لفترة من الزمن – لاسيما إذا طال أمد عملياتها العسكرية فى أوكرانيا- بمعالجة أزماتها الداخلية بما يترتب عليه ترك سوريا فى مهب المواجهة مع أوروبا والولايات المتحدة والعقوبات الاقتصادية المرشحة للتزايد. هذا بخلاف الارتفاع الذى تشهده أسعار النفط، الأمر الذى سيفرض على دمشق تحديات داخلية تتمثل فى رفعها للأسعار الخاصة بمشتقات النفط، إلى جانب ذلك من المتوقع أن تؤثر تلك التطورات على قيمة الليرة السورية، وتراجع قدرتها الشرائية بما يزيد من الأعباء اليومية على حياة السوريين.    

مما سبق يتضح أن ملف الأزمة السورية بات طرفاً فى الصراعات الدولية المرتبطة بكل من روسيا والولايات المتحدة وأوروبا، وفى مقدمتها الغزو العسكرى الروسى لأوكرانيا، ويأمل النظام السورى أن ينتهى هذا الغزو بحالة انتصار عسكرى روسى على الأرض، وحالة انتصار سياسى على الولايات المتحدة والدول الأوروبية، بما قد ينعكس إيجاباً على رؤية روسيا للحل السياسى فى سوريا لصالح النظام، وهى رؤية ظلت تتأرجح وفقاً لتأرجح حالة التوافق والتفاهمات بين روسيا والولايات المتحدة وتركيا، مع ملاحظة أن مستقبل هذه التوافقات والتفاهمات سيظل رهناً بمآلات الصراع الروسى- الأوكرانى المسلح، ومدى قدرة روسيا والولايات المتحدة على عزل مسارات تفاعلاتهما عن بعضها البعض؛ سواء فى أوروبا، أو فى الشرق الأوسط .


رابط دائم: