مصر والقضية الفلسطينية: قيادة الجهود الإقليمية
13-9-2021

سعيد عكاشة
* باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مثّلت القمة الثلاثية التي انعقدت بالقاهرة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس، في 2 سبتمبر الجاري، أحد أوجه التحركات المصرية لنصرة القضية الفلسطينية، والتي احتوت  تاريخياً- أى هذه التحركات- على أنماط متعددة ما بين تحرك فردي وآخر إقليمي وثالث دولي.

علاقة الجوار الجغرافي والروابط الثقافية والاجتماعية والأمنية بين الشعبين المصري والفلسطيني جعلت من أنماط التحرك الثلاثة المذكورة مشروعة ولا يمكن التشكيك فيها من أى جانب حتى بالرغم من وجود منافسات إقليمية ودولية بين عدة دول من أجل الانخراط في الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني لأسباب تتعلق بتعظيم الأدوار الإقليمية والدولية لهذا البلد أو ذاك دون أن يرتبط ذلك فعلياً برغبة حقيقية في مساعدة الفلسطينيين على استرداد حقوقهم. وحدها مصر التي عبرت من خلال الأنماط الثلاثة للتحرك حيال القضية الفلسطينية عن قناعة حقيقية بأن الاستقرار في المنطقة مرهون بحل يراعي الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وليس عبر الضغط على الفلسطينيين لتقديم تنازلات أو القبول بحلول لا تعترف صراحة بحقهم في إقامة دولتهم على حدود الرابع من يونيو 1967.

وإذا كان التحرك الفردي من جانب مصر حيال القضية الفلسطينية قد استهدف على الدوام تقديم الدعم والمساندة للشعب الفلسطيني اقتصادياً، كما استهدف أيضاً تحقيق الوحدة الفلسطينية والتوسط بين الفلسطينيين والإسرائيليين لاسترداد التهدئة الأمنية في أعقاب نشوب المعارك بين الطرفين منذ عام 2009، فإن التحركات الإقليمية والدولية حيال القضية الفلسطينية اقتضت من مصر صياغة سياسة ثابتة تنهض على حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي وفقاً لحل الدولتين دون مساومة على حدود الدولة الفلسطينية أو على السيادة الكاملة لهذه الدولة المنتظرة على أراضيها، إلا إذا وافق الفلسطينيون أنفسهم على حلول وسط تقوم على مبادلة للأراضي بينهم وبين إسرائيل لضمان أن تكون الدولة الفلسطينية المنتظرة قابلة للحياة وليست مجموعة من الأراضي التي تفتقد للتواصل الجغرافي.

التحرك الإقليمي كمدخل للتحرك الدولي

قياساً على كل السوابق التاريخية، لم تكن التحركات الدولية تجاه القضية الفلسطينية ممكنة بدون تحرك إقليمي استباقي كانت مصر عادةً ما تقع في قلب قيادته بحكم ثقلها السياسي والعسكري، وروابطها التاريخية مع الفلسطينيين والمشكلة الفلسطينية. ففي السبعينيات من القرن الماضي، عندما قدم الرئيس الراحل أنور السادات مبادرته للسلام، ورغم رفض الدول العربية لها، إلا أنه أصرّ على ألا يقتصر الأمر على استرداد سيناء، بل تحدث مع كافة القيادات العربية قبل ذهابه للقدس عن أهمية "هجوم السلام" واستعداد الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا لدعمه من أجل استرداد الأراضي العربية المحتلة كافة وليس سيناء وحدها. وعندما دعت مصر لعقد مؤتمر ميناهاوس بالقاهرة في نوفمبر 1977، وجّهت الدعوة لسوريا والمملكة العربية السعودية ودعت الفلسطينيين لتشكيل وفد يشاركون فيه بالمؤتمر وترفع فيه أعلام الدول المشاركة كلها بما فيها العلم الفلسطيني جنباً إلى جنب مع أعلام الولايات والمتحدة الأمريكية وإسرائيل ومصر والدول العربية. وفي مؤتمر كامب ديفيد عام 1978، أصرّت مصر على أن تكون هناك وثيقة ثانية تتناول حلاً للقضية الفلسطينية يبدأ بفترة حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة وغزة لمدة خمس سنوات وبعدها تكون هناك مفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل لحل كافة القضايا المرتبطة بالصراع بينهما.

وكما هو واضح، كان الحاكم الأساسي للسياسة المصرية هو إشراك العرب والفلسطينيين في أى حل مطروح قبل الحصول على دعم دولي له، وفي حالة رفض العرب المشاركة لم تكن مصر تذهب نحو الحل المنفرد بل كانت تسعى قدر الإمكان لوضع الحقوق العربية والفلسطينية على الطاولة في أية مفاوضات أو لقاءات مع قيادات إقليمية ودولية.

وقد استغلت مصر دعوة الولايات المتحدة الأمريكية عام 1991 لعقد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط لكى تقوم بجهد كبير في تنسيق الجهود العربية وتقديم الدعم السياسي للفلسطينيين للمشاركة في المؤتمر.وحتى اتفاق أوسلو الذي تم توقيعه بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في سبتمبر عام 1993 والذي لم تشارك فيه مصر، لم يمنعها من رعاية مفاوضات تأسيس السلطة الفلسطينية وتوقيع ما سمى باتفاق أوسلو 2 في طابا في سبتمبر عام 1995. 

ورغم تدهور الأوضاع الأمنية بين الفلسطينيين والإسرائيليين في أعقاب نشوب الانتفاضة الفلسطينية الثانية في عام 2000، إلا أن مصر ظلت تواصل جهودها من ناحية لوقف الهجمات المتبادلة بين الطرفين ومن جهه أخرى لمحاولة استئناف مسار التسوية. وفي هذا الإطار الأخير، استضافت مصر قمة في طابا في يناير عام 2001 جمعت بين الفلسطينيين والإسرائيليين بوساطة أمريكية- مصرية مشتركة.

ورغم عدم مشاركة مصر- في بعض الأحيان- في التحركات الإقليمية والدولية الخاصة بالبحث عن حلول للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي كما حدث في مؤتمر أنابوليس في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2007، إلا أن الموقف الرسمي لمصر ظل ثابتاً، وهو تأييد أى جهد دولي لحل الصراع طالما أنه يراعي الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

عبر كل هذه التجارب التي برهنت على أن تحرك مصر إقليمياً هو الأساس الذي يضمن تحقيق الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، تأتي جهود الرئيس عبد الفتاح السيسي لحشد الدعم العربي من أجل إنهاء الجمود الذي لاحق القضية الفلسطينية خاصة مع رفض الفلسطينيين والدول العربية لخطة القرن التي قدمها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

وتدرك مصر أن الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس جو بايدن تحاول أن تبلور خطة لإطلاق أو لتجديد مسار التسوية المُعطَّل بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وكما ذكرنا من قبل، فإن التحركات الدولية بدون تحرك إقليمي موازٍ يسبقها سيكون مصيرها الفشل، وأن مصر هى المؤهلة موضوعياً وتاريخياً لقيادة التحرك الإقليمي الحالي لتقديم العون للمبادرة الأمريكية المنتظرة. لأجل ذلك، جاءت قمة القاهرة بين الرئيس السيسي والملك عبدالله والرئيس أبومازن كنواة لتحرك عربي أوسع يضع المصلحة الفلسطينية المدعومة عربياً كأساس لإنجاح أى جهد أمريكي أو أوروبي أو دولي لإحياء جهود السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل.

______________________________

نُشر أيضا بجريدة الأهرام، 12 سبتمبر 2021.

رابط دائم: