مقالات تحليلية

إسرائيل والأزمة السورية

طباعة

لخصت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية في نهاية شهر أكتوبر الماضي ما يمكن اعتباره الموقف الحقيقي أو السياسة الإسرائيلية تجاه الأزمة السورية. إذ قالت الصحيفة إن إسرائيل محظور عليها التورط في المستنقع الذي تعيشه سوريا، لأنه ليس لديها أي مصلحة في دخول ذلك الصراع الدائر بشمالها، وأضافت الصحيفة أن إسرائيل لن تستفيد من الدخول في سلسلة الصراعات الإثنية والطائفية التي يشهدها الشرق الأوسط، ويجب ألا تحسب نفسها بشكل علني مع أي طرف من أطراف الصراعات في المنطقة، وأن على إسرائيل الاستفادة من دروس الماضي في إشارة إلى التدخل الإسرائيلي في الحرب الأهلية اللبنانية.

وفي الواقع، فإن هذا التحليل ينطلق من الهدف الاستراتيجي لإسرائيل مما يحدث في سوريا، الذي يتمثل في ألا تشكل سوريا – بصرف النظر عما ستؤول إليه الأوضاع - أي خطر حالي أو محتمل على إسرائيل ، وبصفة خاصة على الأوضاع القائمة في هضبة الجولان. وبما أن ما يحدث في سوريا عبر السنوات الست الماضية يحقق ذلك الهدف، فيصبح من المنطقي ألا تتدخل إسرائيل بشكل مباشر وخشن باستخدام القوة المسلحة مثلا، وإن كان ذلك لا يمنع بل يفرض على إسرائيل متابعة تطورات الموقف على الأرض وتوجيه بعض الضربات لأهداف إستراتيجية تخدم الهدف الإسرائيلي من آن لآخر على نحو ما حدث خلال السنوات الماضية، إضافة إلى محاولة تثبيت الأمر الواقع القائم في الجولان من خلال زيارة نيتنياهو للجولان في بداية أبريل 2016 ثم عقد اجتماع للحكومة الإسرائيلية بها في منتصف الشهر نفسه وإعلان نيتنياهو أن الجولان ستبقى للأبد مع إسرائيل. علاوة على ذلك فإن إسرائيل ترى ضرورة ترك الملف السوري للولايات المتحدة والقوى الكبرى المتصارعة أو المتنافسة والمتخوفة من تنامي الدور الروسي في الشرق الأوسط بصفة عامة وفي الأزمة السورية بصفة خاصة. كما أن هناك اعتبارات إستراتيجية آخري تمنع أو يجب أن تمنع إسرائيل عن التدخل في الأزمة السورية لعل أهمها - كما يؤكد البروفيسور "يهودا بلانغا" الباحث الزائر في مركز ديان للدراسات الإستراتيجية التابع لجامعة تل أبيب – احتمالات أن يستغل الحلف الثلاثي المكون من روسيا وإيران وحزب الله التدخل الإسرائيلي لإشعال الجبهة الشمالية لإسرائيل.

ومع ذلك فإن تطورات الحرب الدائرة في سوريا ربما تفرض على إسرائيل تغيرا ما في سياستها التي قاربت من خلالها الأزمة السورية خلال السنوات الست الماضية. فما آلت إليه الأمور بشأن انتصار النظام السوري مدعوما من روسيا وإيران وحزب الله في معركة حلب يمثل نقطة فارقة في مسار السياسة الإسرائيلية تجاه الأزمة السورية. وعلى الأرجح فإن تلك السياسة فيما بعد معركة حلب ستختلف عما كانت قبلها. فانتصار النظام السوري في تلك المعركة يعني بما لا يدع مجالا للشك انتصارا وتدعيما لنفوذ روسيا وإيران وحلفائها في سوريا ومن ثم في المنطقة. وحيث أن محاولة تحجيم النفوذ الإيراني كان واحدا من أهم محددات السياسة الإسرائيلية، فإن نجاح إيران في تدعيم ذلك النفوذ يعني ضرورة تغيير السياسة الإسرائيلية. وفي هذا السياق يقول المستشرق الإسرائيلي "آيال زيسر" في مقال له في صحيفة إسرائيل اليوم في 21 ديسمبر الماضي أن أحد أهم الدروس التي علي إسرائيل استخلاصها من معركة حلب هو أن من يعتمد على الدعم الدولي ويرهن مستقبله لهذا الدعم سيعود بخيبة أمل كبيرة، فالعالم لا يعترف إلا بالأقوياء والمنتصرين،وأن إسرائيل وإن كانت بعيدة عن حلب مئات الكيلومترات، لكنها قد تدفع الثمن الباهظ عن المأساة التي شهدتها المدينة السورية، مما يتطلب من دوائر صنع القرار في تل أبيب التفكير جيدا في إمكانية تحقق هذا السيناريو والبدء بالاستعداد له. فهل بدأت السياسة الإسرائيلية في التغير بالفعل؟

الإجابة باختصار، أن ثمة بعض المؤشرات التي تشير إلى ذلك، حيث صرح وزير الدفاع الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان، في الثالث من ديسمبر الماضي أن “تسوية الأزمة في سوريا تتطلب ترك الرئيس السوري منصبه”. ولكنه عاد وفي إطار السعي لإبقاء الموقف غامضا ليقول بعد نحو أسبوع أن إسرائيل ليست لديها النية للتدخل في الحرب في سوريا. وبعد ذلك أدلى فهد المصري منسق جبهة الإنقاذ الوطني في سوريا بتصريح خلال حوار نشره موقع عربيل الإسرائيلي يشير فيه إلى احتمالات تدخل أكثر من الجانب الإسرائيلي وترحيب جبهته بذلك. حيث قال ردا على سؤال حول مدى استجابة إسرائيل لدعوته للتعاون مع إسرائيل خاصة فيما يتعلق بالتعاون لإسقاط نظام الأسد وحلفاءه: "تلقينا العديد من الاتصالات المهمة من العديد من الأطراف ونحن نرحب بتصريح وزير الدفاع ونعتبرها خطوة إيجابية أولى كنا ننتظرها منذ خمس سنوات نحن لم نطالب بالتدخل العسكري الإسرائيلي ولكن إن أرادت إسرائيل خدمة أمنها وأمانها وأمن واستقرار الشرق الأوسط فعليها أن تتوقف عن منع سقوط حكم الأسد.

وأخيرا، فإنه على الرغم من أنه ما زال من المبكر معرفة ماهية التغيرات التي ستطال السياسة الإسرائيلية تجاه الأزمة السورية، فإنه لابد من التأكيد على أن التغيرات التي من المؤكد أنها ستطال الموقف الإسرائيلي من الملف السوري ستتم بالتنسيق الكامل مع الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة دونالد ترامب ، الذي يبدو حتى الآن مع خيار التسوية السياسة للأزمة السورية، ولكن موقفه من كل من روسيا وإيران ربما يعقد العلاقة بينه وبين نيتنياهو. وفي كل الأحوال، ستسعى إسرائيل إلى الإبقاء على وضعها من الأزمة السورية كمستفيد مجاني قائما إلى أطول فترة ممكنة.

طباعة
د. صبحي عسيلة

رئيس برنامج الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية