تأثير السياسة التركية على الاستقرار المتوسطي
24-2-2021

رانيا مكرم
* باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مرت السياسة التركية تجاه الاتحاد الأوروبي وما انبثق عنه من تحالفات وشراكات مختلفة بمنعطفات عدة، تراوحت بين الانخراط في أنماط مختلفة من هذه الشراكات - كاتفاقية أنقرة مع التجمع الاقتصادي الأوروبي، والاتحاد الجمركي، والانضمام إلى حلف الناتو، وعضوية الشراكة الأورومتوسطية - وبين التخلي عن التزاماتها تجاه هذه الكيانات والشراكات، بل والتصعيد مع أعضائها. وعلى الرغم من تأكيد تركيا لسنوات طوال على أن انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، وحصولها علي عضويته يعد خياراً استراتيجياً بالنسبة لها، فإن السنوات الأخيرة شهدت تحركات تركية تصعيدية تبعدها نظرياً وعملياً عن هذا الهدف، خاصة بعد أن  أصبحت أحد عوامل زعزعة أمن منطقة شرق المتوسط.

ورغم تبني تركيا لاستراتيجية "حافة الهاوية" إزاء العديد من القضايا، إلا أنها اتجهت مؤخراً إلى التهدئة مع الاتحاد الأوروبي مدفوعة بعدد من المتغيرات الداخلية والخارجية، لاسيما مع تأزم العلاقات مع أكثر من دولة أوروبية، والتلويح بتوقيع عقوبات أوروبية عليها جراء خطواتها الاستفزازية في منطقة شرق وجنوب المتوسط.

ملامح عديدة

من الصعوبة بمكان فصل تحول السياسة التركية تجاه التزاماتها بالشراكة الأورومتوسطية، التي وضعت أسسها خلال مؤتمر برشلونة الأورومتوسطي عام 1995، عن التغير الذي شهدته سياستها تجاه الاتحاد الأوروبي ككل، لاسيما وأن عضويتها في الشراكة الأورومتوسطية ليست منتهى طموحها في الانتماء للجماعة الأوروبية، وإنما هي خطوة في طريق عضوية كاملة في الاتحاد الأوروبي. وقد كان لتحول سياسة تركيا نحو الجماعة الأوروبية عدة ملامح، من أهمها:

1- تزايد التوجه الديني كمحدد لهوية الدولة: فلطالما كان التوجه الديني لنظام الحكم في تركيا عقب صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، محل جدل وانتقاد من العواصم الأوروبية، لاسيما مع الميل الواضح إلى المبالغة في التأكيد على دور الهوية الإسلامية كمحدد للسياسة الخارجية التركية. كما لم تكتف النخبة الحاكمة بالهوية الإسلامية فقط كمميز للدولة التركية حيث أقرنتها بهوية قومية، ومحاولات إحياء الإرث العثماني، أو ما يسمى بـ"العثمانية الجديدة"، انطلاقاً من مزاعم حول "تركيا الكبرى"، تلك المزاعم التي باتت في حد ذاتها محركاً للسياسة الخارجية التركية خاصةً في محيطها الإقليمي، والذي لا يخلو من مصالح متشابكة مع أطراف أوروبية. ويُلاحظ على سبيل المثال، أن هناك ترويجاً لهذه المزاعم لتبرير التدخل العسكري في ليبيا، حيث قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن تدخل بلاده العسكري في الساحة الليبية يأتي لدعم "قضية مُحِقَّة"، و"يهدف إلى مساعدة ليبيا علي عدم الفشل"، و"إنقاذ الحكومة الليبية"، وهو ما لا يتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض، التي تشير إلى أن التدخل التركي يمثل أحد أسباب استمرار الأزمة الليبية وعرقلة جهود الوصول إلى تسوية لها.

2- السعى نحو تعزيز المكانة الإقليمية والدولية: حتى لو كان ذلك بعيداً عن توجهات الاتحاد الأوروبي،في ظلمراوحة ملف الانضمام للاتحاد الأوروبي مكانه، بعد أن تصاعد الخلافات الأوروبية حوله، حيث عزفت تركيا -على ما يبدو- عن الاستجابة لمتطلبات والتزامات كانت قد وُضعت لها لكي يتم اتخاذ خطوة إيجابية في بحث موعد انضمامها للاتحاد الأوروبي، ومن ذلك التزاماتها في إطار الشراكة المتوسطية. إذ حاولت أن تعزز نفوذها في جوارها الإقليمي، لاسيما في الدول التي تمثل بعض الأطراف التي تتواجد فيها تهديداً أمنياً وفق الرؤية التركية. فبدأ تدخلها في العراق وسوريا، للسيطرة علي نشاط الأكراد فيهما، لتجعل من نفسها رقماً صعباً في استقرار المنطقة، وبصفة خاصة في تلك الدول التي ترتبط مع أطراف غربية بمصالح استراتيجية، فعملت على التدخل العسكري في ليبيا، وهو التدخل الذي اعتبرته دول الاتحاد الأوروبي سبباً لتفجير أزمة أمنية على حدودها المتوسطية.ولا ينفصل ذلك عن اختراق أنقرة لمنطقة شرق المتوسط، للتنقيب عن النفط، تارة، وإجراء مناورات عسكرية تارة أخرى. إذ عكس السلوك التركي ابتعاداً صريحاً عن متطلبات الشراكة الأورومتوسطية، على نحو بدا جلياً في المناوشات مع سفينة فرنسية كانت تؤدي مهمة لحلف الناتو في يونيو 2020، وأخرى يونانية في أغسطس 2020، وهو ما اُعتبر خطوات تصعيدية غير مسبوقة من جانبها تجاه دول الاتحاد الأوروبي وشركاء الأورومتوسطية على حد سواء، ليُشار إلى هذه السياسة غير المنضبطة في تقرير لمفوضية الاتحاد صدر في أكتوبر 2020، وجاء فيه أن "السياسة الخارجية التركية أصبحت عدوانية بشكل متزايد وأن محاولات أنقرةللانضمام للاتحاد تتلاشى".ولعل ردود الفعل التي أبدتها أوروبا إزاء الإجراءات التي اتخذتها السلطات التركية عقب محاولة الانقلاب العسكري في منتصف عام 2016، بسبب ما تم وصفه بـ"حملات التطهير"وفرض حالة الطوارئ، دفع أنقرة إلى إبداء قدر أكبر من التصعيد تجاه الانتقادات التي تتعرض لها.

3- الاستفادة من الأزمات الأوروبية المتتالية: والتي تمثلت في التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد، وأزمة اليورو، والديون المتضخمة لبعض الدول الأوروبية، فضلاً عن جائحة كورونا،، وكلها متغيرات قلصت في مجملها من ردود الفعل التصعيدية للاتحاد الأوروبي في مواجهة تركيا، باستثناء التهديد بفرض عقوبات أقسى على الأخيرة لقيامها بنشاطات استكشافية عن الطاقة في منطقة شرق المتوسط، حيث تصدت فرنسا للضغط من أجل توقيع هذه العقوبات على تركيا، وفي المقابل تحفظت عدة دول منها ألمانيا إزاء فرض حظر أو عقوبات على دولة عضو في حلف الناتو.فيما تجدر الإشارة إلى أن شرائها منظومة S400من روسيا وضعها تحت طائلة العقوبات الأمريكية في ديسمبر 2020، بمقتضى قانون مكافحة أعداء أمريكا "كاتسا".

4- الحرص على امتلاك أوراق ضغط: فإلى جانب سعى تركيا إلى تعزيز نفوذها في مناطق نفوذ أطراف أوروبية، كأحد سبل تحسين فرص وشروط التفاوض مع الدول الأوروبية، فإنها سعت بالفعل إلى استغلال إحدى أهم أوراق الضغط التي تمتلكها في مواجهة الدول الأوروبية، وهى ورقة اللاجئين، التي لوحت باستخدامها في أكثر من مناسبة، مهددة بفتح الحدود التركية أمام اللاجئين للدخول إلى دول الاتحاد حال فرضت عقوبات عليها. وقد تزايدت هذه النبرة التهديدية من قبل تركيا تزامناً مع ما سببته أزمة اللاجئين من صعود دور التيارات الشعبوية، وتصاعد نبرة كراهية الأجانب، في عدد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.وعلى الرغم من أن تدفقات الهجرة الجماعية ومحاولات هروب اللاجئين إلي أوروبا قد شملت عدداً من دول جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط، فإن لتركيا دور بارز في هذا الملف، ليس لكونها الأكثر استضافة للاجئين -وبصفة خاصة اللاجئين السوريين- فقط، وإنما لكونها الدولة التي استطاعت توظيف وجود هذا الكم من اللاجئين على أراضيها، سواء من خلال المتاجرة بقضيتهم، أو استغلالهم في صراعات انخرطت فيها لتحقيق مصالح خاصة في المنطقة.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن ثمة تخوفاً أوروبياً حقيقياً من ممارسات تركيا، التي قد تقدم على فتح حدودها أمام مئات الآلاف من اللاجئين لدخول أوروبا، لاسيما في ظل اكتشاف محاولات تجاوز مبادئ الشراكة الأورومتوسطية على المستوى الأمني، من خلال عمليات تهريب الأسلحة التي تقوم بها تركيا إلى ليبيا.

وتحاول أنقرة استغلال الانقسام الأوروبي، الذي يقلص من فرص الحسم باتجاه التصعيد معها بسبب زعزعتها لأمن واستقرار شرق المتوسط، بما يعني أنها تدرك حالياً أنها إن لم تستطع تحقيق مكاسب في ملف انضمامها للاتحاد الأوروبي، فإنها لن تخسر مكانها في الحلف، في ظل امتلاكها لأوراق ضغط مهمة.

تهدئة تكتيكية؟

على الرغم من السياسات الاستفزازية التي انتهجتها تركيا في منطقة شرق المتوسط خلال الفترة الماضية في عديد من الملفات، فإنها آثرت أن تنهي العام الماضي 2020 بمحاولات للتهدئة مع الدول ذات الصلة في المنطقة، وكذلك دول الاتحاد الأوروبي. وقد تجلت تلك المحاولات من خلال استضافة الرئيس التركي لسفراء الاتحاد الأوروبي، وتأكيده على رغبة تركيا في "إعادة العلاقات إلى مسارها الصحيح". كما بدأت أنقرة في إجراء مباحثات مع اليونان في 25 يناير 2021، حول نزاع المياة الإقليمية بين البلدين.

وتثير هذه الخطوات التصالحية التركية مع اليونان من ناحية، والاتحاد الأوروبي من ناحية أخرى، حول قسم من الملفات الخلافية، تساؤلات عدة حول ما إذا كانت تعكس تغيراً حقيقياً في سياسة تركيا تجاه التزاماتها في الشراكة الأورومتوسطية، ومع دول الاتحاد الأوروبي ككل، أم أنها تهدئة تكتيكية، تفرضها عدة تطورات داخلية وخارجية، لاسيما في ظل استمرار باقي الملفات الخلافية عالقة. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى أهم التطورات التي شكلت في مجملها دافعاً لتبني نهج سياسي مغاير عن سابقه الاستفزازي تجاه الغرب، ويتمثل أبرزها في:

1-  تصاعد الضغوط الدولية: سعت أنقرة إلى التهدئة في أهم الملفات الخلافية مع الاتحاد الأوروبي وأكثرها تأثيراً على علاقاتها بدول الاتحاد، وهو زعزعة أمن واستقرار منطقة شرق المتوسط، وتصعيد الخلاف مع اليونان التي سعت إلى توقيع عقوبات أقسى عليها من خلال الاتحاد الأوروبي، وذلك استباقاً للقمة الأوروبية القادمة المزمع عقدها في مارس 2021 والتي من المتوقع أن تناقش فرض عقوبات أشد قسوة على تركيا. فضلاً عن متغير دولي جديد ومهم، وهو تولي إدارة أمريكية جديدة، والتي يتوقع أن يكون لها نهج مغاير للإدارة السابقة مع تركيا، فحسب الخبراء، لن تكون إدارة الرئيس جو بايدن متسامحة مع أنقرة، بل إن احتمالات الصدام قائمة بينهما في ظل وجود العديد من الملفات الشائكة، ومن أجل ذلك سعت تركيا إلى احتواء الانتقادات الأوروبية لتجنب احتمالات الصدام مستقبلاً.ويمكن القول بأن ثمة اتجاهاً قوياً يرى بأن فوز بايدن في الانتخابات الأمريكية سيكون له أثر غير مباشر على تحسين الظروف الصعبة التي واجهتها الدول المطلة على البحر المتوسط في إطار عملية برشلونة بعد فترة طويلة من الأزمات، وذلك من خلال تجديد الإدارة الأمريكية الجديدة التزاماتها تجاه حلفائها في أوروبا بدلاً من التنافس والتصادم معهم أو المضى في مشروعات منفردة في المنطقة.

2- ترتيب الأوضاع الداخلية: تشكل حالة الاقتصاد التركي المضطربة، أحد أهم الضغوط الداخلية التي تواجه الرئيس أردوغان، الذي يمتلك خيوط تحريك السياسات الخارجية والداخلية، وقد سبق وأن أقر بأن الاقتصاد التركى على وشك الانهيار، الأمر الذي استدعى اتخاذ قرارات إصلاحية، والتدخل في عدة أزمات، لعل أهمها استقالة وزير المالية بيرات البيرق (صهر الرئيس) من منصبه، والتي جاءت بعد يوم واحد من إقالة حاكم المصرف المركزي مراد اويصال على خلفية خسارة الليرة 30% من قيمتها مقابل الدولار منذ بداية عام 2020، وحتى تاريخ الإقالة في نوفمبر الماضي.وعلي الرغم من الترويج داخلياً لعملية التنقيب في منطقة شرق المتوسط عن الغاز على أنه محاولة من الدولة لتحسين كفاءة قطاع الطاقة في البلاد والاستفادة من حقول الغاز في المياة الإقليمية المتنازع عليها مع اليونان، تبدو التهدئة التركية مع اليونان، ومن ورائها دول الاتحاد الأوروبي كمحاولة لمنع المزيد من تدهور الأوضاع الاقتصادية الداخلية، في حال فُرضت على تركيا عقوبات أوروبية جديدة. وتعتبر أيضاً محاولة لفرض مناخ مواتٍ للانتخابات الرئاسية القادمة فى عام 2023، مع رفض أردوغان دعوات متزايدة لإجراء انتخابات مبكرة، حيث يسعى الأخير إلى استيعاب ومعالجة الإحباط الشعبي المتزايد من الأوضاع السياسية والاقتصادية فى الداخل قبل الذهاب إلى الانتخابات.

ويمكن القول، بأن تركيا تتوقع من خلال التهدئة في محيطها المتوسطي وخاصةً مع اليونان، تعزيز صورتها دولياً، ومعاودة الظهور مجدداً فى اجتماعات الاتحاد الأوروبى، بعيداً عن مشهد التهديد بتوقيع العقوبات عليها وتقارير المفوضية الأوروبية المنتقدة لسياساتها الداخلية والخارجية. في حين يتوقع الاتحاد الأوروبى من تركيا خفض التصعيد فى منطقة شرق المتوسط، بهدف منع أى عسكرة محتملة للنزاع البحري بين تركيا وأعضاء الشراكة الأورومتوسطية عموماً واليونان وقبرص وفرنسا على وجه الخصوص. وهى في النهاية أهداف آنية فيما تظل بقية الملفات الخلافية قائمة كعائق حقيقي أمام عودة العلاقات الجيدة بين الطرفين بشكل كامل.


رابط دائم: