كيف عكست القمة المصرية - التونسية التوافقات المشتركة في الإقليم؟
11-4-2021

د. محمد عز العرب
* رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

قام الرئيس التونسي قيس سعيّد بزيارة مصر، خلال الفترة من 9 إلى 11 أبريل الجاري، وذلك بدعوة من الرئيس عبدالفتاح السيسي، والتي تعد الأولى من نوعها منذ وصوله إلى سدة الحكم في أكتوبر 2019. وقد ركزت القمة المصرية - التونسية على آليات تعزيز العلاقات الثنائية على المستويات المختلفة، سياسياً وأمنياً واقتصادياً وثقافياً، فضلاً عن زيادة مساحة التوافقات المشتركة إزاء القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المتبادل مثل الأزمة الليبية ومكافحة الإرهاب العابر للحدود والحد من التدخلات الخارجية وملف سد النهضة والقضية الفلسطينية. لذا، أشار البيان الصادر عن الرئاسة التونسية، قبل بدء الزيارة بيوم واحد، إلى أنها "تأتي في إطار ربط جسور التواصل وترسيخ سنة التشاور والتنسيق بين قيادتي البلدين"، مضيفاً أن "الجانبين سيبحثان إرساء رؤى وتصورات جديدة تعزز مسار التعاون المميز القائم بين تونس ومصر"، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء التونسية.

وقد تمثلت مركزية القضايا الإقليمية في جلسات المباحثات المنفردة والمتعددة بين الجانبين المصري والتونسي، فيما يلي:

1- تسوية الأزمة الليبية: تمثل ليبيا أهمية محورية لكل من مصر وتونس في ضوء الجوار الجغرافي المباشر الممتد، ويجمع الدولتان هدف مشترك يتمثل في استقرار ليبيا عبر عدة مداخل منها دعم الحكومة الليبية الجديدة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الرئيس قيس سعيّد زار ليبيا في منتصف مارس الماضي على نحو يحمل رسالة تأييد للسلطة الليبية الجديدة، فضلاً عن الزيارات المختلفة التي قام بها رئيس الحكومة الليبية عبدالحميد الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي للقاهرة. ولعل ذلك يعكس حرص البلدين على تثبيت دعم السلم والاستقرار في ليبيا، مع محاولة الإسهام في دعم إعادة بناء مؤسسات الدولة الوطنية الليبية على أسس جديدة وإجراء الانتخابات في موعدها المقرر في نهاية العام الجاري، بما يسهم في وضع ليبيا على المسار الصحيح.

2- مكافحة الإرهاب العابر للحدود: يعد التعاون الأمني مدخلاً رئيسياً لتعزيز العلاقات بين الدولتين لاسيما في ظل التحديات المشتركة وأبرزها مكافحة الإرهاب ومواجهة التطرف العنيف، إذ عانت الدولتان من ضربات الإرهاب، بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، خلال السنوات الماضية، وهو ما يفرض تعزيز التعاون المعلوماتي والاستخباراتي بشأن التنظيمات والعناصر الإرهابية الخطرة في سياق مقاربة شاملة للتصدي لهذا الخطر بمختلف أبعاده، أمنياً واقتصادياً واجتماعياً وتنموياً وفكرياً، لأنه يشكل تهديداً حاداً على استقرار الدول وتماسك المجتمعات في الإقليم.

وفي هذا السياق، تتمثل وجهة النظر المصرية التي نقلت للجانب التونسي في أن القاهرة تتعامل مع التنظيمات الإرهابية بـ"الجملة" لا بـ"التجزئة"، إذ يتساوى في ذلك خطر "داعش" و"القاعدة" و"الإخوان"، بما يتضمنه ذلك من تقويض قدرتها على استقطاب أو تجنيد عناصر جديدة، وتجفيف منابع تمويلها.وهنا، أكد الرئيس السيسي أهمية تعزيز التعاون مع تونس في مجال مكافحة الإرهاب بكافة أشكاله ومظاهره. في حين ركزت كلمة الرئيس سعيّد على ضرورة الوعي بالمخاطر وتحصين المجتمعات ضد التطرف، وهو ما يعزز من تقارب إن لم يكن تطابق الرؤيتين المصرية والتونسية.

3- الحد من التدخلات الخارجية في الشئون الداخلية للدول العربية: تشترك مصر وتونس في رؤية محددة وهى التأكيد على مركزية الدولة الوطنية العربية، ودعم استقلاليتها وسيادتها، إذ شهدت السنوات الماضية تزايد التدخل في شئونها بعد الحراك الثوري العربي، حيث عملت بعض القوى الإقليمية على "استباحة" التدخل عبر وكلاء من الداخل. وفي هذا السياق، أكد الطرفان خلال محادثاتهما على وقف مختلف أشكال التدخل الخارجي "السلبي" في ليبيا، وهو ما يحمل رسالة اعتراض على السلوك التركي الداعم لاستيراد المرتزقة من بؤرة الصراع في سوريا ونقلهم إلى ليبيا مما أسهم في تأجيج الصراع الليبي الذي تطول تأثيراته كلاً من مصر وتونس.

4- دعم مصر في ملف سد النهضة: تطرقت المحادثات بين الجانبين إلى أحد الملفات الإقليمية التي تهم الدولة المصرية بشكل بالغ وهو تطورات سد النهضة، إذ تُعوِّل مصر على التأييد التونسي في دعم رؤية القاهرة والخرطوم بشأن سد النهضة باعتبار أن تونس هى الدولة العربية الوحيدة ذات العضوية غير الدائمة في الدورة الحالية لمجلس الأمن، على نحو يؤدي إلى تقوية الموقف المصري في حال رفع ملف سد النهضة إلى مجلس الأمن، إذ تريد مصر تعزيز موقفها الرامي إلى استمرار النهج التفاوضي السلمي بدلاً من تبني خيارات أخرى،وهو ما ذكره الرئيس السيسي في 7 أبريل الجاري بقوله: "نقول للأشقاء في إثيوبيا أفضل ألا نصل إلى مرحلة المساس بنقطة مياه من مصر لأن الخيارات كلها مفتوحة". وفي هذا السياق، ثمّن الرئيس سعيّد الجهود المبذولة من قبل مصر للتوصل إلى اتفاق عادل وشامل بشأن قواعد ملء وتشغيل السد لحفظ حقوقها المائية التاريخية في مياه النيل. كما أشار في سياق متصل إلى أن "الأمن القومي لمصر هو أمننا وموقف مصر في أي محفل دولي سيكون موقفنا، ولن نقبل أبداً بأن يتم المساس بالأمن المائي لمصر".

5- مواصلة دعم القضية الفلسطينية: على الرغم من كثافة التحديات التي تواجه الدولتين، إلا أن الرئيسين السيسي وسعيّد حرصا على تأكيد مواصلة الجهود العربية لدعم القضية الفلسطينية، مع الإشارة إلى مبدأ حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. فلا تزال القضية الفلسطينية تمثل مكانة مركزية للقاهرة وتونس في الوقت الذي صارت للعديد من الدول العربية قضاياهم المركزية التي تشغلهم.

التعاون الاقتصادي

عكست القمة المصرية- التونسية التطلع لزيادة التعاون الاقتصادي والتدفق الاستثماري، الذي لم يرتق إلى الإمكانات والطموحات،إذ يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 572.3 مليون دولار، وفقاً لتقرير صادر عن مكتب التمثيل التجاري المصري في تونس عام 2019. ولعل هذا الحجم يقترب إلى حد كبير مما صرح به وزير الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار التونسي علي الكعلي لوكالة أنباء الشرق الأوسط بأن صادرات تونس إلى مصر بلغت قرابة 60 مليون دولار في عام 2019، في حين سجلت الواردات ما يناهز 500 مليون دولار.

وتجدر الإشارة إلى أن أهم الصادرات المصرية إلى تونس تتمثل في المنتجات البترولية، والأقمشة القطنية، والسلع الغذائية، والحديد والصلب، والأجهزة الكهربائية، والمصنوعات البلاستيكية والزجاجية، في حين تتمثل أهم الصادرات التونسية إلى مصر في المنتجات الكيماوية، ولوازم السيارات والجرارات، والمنتجات الورقية، والأجهزة الكهربائية، والمنتجات الخزفية. ومن المتوقع أن تنعقد اللجنة التجارية الصناعية المصرية- التونسية خلال الفترة المقبلة لإزالة كافة التحديات التي تعترض حركة انسياب التبادل التجاري بين الدولتين.

ولعل هذا يفرض اجتماعاً مستمراً بين الطرفين المصري والتونسي لدفع العلاقات التجارية قدماً إلى الأمام. وفي هذا الإطار، أعلن إبراهيم العربي رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية والإفريقية، خلال لقائه بسمير ماجول رئيس الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية في 9 أبريل الجاري إعادة تفعيل الغرفة الاقتصادية التونسية- المصرية كخطوة أولى لتنمية العلاقات الاقتصادية بين الدولتين وإدخال منتجات جديدة لقائمة التجارة البينية وتحسين استثمار المزايا النسبية للسوقين المصري والتونسي اللذين يشكلان قاعدة متميزة للانطلاق نحو أسواق أخرى سواء في إفريقيا أو العالم العربي أو أوروبا.

المدخل الثقافي

تطرقت القمة أيضاً إلى توثيق التعاون الثقافي بين البلدين في مختلف جوانبه لاسيما مع إعلان الرئيس السيسي 2021-2022 عاماً للثقافة المصرية- التونسية. وتونس من الدول العربية التي تعطي أهمية محورية للثقافة في علاقاتها الخارجية. وكان لافتاً للنظر أن الرئيس سعيّد زار مواقع أثرية وتاريخية في القاهرة مثل المتحف القومي للحضارة المصرية ومسجد عمرو بن العاص وقلعة صلاح الدين الأيوبي، فضلاً عن زيارة منطقة الحسين وخان الخليلي. كما تحرص مصر على المشاركة في المهرجانات الفنية والثقافية التونسية مثل مهرجان قرطاج السينمائي، ومعرض الكتاب الدولي التونسي بخلاف أنشطة ثقافية أخرى.

في النهاية يمكن القول إن العلاقات المصرية- التونسية تستند إلى آليات تعاون متعددة، والقمة التي جمعت الرئيسين السيسي وسعيّد مثّلت مكاسب مشتركة ومنافع متبادلة للجانبين، على صعيد العلاقات البينية والقضايا الإقليمية في آن واحد.


رابط دائم: