كأس الأمم الإفريقية.. كرة القدم والهوية
19-6-2019

د. زياد عقل
* خبير في علم الاجتماع السياسي بوحدة الدراسات المصرية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

تعد كرة القدم إحدى أدوات القوى الناعمة، والتى يتم استخدامها من قبل دول كثيرة فى مختلف بقاع العالم، وهذا لكونها لعبة قادرة على جذب عدد كبير من الجماهير، وقادرة على خلق مشاعر من الانتماء، بل وأيضا خلق عصبيات على أرضية الهوية المتعلقة بمفهوم التشجيع.

تبدو كرة القدم فى بعض الأحيان كنقطة تواصل بين المجتمع والدولة فى أنحاء مختلفة من العالم. وفى القارة الإفريقية على وجه التحديد، طالما كانت كرة القدم أحد أساليب التواصل بين دول القارة، وفى ظل اختلاف الثقافات بين الدول الإفريقية، وتنوع المشاكل المجتمعية، كانت كرة القدم كلعبة، وكأرضية من الممكن أن تُبنى عليها هوية، خاصة بين الشباب (وهو القطاع الأكبر بين سكان وشعوب الدول الإفريقية) بمثابة آلية للتواصل، والتعرف على ثقافات متعددة بين الشعوب الأفريقية.

وبالتالى، تحظى بطولة الأمم الإفريقية التى سوف تقام خلال أيام على الأراضى والملاعب المصرية، بمغزى سياسى واجتماعى فيما يتعلق باستخدام الدول لأدوات القوى الناعمة، وهذا للعديد من الأسباب. أولا، كان هناك ظروف طارئة أدت لموافقة مصر على استضافة البطولة، بعد أن كان من المفترض أن تستضيفها الكاميرون. ثانيًا، عانت مصر من عدد من الإشكاليات المتعلقة بسلوكيات جماهير كرة القدم فى المدرجات، والذى أدى لتحديد أعدادها، فى المسابقات المحلية للحد من حالة الاستقطاب بين الجمهور. ثالثًا تترأس مصر خلال عام 2019 الاتحاد الإفريقى، وبالتالى بات هناك حرص من قبل الدولة لممارسة دور يتسم بمحاولة تحقيق الحد الأقصى من التوافق، والتكامل، والتعاون بين الدول الإفريقية، وهو ما عبر عنه الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى فى أكثر من مناسبة. وبما أن كرة القدم وبطولاتها القارية إحدى الفعاليات القادرة على صناعة تقارب بين الشعوب، لما لديها من نفوذ مجتمعى كلعبة رياضية، رأت مصر فى استضافة البطولة بُعدًا يتعلق بمسئوليتها وسبل تعزيز مشاركتها من ناحية، وبُعدًا آخر يتعلق بتعظيم الاستفادة من التواصل بين الشعوب والمجتمعات الإفريقية من خلال إحدى أدوات القوى الناعمة، وهى كرة القدم.

ولذا، نسعى فى هذا التقرير لشرح ما يمكن أن تفعله بطولة كروية قارية فى سياق محاولة التكامل وصناعة هوية مشتركة بين دول القارة الإفريقية، وما هو مغزى إقامتها فى مصر، وكيف يمكن أن تستفيد مصر من استضافتها. وبالتالى هناك عدد من المحاور التى سوف نقوم بتناولها فى هذا السياق.

أولًا: تنظيم البطولة.. رسائل كروية

بطولة كأس الأمم الإفريقية للعام 2019 تتسم بعدد من التغيرات، كان من المفترض أن يتم تنظيم البطولة فى دولة الكاميرون، ولكن الاتحاد الإفريقى لكرة القدم رأى أن تجهيزات البنية الأساسية التى تسمح باستضافة البطولة غير مكتملة فى دولة الكاميرون، وبالتالى بات السؤال مطروحًا حول من سيقوم باستضافة البطولة، وكان التنافس بين مصر وجنوب أفريقيا. الجدير بالذكر أن الدولتين من إحدى أهم الدول الإفريقية التى تتمتع بامتلاك بنية أساسية صلبة للقطاع الرياضى. وعندما تم التصويت من قبل الاتحادات القارية، حازت جنوب أفريقيا على صوت واحد، وحصلت مصر على باقى الأصوات. جدير بالذكر أن انتخابات الكرة فيما يتعلق باستضافة البطولات القارية تخضع للعديد من المعايير، ولكن يظل معيار البنية الأساسية هو الأكثر تأثيرًا فى صناعة القرار. إن التصويت الجماعى لمصر يعنى الاعتراف من قبل القارة الإفريقية بأن مصر لديها بنية أساسية رياضية قادرة على استضافة بطولات قارية، وهو ما لا يتوافر فى الكثير من الدول الإفريقية التى لديها شغف كروى، ولكنها لا تملك ما يكفى من ملاعب، ومن بنية أساسية رياضية كى تمكنها لتنظيم بطولة، وهو ما يضع مصر فى موقف متميز بين الدول الإفريقية فى استخدام كرة القدم كأداة للقوى الناعمة فى القارة الأفريقية.

تقدمت مصر فى ظل هذا المشهد التنازعى لتنظيم البطولة وفازت بها، بفارق كبير جدا من الأصوات. هنا يجب أن ندلل على مغزى ذلك، وما يحمله من معانٍ. أولًا، نتيجة التصويت تشير لامتلاك مصر لبنية أساسية رياضية تفوق تلك التى تمتلكها جنوب أفريقيا التى نظمت كأس العالم عام 2010. ثانيا، الاختيار فى حد ذاته، والفوز به بأغلبية من الأصوات، يدل على مكانة قارية لمصر تصنعها كرة القدم وإمكانات مصر التنظيمية. ثالثًا، تقدم مصر لتنظيم البطولة بعد عدم تمكن الكاميرون من تنظيمها يدل على حرص مصر لاستخدام أدوات القوى الناعمة فى رعاية التعاون الأفريقى. فكرة القدم هى اللعبة الشعبية الأولى فى أفريقيا وفى كل العالم، وبطولة الأمم الإفريقية هى البطولة الأكثر اجتذابا للجماهير فى القارة، وبالتالى كان التدخل المصرى متجاوزًا فكرة إنقاذ مسابقة رياضية، إلى توفير سبل دعم الرياضة الإفريقية، فهذا الحرص لا يقتصر على كرة القدم فقط، ولكنه يمتد إلى استضافة العديد من المسابقات والبطولات الإفريقية.

ثانيًا: التكامل القارى

قد يبدو للبعض أن كرة القدم لن تستطيع أن تكون أداة فى محاولات إرساء التكامل القارى وترسيخ الهوية بين الدول الإفريقية، ولكنها رؤى قصيرة النظر من ناحية، ولا تدرك نفوذ كرة القدم على المجتمعات كلعبة رياضية من ناحية أخرى. تعانى القارة الإفريقية من غياب مفهوم الهوية المشتركة، حيث إن هناك الكثير من الاختلافات الثقافية بين شرقها وغربها وشمالها وجنوبها. صناعة الهوية الإفريقية التى تتسع لمختلف ثقافات القارة يجب أن تكون إحدى أولويات رئيس الاتحاد الإفريقى، وكرة القدم من خلال هذه البطولة إحدى أهم الأدوات التى من شأنها صناعة هذا التوافق. عادة ما تفشل السياسة فى خلق توافقات مجتمعية على مستوى قارى، ولكن أدوات القوى الناعمة المتعلقة بالجماهير على وجه التحديد قادرة على صناعة هوية مشتركة. وخير دليل على ذلك كرة القدم القارية فى أمريكا اللاتينية.

ولذا يكون السؤال هو كيف يمكن أن تخلق كرة القدم كرياضة، وبطولاتها القارية نوعا من التكامل بين الشعوب الأفريقية. هناك ثلاثة محاور رئيسة تتقاطع فى هذه النقطة للإجابة عن هذا السؤال، الدولة، والمجتمع، والإعلام. حيث إن تنظيم بطولات كرة القدم يتقاطع مع هذه المحاور الثلاثة خاصة فى الدول الإفريقية.

فقد تستطيع الدولة أن تصنع من كرة القدم أرضية لاستعادة هوية جمعية للقارة، حيث إن دور الدولة فى تنظيم بطولات كرة القدم يعد دورا محوريا. بين القدرة على إدارة تنظيم الحدث، واستطاعة الدولة تلبية احتياجات المنتخبات المشاركة، تتحول كرة القدم لإحدى الأدوات غير السياسية التى تعود على الدولة بمكاسب سياسية. وبالتالى، تستطيع الدول من خلال تنظيم البطولات القارية إرسال رسالة لباقى دول القارة تعبر عن كونها قادرة على استضافة حدث رياضى يتم التعبير من خلاله عن هوية مشتركة بين الدول المشاركة.

إن المجتمعات فى حد ذاتها تعد أحد منابر اختبار نفوذ كرة القدم بين الدولة والمجتمع. سواء فى مصر، أو فى الكونغو الديمقراطية، أو فى الجزائر أو الكاميرون، حيث تظل كرة القدم فى تلك الدول ملفًا شائكًا يحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع من خلال اللعبة ونفوذها الثقافى والمجتمعى. وتحظى كرة القدم بعدد من العناصر المختلفة داخل المجتمعات تتفاعل مع بعضها البعض. العنصر الأول هو فئة الشباب، وهو الفئة الطاغية فى أغلب المجتمعات الأفريقية. وبالتالى، تعد لعبة كرة القدم أحد أهم منافذ التفاعل المجتمعى بين الكيانات غير المؤسسية داخل القارة، خاصة أن هناك العديد من الدول الإفريقية التى لا تعلم التنظيم السياسى المؤسسى، ولكنها تدرك جيدا قيمة كيانات غير سياسية وغير مؤسسية كى تجعل منها أرضية للهوية والانتماء. وبالتالى، تظل كرة القدم إحدى آليات استعادة نوع من الهوية الإفريقية الجمعية، وهى التى باتت المجتمعات الإفريقية تفتقر لتواجدها بشكل جماهيرى.

بينما يعد الإعلام، إحدى آليات القوى الناعمة الداعمة للتواصل والتعريف وتنمية الإدراك المشترك بالقدر الذى يعزز من قضية التكامل القارى بيد أن أغلب الدول الإفريقية لا تمتلك وسائل إعلام قادرة على صناعة رؤية قارية. بينما تمتلك مصر عددًا من وسائل ومنابر الإعلام قادرة على صناعة هوية مشتركة بين الدول المشاركة فى البطولة.

ثالثًا: الكرة ودعم الهوية والتواصل

هناك دور للدولة المنظمة فى التنسيق بين المحاور الثلاثة التى تم ذكرها سابقًا، وبين إحداث نوع من التكامل الثقافى داخل القارة الأفريقية. ومما لا شك فيه أن مصر تمتلك عددًا من الآليات كالمزج بين السياسة، والرياضة، والتنظيم الجماهيرى. كى تكون مدخلًا للتواصل بين الدول الإفريقية وبعضها البعض، وهو ما يضيف للمشهد الإفريقى سياسيا ككل. بمعنى آخر، دخول مصر فى تنافس للحصول على تنظيم البطولة من الجانب الرياضى، جزء لا يتجزأ من دورها السياسى كونها رئيساِ للاتحاد الإفريقى. ودورها كدولة إفريقية تحرص على تعزيز سبل الارتباط بالقارة وشعوبها وتحرص أيضًا على توظيف قدراتها وخبراتها ومواردها لدعم أطر التنمية الشاملة فى القارة.

هذه البطولة تؤكد على كون الكرة إحدى أدوات القوى الناعمة والتكامل القارى فى منطقة يشوبها الكثير من التوترات والتحديات الثقافية والعرفية واللغوية والدينية أضف إلى ذلك أن هناك عددًا من الأدوات والآليات غير المعتادة التى من الممكن استخدامها لخلق نوع من الدعم لهوية قارية مشتركة.

لقد عادت مصر فى هذا السياق كى تلعب دورًا من خلال دورها الإقليمى، ومن خلال مداخل متعددة تأتى كرة القدم والأنشطة الرياضية فى مقدمتها، لدعم أطر الاختلاف والتنوع الثقافى كثروة داعمة لأطر التنمية والتعايش بين المجتمعات الإفريقية، وذلك عبر أدوات الدبلوماسية المصرية الناعمة تجاه قضايا تتسم بالارتباط مع القارة الإفريقية.

نُشر هذه الموضوع في مجلة أحوال مصرية، العدد رقم 72، ربيع 2019.


رابط دائم: