هل تتدخل الصين في الحرب الإثيوبية؟
2021-12-9

أحمد عسكر
* باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

لم تكن زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى إثيوبيا في 1 ديسمبر الجاري (2021) مفاجِئة، خاصة في ظل تأييد الموقف الصيني للنظام الإثيوبي الحاكم منذ بداية الصراع في نوفمبر 2020. وقد جاءت هذه الزيارة لتعكس اهتمام بكين وحرصها على استقرار منطقة القرن الإفريقي بما في ذلك استقرار إثيوبيا التي تمثل ركيزة أساسية لأمن المنطقة في سياسات العديد من القوى الدولية الفاعلة هناك، وإن ارتبط ذلك بسياسة برجماتية بحتة للصين التي تمتلك العديد من المصالح الاستراتيجية في المنطقة لاسيما في إثيوبيا، وتأكيد بكين على عدم تخليها عن حلفائها الأفارقة في وقت الأزمات، خاصة أن تلك الزيارة تتزامن مع انعقاد النسخة الثامنة من منتدى التعاون الصيني- الإفريقي (فوكاك) الذي تستضيفه السنغال. ومع ذلك، قد تكون الحرب الإثيوبية بمثابة جولة جديدة في سلسلة الصراع بين الصين والولايات المتحدة في القرن الإفريقي في ظل تباين موقف القوتين من تطورات الأحداث في إثيوبيا منذ بدء الصراع الراهن، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل توازنات القوى في القرن الإفريقي خلال الفترة المقبلة خاصة مع احتمالية حسم الصراع في إثيوبيا لأي من طرفيْه.

مصالح الصين تجاه الصراع في إثيوبيا

يعكس الصراع الدائر في إثيوبيا الأهمية الاستراتيجية لها في سياسة الصين الرامية إلى تأكيد حضورها وتعزيز نفوذها في القرن الإفريقي، وذلك باعتبارها إحدى الركائز الرئيسية لبكين التي تعد بمثابة نقطة انطلاق مهمة لها نحو التوسع في المنطقة. لذلك تتزايد مخاوف بكين من امتداد الحرب إلى ما وراء إثيوبيا في منطقة القرن الإفريقي التي تشكل جزءًا استراتيجيًّا مهمًا بالنسبة لها؛ وهو ما يبرر الموقف الصيني من الحرب الإثيوبية التي تدخل عامها الثاني على التوالي.

وتشكل المصالح الاقتصادية بالأساس شواغل ومخاوف بكين إزاء الصراع الإثيوبي، حيث تنظر بالأساس إلى تعظيم مصالحها الاستراتيجية في إثيوبيا والمنطقة، والتي تشمل ضمان الحفاظ على الاستثمارات الصينية في البلاد، وحماية رعاياها، الأمر الذي دفعها نحو إجلاءهم من إقليم تيجراي مع بدء الصراع في نوفمبر 2020. ومن ثم فهي تسعى إلى تحقيق التوازن بين حماية مصالحها والحفاظ على علاقاتها الثنائية الوثيقة مع الحكومة الإثيوبية[1]، وهو ما يبرر معارضتها للعقوبات الأمريكية المحتملة ضد إثيوبيا بشكل علني[2]، ودعوتها للمجتمع الدولي من أجل تحقيق الاستقرار في إقليم تيجراي، وضرورة إيجاد حل للصراع، وفي الوقت نفسه، طمأنة أديس أبابا بأن بكين سوف تعارض التدخل في الشأن الإثيوبي في المحافل الدولية. ومع ذلك، تتمسك الصين بمبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى كركيزة أساسية في سياستها الخارجية التي تلقى قبولًا وترحيبًا واسعًا من جانب الأفارقة، مما يضمن لها تفوقًا على حساب الغرب والولايات المتحدة، بالرغم من تأكيد بعض التقارير على تورط بكين في إرسال بعض الأسلحة إلى الحكومة الإثيوبية بهدف قلب معادلة الحرب الإثيوبية لصالح قوات آبي أحمد بعد سلسلة انتصارات قوات دفاع تيجراي خلال الشهور السابقة.

وتكتسب إثيوبيا مكانة خاصة في السياسة الصينية كونها تمثل أبرز الشركاء الأفارقة لبكين التي تعتبر مستثمرًا رئيسيًّا فيها، بحيث تتخطى المشروعات الاستثمارية الصينية في البلاد نحو 1000 مشروع بتكلفة تتجاوز 14 مليار دولار، من أبرزها "المجمع الصناعي" الذي بنته في منطقة "هواسا" جنوب العاصمة أديس أبابا، وهي التي ساعدتها أيضًا في تحقيق معدلات نمو مرتفعة خلال العقد الماضي حتى وصلت إلى 10% وأصبحت واحدة من أسرع الاقتصادات نموًّا على مستوى العالم، وقد بلغت قروض الصين لإثيوبيا حوالي 13.729 مليار دولار في الفترة بين عامي 2000 و2019، كما تستحوذ على أكثر من 50% من الديون الخارجية لأديس أبابا[3].

كما تتعارض توجهات جبهة تحرير تيجراي وما يمكن أن يؤول إليه الصراع الإثيوبي من انهيار وتفكك الدولة الإثيوبية أو انفصال إقليم تيجراي عن الدولة الإثيوبية، مع مبدأ مهم يمثل جوهر السياسة الخارجية الصينية تجاه الدول الإفريقية وهو مبدأ "الصين الموحدة"، مما يبرر انحياز الموقف الصيني للحكومة الإثيوبية ضد أي محاولات لانفصال أو تقسيم البلاد، لطالما يدعم توجهات سياستها الخارجية تجاه أفريقيا، وصورتها في الرأي العام الأفريقي ككل.

فيما تتطلع بكين إلى تعزيز نفوذها في إثيوبيا في مقابل الخصم من النفوذ الأمريكي هناك[4]، خاصة في حالة نجاح آبي أحمد في قلب المعادلة العسكرية في أرض المعركة لصالحه وهزيمة قوات دفاع تيجراي التي تسمح له باستعادة السيطرة على زمام الأمور في البلاد، مما قد يعزز التقارب بين آبي أحمد وبكين على حساب واشنطن، وهو ما يعني توسع النفوذ الصيني في القرن الإفريقي، وما قد يترتب عليه بشأن إعادة هندسة وترتيبات المعادلة الإقليمية في المنطقة وفقًا للمعطيات الجديدة في مرحلة ما بعد صراع تيجراي.

دلالات زيارة وزير الخارجية

تحمل زيارة وزير الخارجية الصيني لأديس أبابا العديد من الرسائل والدلالات في ضوء التطورات الراهنة للحرب الإثيوبية، ويتمثل أبرزها في:

1- تأكيد بكين انحيازها للنظام الحاكم: وهو أمر ليس جديدًا، فمنذ اندلاع الصراع في البلاد، بدا موقف الصين مهادنًا نسبيًّا، ومع تطورات الصراع اتخذت موقفًا مؤيدًا لنظام آبي أحمد، وهو ما برز في بعض مواقفها في المحافل الدولية، ففي أغسطس 2021 طالبت بكين الأمم المتحدة بعدم التدخل الدولي في الصراع وأكدت على مبدأ الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية من خلال تدخل الاتحاد الإفريقي ودول المنطقة لإيجاد مخرج للمأزق الإثيوبي. كما أشارت تقارير إلى تنسيق صيني- روسي في مجلس الأمن الدولي بشأن تخفيف الصياغة النهائية لبيان مجلس الأمن الذي صدر في نوفمبر 2021 يدعو فيه الأطراف المتحاربة إلى وقف القتال وبدء محادثات من أجل تسوية الصراع، كما أكدت بكين على التزام مجلس الأمن الدولي بالسيادة الإثيوبية واستقلالها السياسي وسلامتها الإقليمية ووحدتها[5].

2- طمأنة حلفاء بكين الأفارقة: تحاول بكين من خلال دعم نظام آبي أحمد تحسين صورتها لدى معظم الحكام الأفارقة وكسب ثقة الأنظمة الحاكمة الإفريقية، حيث تستغل بالأساس توتر العلاقات بين واشنطن ونظام آبي أحمد إثر الموقف الأمريكي الرافض لسياساته تجاه الصراع الإثيوبي، والذي تطور لدرجة فرض عقوبات على نظامه والتهديد بمضاعفتها خلال الفترة المقبلة حال استمرار تفاقم الصراع في البلاد. 

3- الدعم المعنوي لآبي أحمد في ساحة المعركة: ترى بكين أن الترويج لمساندتها للنظام الحاكم من شأنه رفع معنويات القوات الحكومية، وفي المقابل يؤثر سلبًا على معنويات قوات دفاع تيجراي، ويدعمه توافر تقارير أفادت بامتلاك القوات الحكومية أسلحة صينية، وأنها تحرز بعض التقدم الاستراتيجي باستعادة السيطرة على بعض المدن في إقليمي عفر وأمهرة؛ وهو ما قد يغير المعادلة العسكرية في ميدان القتال خلال الأيام المقبلة.

4- فرصة بكين لتقديم نفسها كقوة عظمى: في ضوء مصلحة بكين التي تتعلق بتحقيق الاستقرار في إثيوبيا، فإن نجاحها في إنهاء الصراع الإثيوبي قد يمثل فرصة لتعزيز مكانتها الدولية، وتقديم نفسها كقوة عظمى مسئولة وقادرة على تحمل المسئولية الدولية.

5- استغلال الزيارة للترويج بأن إثيوبيا آمنة: تشكل هذه الزيارة فرصة للحكومة الإثيوبية وأدواتها الإعلامية للترويج إلى أن إثيوبيا آمنة، على عكس ما تزعمه العديد من السفارات الأجنبية باضطراب الأمن في البلاد، وسط دعوات متكررة بمغادرة الرعايا الأجانب للبلاد في أسرع وقت نتيجة تفاقم الصراع الداخلي.

6- عداء جبهة تحرير تيجراي للصين: أدى الدعم القوي الذي تقدمه بكين لآبي أحمد إلى تعرضها للانتقادات من جانب جبهة تحرير تيجراي. كما أنه ينفي عنها صفة الحياد في حالة دخولها كوسيط في الصراع، خاصة أنها تواجه انتقادات دولية بشأن حماية ورعاية الأنظمة المارقة في أفريقيا، وتعتبرها بعض الاتجاهات مسئولة عن فشل جهود السلام في إثيوبيا، في ظل استمرار عرقلتها للاستجابات الدولية الهادفة لإنهاء الصراع والدفع نحو تسويته، الأمر الذي ربما يدفع قوات دفاع تيجراي نحو استهداف الرعايا والمصالح الصينية في إثيوبيا انتقامًا من الموقف الصيني المؤيد لأديس أبابا.

7- مخاوف بكين من انهيار إثيوبيا: يمثل انهيار إثيوبيا تهديدًا صريحًا للمصالح الصينية في البلاد والمنطقة بوجه عام، كما يهدد التجارة الصينية المارة عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب التي تصل إلى مليار دولار يوميًّا، في ظل التوقع باضطراب الأوضاع الأمنية في المنطقة، وهو ما يدفع بكين نحو دعم الحكومة الإثيوبية لاحتواء تمرد جبهة تيجراي أملًا في استعادة الاستقرار في البلاد وانعكاساته على المنطقة، ومن ثم عدم تضرر المصالح الصينية هناك.

8- تخفيف الضغوط الدولية على آبي أحمد: تحاول بكين إنقاذ آبي أحمد من مستنقع الحرب الإثيوبية التي تسببت في تزايد الضغوط الدولية عليه، ومحاولة تخفيف وطأة التداعيات الاقتصادية جراء العقوبات الأمريكية الخاصة بتعليق عضوية إثيوبيا في قانون النمو والفرص في أفريقيا، من خلال تقديم نفسها كوجهة للاقتصاد الإثيوبي إليها بدلًا من واشنطن.

إجمالًا، تسعى الصين إلى التحول إلى طرف دولي قادر على المساهمة في تبني رؤية مشتركة تمثل مخرجًا من المأزق الإثيوبي بالدفع نحو إنهاء الحرب والتفاوض للوصول إلى تسوية شاملة، وذلك بالتعاون مع المجتمع الدولي والاتحاد الإفريقي ومجموعة دول الجوار الإقليمي، وهو ما ترى أنه ضروري لتحقيق الاستقرار في إثيوبيا، وذلك من خلال استغلال الدبلوماسية الاقتصادية الصينية في تقديم إغراءات مالية لأطراف الصراع والتعهد بإعادة إعمار إقليم تيجراي والمناطق المتضررة من الصراع في إثيوبيا مع توفير المساعدات الإغاثية للمتضررين من الصراع، مما يعني استبعاد تورط بكين في الحرب الإثيوبية بما يتنافى مع مبادئها وسياستها الإفريقية، وخوفًا من تحول المشهد الإثيوبي إلى ساحة صراع دولية وإقليمية تنعكس سلبًا على مستقبل الدولة الإثيوبية والمنطقة ككل.

وتتعزز فرص تحقق هذا السيناريو شريطة توافر توافق دولي من قبل القوى الدولية الفاعلة في المنطقة لاسيما واشنطن، وتنامي الضغوط على طرفي الصراع للجلوس على طاولة المفاوضات، وذلك حفاظًا على المصالح الاستراتيجية للقوى الدولية في المنطقة التي ترتبط أساسًا بتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي هناك.


[1]. Maria Repnikova, China in Ethiopia: Between a savior and an exploiter?, Global Voices, 24 September 2021, available at: https://bit.ly/3lE03Cu

[2].  Samuel Gebre, China Opposes U.S. Threat to Impose Sanctions on Ethiopia, Bloomberg, 23 September 2021, available at: https://bloom.bg/3dnK5HM

[3]. Lukas Fiala, Why Ethiopia’s Fate Matters to China?,Italian Institute for International Political Studies, 26 November 2021, available at: https://bit.ly/3lGUItV

[4]. Stephen Bryen, US hands China a victory in Ethiopia, Asia Times, 6 December 2021, available at: https://bit.ly/31AdfAO

[5]. Lukas Fiala,Ibid,.


رابط دائم: