متابعات تحليلية

عودة الدفء للعلاقات التركية الإسرائيلية: الأسباب والتداعيات !

طباعة

شهدت العلاقات التركية الإسرائيلية مؤخرا حالة من الانفراج، حيث جرى تصفية الخلافات التي وقعت منذ حادث الاعتداء على سفينة لنشطاء مؤيدين للفلسطينيين حاولت كسر الحصار على قطاع غزة عام 2010.

وشكلت إسرائيل وتركيا تحالفاً قوياً، لكن العلاقات بينهما، التي تأسست في مارس 1949، بعد أن تردت بشكل كبير تحت قيادة رجب طيب أردوغان الذي ينتمي إلى دائرة محافظة ذات مرجعية إسلامية، وظل يفضل بناء علاقات قوية مع دول الجوار انطلاقاً من نظرية "تصفير المشاكل"، وخاصة مع العمق العربي والإسلامي.

ورغم تقديم رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو في مايو 2013 اعتذارا رسمياً فضلا عن جهود أمريكية لتجاوز الخلاف والقفز على تداعيات حادث السفينة "مرمرة"، انتهت باتصال هاتفي في نفس العام بين أردوغان ونتانياهو، إلا أنها لم تسفر عن تجاوز الأزمة وظل تطبيع العلاقات بين البلدين معلقا بالمفاوضات المتعلقة بالتعويضات.

وكانت العلاقات بين البلدين قد وصلت إلى ذروة التأزم في يوليو 2014 بعد اتهام أردوغان في كلمته الأسبوعية أمام نواب حزب العدالة والتنمية إسرائيل بممارسة "إرهاب الدولة" في قصفها لقطاع غزة وإنها ترتكب "مجزرة" في حق الفلسطينيين في القطاع.

غير أن تطورات المشهد، وفشل رهانات تركيا على ما أفرزته ثورات الربيع العربي بعد الإطاحة بالإسلاميين من السلطة في القاهرة وتونس وليبيا فضلا عن احتقان علاقة تركيا مع سوريا ولبنان وبعض العواصم الخليجية بجوار تعقيد العلاقة مع إيران.

إضافة بالطبع إلى التدهور السريع في العلاقات بين تركيا وروسيا بعد اسقاطها للطائرة السوخوي الروسية في 24 نوفمبر الماضي.

في هذا السياق العام تجد تركيا نفسها مدفوعة لعودة العلاقة مع تل أبيب، خصوصا وأن قطاع معتبر من محيطها الإقليمي تحول إلى مناطق اشتباك ساخنة.

متغيرات العلاقة

ثمة جملة من المتغيرات دفعت أنقرة وتل أبيب لإعادة مد جسور التواصل بعد انقطاع دام خمس سنوات، ورغم أن مياه كثيرة جرت في النهر إلا أن تصاعد الاشتباك في العلاقات الإقليمية، وحضور "داعش" الذي أمعن في تقطيع أوصال الناس والدول يبدو مختلفاً عما حدث من قبل.

وتتمثل أولى المتغيرات في التغيرات الجيوسياسية التي أفرزتها الأزمة السورية، وانعكاساتها السلبية على تركيا، خاصة ما يخص صعود نفوذ "حزب الاتحاد الديمقراطي" (PYD)، وهو حزب كردي سوري نافذ تأسس في العام 2003، ونجح في بسط نفوذه على مناطق واسعة في الشمال والشمال الشرقي من البلاد بعد انسحاب قوات النظام منها في صيف 2012 ونجاحاته في صد "داعش" في موقعة عين العرب "كوباني"، وهي المعركة التي أفادت الصورة الذهنية للحزب ومنحته زخماً إقليميا ودوليا.

ولأن أنقرة ترى في الأكراد السوريين خطرا محدقا على الأمن القومي؛ بسبب علاقاتهم بالأكراد القوميين في تركيا، فقد نظرت بقلق متزايد إلى توسّع التعاون بين المليشيات الكردية السورية والقوات الأمريكية في الحرب ضد تنظيم الدولة "داعش".

وكان الرئيس التركي قد اتهم الغرب في دعمه لأكراد سوريا بأنه يستبدل بجماعات إرهابية جماعات إرهابية أخرى شمال سوريا.

ويرتبط المتغير الثاني بتصاعد التوتر التركي الروسي بعد دخول الأخيرة على خط الأزمة السورية ودعمها قوات نظام الأسد، ودخل المناخ مرحلة الشحن بين الدولتين بعد إسقاط سلاح الجو التركي مقاتلة روسية من طراز "سوخوي 24" في 24 نوفمبر 2015 بعدما اخترقت المجال الجوي التركي لنحو خمس دقائق، وعدم تجاوبها مع تحذيرات عسكرية وصلت لأكثر من عشر مرات متواصلة.

فلاديمير بوتين سعى لتصعيد الأزمة، واعتبر العملية طعنة في ظهر روسيا، وأشار من وراء ستار إلى تعاون بين أنقرة والتنظيمات الراديكالية التي تعبث في سوريا.

كما رفض الرئيس الروسي لقاء أردوغان" على هامش قمة أعمال المناخ في باريس، ودعا المواطنين الروس إلى عدم التوجه إلى تركيا، والبحث عن مقاصد سياحية أخرى.

خلف ما سبق يقف توتر العلاقات التركية مع كل من العراق وإيران على خلفية الاصطفاف الحاصل إزاء الأزمة السورية.

وكانت العلاقة مع العراق وصلت الذروة بعد إرسال تركيا قوة عسكرية إلى معسكر للمقاتلين تابع لحليفها اثيل النجيفي، محافظ نينوي السابق، في بلدة بعشيقة قرب الموصل، وهو ما ترتب عليه غضب الحكومة المركزية في بغداد التي دعت أنقرة إلى سحب قوتها من شمال العراق دون قيد أو شرط، بالرغم من اتفاق نادر في ثمانينات القرن الماضي سمح العراق بموجبه للقوات التركية بالدخول إلى أراضيه في الشمال (إقليم كردستان) لملاحقة عناصر حزب العمال بعد بدء تمردهم المسلح عام 1984.

دوافع العلاقة

الأرجح أن ثمة دوافع تقف وراء التقارب الإسرائيلي التركي منها تلاقي الدولتان على عتبة التهديدات الإيرانية.

ففي مقابل النجاحات النوعية التي حققتها إيران إقليميا ودولياً على حساب الدور التركي، تمثل إيران شوكة في خاصرة إسرائيل، لاسيما وانها الداعم الأكبر لحزب الله في لبنان وحركات المقاومة في قطاع غزة، وهو الأمر الذي يؤرق إسرائيل ويزيدها انغماساً في همها الداخلي.

وبرغم تشابك المصالح الاقتصادية والتجارية بين أنقرة وطهران إلا أنهما يتباينان في توجهاتهما السياسية، إذ تسعى إيران إلى توطيد العلاقة مع روسيا، وكان بارزاً، هنا، التوافق حول الأزمة السورية والأوضاع في العراق.

كما نجحت إيران مؤخراً في تحقيق تفوقاً نسبيا على أنقرة بعد تمرير تسوية برنامجها النووي ورفع العقوبات الغربية، والتقارب الملحوظ مع واشنطن والاتحاد الأوروبي.

ويعود الدافع الثاني إلى محاولات تركيا تغطية احتياجاتها من الطاقة.

حيث تستورد تركيا سنويا أكثر من 48 مليار متر مكعب من الغاز، تغطي روسيا وحدها نحو 56 بالمائة من هذه الكمية، وإذا أضفنا الغاز الإيراني، ترتفع هذه النسبة إلى ما يقرب من 80 بالمائة.

ولا تقتصر علاقات الطاقة بين أنقرة وموسكو على هذا النحو فقط، إذ تدير شركة روسية محطة ضخمة لتوليد الكهرباء باستخدام الغاز في تركيا.

كما أن التعاون في مجال الطاقة لا يقتصر على مجالي الغاز والنفط، إذ وقعت "أتوم ستروي إيكسبورت" الروسية في العام 2012، عقداً لبناء مشروع مفاعل "آك كويو" النووي في مدينة أضنة جنوب البلاد.

وتكمن صعوبة اعتماد تركيا على الغاز الروسي والإيراني بالأساس في أنها تتزامن مع فتور علاقة تركيا بالبلدين، و تزيد حساسية الموقف مع اقتراب نهاية اتفاقيات توريد غاز البلدين لتركيا بعد سبع سنوات، ما يتطلب مفاوضات جديدة وعسيرة على مستوى الحجم والمدة والسعر.

ولعل التواصل التركي مع إسرائيل يأتي في سياق محاولات أنقرة لتحقيق المزيد من أمن الطاقة بتنويع مصادر الإمداد، ويقابل ذلك توافر رغبة إسرائيلية في توطيد التعاون مع أنقرة في هذا المجال.

وقد صرح وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز في 18 ديسمبر 2015 ، بأن تطبيع العلاقات مع تركيا له أهمية كبيرة سواء لتطوير حقل لوثيان للغاز أو المساهمة في إعادة شركات الطاقة العالمية إلى إسرائيل للبحث عن حقول غاز جديدة.

كما تتفاوض شركات إسرائيلية منذ وقت طويل مع شركات تركية على خط أنابيب لنقل الغاز من لوثيان عبر تركيا إلى أوروبا ودول آسيا.

في سياق متصل يمثل التقارب التركي الإسرائيلي مدخلاً مهماً لتركيا لتوطيد علاقاتها مع واشنطن التي لم يرق دورها إلى مستوى الحليف مع أنقرة في أزمتها مع روسيا.

كما يمكن لها استثمار النفوذ الإسرائيلي على واشنطن والغرب لجهة توقف دعم الصعود الكردي، وتحول الأكراد إلى حليف للولايات المتحدة على الأرض في سوريا والعراق.

وتخشى تركيا التحالف الدولي مع الأكراد، خاصة بعد استقبال روسيا نهاية ديسمبر 2015 زعيم حزب الشعوب الديمقراطية صلاح ديمرطاش، وفتح جبهة دبلوماسية مع أكراد تركيا، وهو الأمر الذي يؤجج التوتر التركي- الروسي.

وكانت روسيا قد دخلت على خط النزاع التركي- الكردي، إذ قال لافروف وزير الخارجية الروسي لدميرطاش "إن روسيا تدعم البرنامج السياسي لحزبه".

تداعيات التقارب

على الرغم من أن رئيس الوزراء التركي أكد في 22 ديسمبر 2015 أن أنقرة تصر على مطالبتها برفع القيود عن غزة شريطة عودة الدفء للعلاقة مع إسرائيل.

وتأكيده مجدداً أن تركيا لم تنس شعب غزة، وأن من يدعي ذلك هو باطل إلا أن مسارات الأحداث تكشف عن سياقات سياسية مختلفة، ويؤشر إلى ذلك بعض المؤشرات أولها الاتفاق على تعويضات ضحايا السفينة مرمرة.

وثانيهما إسقاط تركيا كل الدعاوى القضائية ضد إسرائيل بشأن الحادث.

ويبقى الملمح الأهم هو احتمالات الانعكاس السلبي للتقارب على القضية الفلسطينية، وبدا ذلك في إبعاد تركيا القيادي في حماس مسئول مكتب الضفة السابق صالح العاروري تحت ضغط إسرائيل فضلا عن أن تخلي تركيا عن مطلب رفع الحصار عن غزة هو في صلب الهدف الإسرائيلي.

التقارب التركي الإسرائيلي قد يدفع نحو إعادة النظر في الرؤية التركية للقضية الفلسطينية، وفي الصدارة منها العلاقة مع حماس.

طباعة
كرم سعيد

باحث متخصص في الشأن التركي- مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام