تحالفات "باكو": أسباب تجدد التصعيد بين إيران وأذربيجان
7-10-2021

أحمد عليبة
* باحث - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

لا يمكن النظر إلى نتائج الحرب الأخيرة في إقليم "ناغورني كارباخ" بين أرمينيا وأذربيجان (27 سبتمبر-10 أكتوبر 2020) على أنها أسفرت عن سيطرة الأخيرة على الهضبة التي كانت محور توتر بين الطرفين لنحو 3 عقود تقريباً فحسب، فبالإضافة إلى ذلك، فإن تلك الحرب فرضت تداعيات جديدة على طبيعة وأنماط التحالفات الاستراتيجية في تلك المنطقة، في إطار مخرجات معادلة التوازن الاستراتيجي بين القوى الإقليمية التي انخرطت في هذه الحرب، على غرار تركيا التي كانت اللاعب الأكثر بروزاً فيها إلى جانب أذربيجان، وإسرائيل التي كانت اللاعب الرئيسي "الصامت" في دعم أذربيجان أيضاً، مقابل القوى التي تأثرت بتداعياتها كإيران التي كانت أقرب إلى أرمينيا، وروسيا التي لعبت دور الوسيط في عملية التسوية. فبينما تحل الذكرى الأولى للحرب (أكتوبر 2021) تشهد أذربيجان سلسلة من المناورات العسكرية المتعددة والمتلاحقة، منها المناورات التركية – الباكستانية – الأذربيجانية، مقابل المناورات الإيرانية الجارية على الحدود، والتي تعكس مظاهر التوتر الأمنية والدبلوماسية الحالية بين طهران وباكو.

هندسة جيوسياسية

انتقد الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، في 4 أكتوبر الجاري (2021) المناورات الإيرانية التي تجرى للمرة الأولى، من حيث التوقيت والدوافع التي تسوقها إيران بأن أذربيجان أصبحت "ناقلاً" للتهديد الإسرائيلي لها، باستدعاءها على حدودها، داعياً طهران إلى إثبات ذلك بالحجة والبرهان. وفي المقابل، تراوح رد الفعل الإيراني بين تصعيد في الخطاب العسكري على وقع المناورات الجارية على الحدود الأذربيجانية، وبين احتواء في الخطاب الدبلوماسي. فرسائل المناورة العسكرية الإيرانية كاشفة عن منظور إيران لترتيبات ما بعد الحرب، والتي تتمثل في استبعاد باكو لطهران من حساباتها في هذه الترتيبات، على نحو ترى الأخيرة أن الأولى كشفت عنه بتعمدها فرض تعريفة جمركية على الشاحنات الإيرانية التي تمر عبر أذربيجان إلى دول أخرى ومنها أرمينيا. في المقابل، فإن منطق أذربيجان مختلف، فجوهر ترتيبات ما بعد الحرب فرض عاملاً جديداً يتمثل في نظرة باكو لاصطفافات الحرب، حيث كانت إيران أقرب إلى أرمينيا، على عكس المنطق المتوقع بحكم الواقع الجيوسياسي.

ربما كانت حسابات إيران مرتبطة آنذاك بعدم دعم أذربيجان انطلاقاً من عدم تقوية حلفائها بالأساس (إسرائيل وتركيا)، وفي المقابل أيضاً فإن جانباً من حسابات تركيا وإسرائيل كان يميل إلى الزاوية ذاتها. فالمتوقع أيضاً من الناحية النظرية أن إسرائيل كانت ستميل إلى أرمينيا، بمنطق العقدة التاريخية (مذابح الأرمن – الهولوكست)، بالإضافة إلى الانفتاح الدبلوماسي الإسرائيلي- الأرميني الذي سبق الحرب ببضعة شهور، لكن المؤكد أن تل أبيب غلّبت ميزان المصالح مع أذربيجان، الذي يفوق نظيره مع أرمينيا بكثير، لاسيما ما يتصل بالعلاقات العسكرية، ليس فقط على مستوى العائد الاقتصادي، الذي يزيد عن 9 مليارات دولار في عام الحرب، وإنما على صعيد الحسابات الاستراتيجية لنوعية هذه الصفقات وأبرزها (الطائرات من دون طيار متعددة النوعيات والأغراض- القطع البحرية- أنظمة الدفاع والأنظمة الهجومية). وتعتبر هذه المكونات أساسية في المنظومة التسليحية لأذربيجان، وتشكل عامل تفوق نوعياً لها في مقابل إيران التي تمتلك بالأساس قدرات تسليح روسية، وبالتالي يمثل ذلك هدفاً مشتركاً لكل من إسرائيل وأذربيجان، فإسرائيل تسعى إلى معادلة العامل التسليحي مع إيران، وأذربيجان تحاول تحقيق الهدف ذاته مقابل التسليح الروسي لها. ومع أن أذربيجان تحصل على أسلحة روسية لكنها سعت منذ فترة إلى تخفيض الاعتماد عليها بدرجة ما خاصة وأن نوعية السلاح الإسرائيلي أكثر أهمية، وتشير تقديرات تفصيلية متخصصة في هذا الجانب إلى أن التسليح الإسرائيلي شكل عامل تفوق أساسياً لأذربيجان في الحرب، حيث كان السبب في تمكينها من استهداف 90% من الأهداف العسكرية الأرمينية التي هاجمتها.  

الأثر الانتشاري

اللافت للانتباه أن ايران وجّهت اللوم لأذربيجان مستدعية فقط بُعد العلاقات مع إسرائيل، رغم أن الأخيرة داعم تاريخي لأذربيجان في هذا الصراع منذ الحرب الأولى (1988- 1994)، واستبعدت إيران تركيا من هذا السياق، على الرغم من أن أنقرة كانت لاعباً على الأرض في الحرب الأخيرة، في حين كانت إسرائيل ناقلاً جوياً للدعم العسكري، كما أن تركيا طرف أصيل في ترتيبات ما بعد الحرب، وهو ما كان يستدعي بالتبعية لومها أيضاً من جانب إيران.

ومن المتصور أن فض الاشتباك في هذه النقطة يظهر في ضرورة التفرقة في منظور الأطراف بين أدوار "الظِل" والأدوار "العلنية". فإسرائيل لاعب محوري في الظل كما سبقت الإشارة، وهى الأكثر تأثيراً في حسم الحرب لصالح أذربيجان. في المقابل، استمرت تركيا دعائياً في هذه الحرب أكثر من مستوى انخراطها الفعلي، وعليه هناك احتقان مكتوم من جانب طهران تجاه أنقرة من هذه الزاوية. بالإضافة إلى أن إيران تضع إسرائيل في مقدمة أولويات التهديد وليس تركيا، فالبنسبة للأخيرة يمكن أن تقوم روسيا مرة أخرى بلعب دور الوسيط في تسوية أى أزمة تنشب بين طهران وأنقرة على غرار ما يجري في سوريا.

هناك تداعيات ثانوية أخرى لتحالفات باكو، منها على سبيل المثال، تعزيز التقارب بين إسرائيل وتركيا، فالأخيرة فتحت أجوائها للجسر الجوي لتل أبيب أثناء الحرب. وربما يشكل هذا التقارب هامش حركة لتسوية الخلافات بين أنقرة وتل أبيب في إطار قضية الغاز في شرق المتوسط.أيضاً يمكن النظر إلى أن حصد تركيا لـ"جوائز" متعددة من الحرب الأذربيجانية – الأرمينية كان له ارتدادات على ملفات أخرى، حيث تشير اتجاهات عديدة إلى أن ذلك خفَّض مستوى حدة السلوك التركي في ليبيا. ربما تراجعت تركيا خطوة إلى الوراء، صحيح أنها لا تزال في نطاق الجولات الاستكشافية مع كل من اليونان ومصر، لكنها تظل واحدة من الفرضيات قيد الاختبار. وهنا يجب الوضع في الاعتبار أن متغير الطاقة قاسم مشترك محوري في الملفين الآذري والمتوسطي، فعلى سبيل المثال كان هذا العامل أحد دوافع أذربيجان للتقارب مع إسرائيل مبكراً، حيث أن الأخيرة صاحبة مصلحة، باعتبار أنها تحصل على 40% من النفط من أذربيجان، وبالمثل يمكن لتوازنات شرق المتوسط فرض سياقاتها على تركيا ودفعها إلى التراجع عن سلوكها الاندفاعي تجاه اليونان.

فضلاً عن ذلك، يمكن النظر إلى روسيا في سياق تمدد خطوط تحالفات باكو – دمشق – طرابلس، وفي إطار مقاربة "الوسيط النزيه". فروسيا لعبت دور الوسيط في حرب أرمينيا وأذربيجان. ورغم أن إسرائيل كانت خارج هذه المعادلة، إلا أنها حاولت استغلال ورقة لاعب الظل في أذربيجان في حساباتها مع روسيا في ملف الأزمة السورية، بالضغط على إيران كساحة صراع أخرى بين الطرفين. على الجانب الآخر، فإن روسيا تفادت صداماً مع تركيا في ملف أذربيجان للإبقاء على تحالف قوي على المستوى الثنائي في إطار تسويات الملف السوري الذي كان أحد محاور المحادثات التي جرت في سوتشي بين الرئيسين الروسي فيلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في 29 سبتمبر الفائت.

ويمتد هذا المسار بين موسكو وأنقرة أيضاً على الساحة الليبية، وهو سياق آخر يسترعي الانتباه، فعلى الرغم من أن روسيا وتركيا تقفان على جبهتين مختلفتين في ليبيا، إلا أن كواليس العلاقات بينهما في المرحلة الحالية تعطي انطباعاً مختلفاً، بأن هناك تنسيقاً مشتركاً تحت الطاولة، لكنه بدأ يظهر مؤخراً، فوفقاً للبيان الصادر عن لقاء سوتشي الأخير بين بوتين وأردوغان، تم الإعلان عن تنسيق في الملف الليبي، ربما سيظهر في تبني موسكو خطوة الانسحاب المتدرج والمتزامن من ليبيا، من الجانبين، ومن المؤكد أن خطة من هذا النوع تستدعي تنسيق المصالح المستقبلية في إطار تعقيدات الملف الليبي، وأيضاً الإبقاء على سياسة مرنة وهادئة بين موسكو وأنقرة في الملفات الأخرى (سوريا وأذربيجان).

سيناريوهات محتملة

تكشف محصلة هذه التداعيات أن ايران لن تكون المُستبعَد أو الخاسر في أذربيجان فقط، إذ أنها قد تخسر على المدى الطويل في ساحات أخرى، لاسيما الساحة السورية، حيث تتمسك بالوصول إلى شرق المتوسط، لكنها لا تزال تعتمد على بنية لوجستية روسية إلى حد كبير، وكلما حدث تقدم في ملف الأزمة السورية، ستتضاءل فرص طهران طردياً مع تقارب موسكو وأنقرة. وبالتبعية كلما تقاربت إسرائيل وتركيا سيكون ذلك خصماً من إيران.

وعليه فمن المتوقع أن توجه طهران فائض الاحتقان في المستقبل نحو أذربيجان بشكل أساسي، بالتركيز على العداء مع إسرائيل. لكن على الجانب الآخر ربما ستدفع النظام السوري إلى التحرك بشكل أكبر ضد تركيا على خطوط التماس في إدلب، على سبيل المثال، التي كانت أحد محاور التفاوض الروسي- التركي في سوتشي. وبينما أعادت تركيا تشكيل وكلائها في الصراع السوري تحت مظلة واحدة (الجبهة الوطنية للتحرير) فى 5 أكتوبر الجاري، فعلى الأرجح ستكون هدفاً لقوات النظام السوري بدعم إيراني في المقام الأول.

سيكون موقف إيران أضعف على الساحة في أذربيجان، ولا يعتقد أنها تتجه إلى سيناريو الحرب على الرغم من التلويح بها، وعلى الأرجح لن تجد هدفاً إسرائيلياً على الساحة الآذرية، لكنها قد تتجه إلى هذا الهدف انطلاقاً من الساحة السورية، إلا أنها ستظل في حالة توتر تستهدف في الأخير وضعها في حسابات الترتيبات الجارية، لكن أيضاً هناك خشية من خروج هذا السيناريو عن السيطرة، ففي إطار التصعيد في الخطاب العسكري، تمت الإشارة أكثر من مرة إلى البعد التاريخي في الصراع الذي يرمز له بفجوة الصراع بين الإمبراطوريات الثلاثة (روسيا القيصرية وإيران الفارسية وتركيا العثمانية)، وأن أذربيجان هى منطقة مستقطعة من إيران في عهد الدولة القاجارية على يد روسيا القيصرية، وبهذا المنطق لا تقبل إيران بالحد من نفوذها في أذربيجان، لكن من الناحية الموضوعية فإن خسائرها الجيوسياسية ستتفاقم في المستقبل من منظور حسابات أذربيجان، وتطور تحالفات باكو.


رابط دائم: