متابعات تحليلية

ملاحظات حول مكافحة الإرهاب في مصر

د. إيمان رجب 19-11-2015
طباعة
19/11/2015 تستدعي التطورات الأخيرة المتعلقة بالإرهاب التفكير مرة أخرى في فعالية سياسات الدولة المصرية الخاصة بمكافحة العمليات الإرهابية، ليس التي تنفذ في سيناء فقط، وإنما في غيرها من المحافظات.

حيث أصبح واضحا أن خطر الإرهاب، لايقتصر على شمال سيناء فقط، فخلال هذه الفترة تم حصر 435 عمل إرهابي، نفذ منها 10% في سيناء، و16% في القاهرة و16% في الجيزة و9% في الشرقية و8% في الإسكندرية، بينما لم تسجل أي عمليات في الوادي الجديد والواحات والإسماعيلية وجنوب سيناء. وتكتسب تقييم فعالية هذه السياسات أهمية في ظل استمرار كون عدد العمليات الإرهابية في مصر يمثل رقم "مهم"، ويكشف عن استمرار قدرة الإرهابيين على تنفيذ عمليات متعددة ، فعلى سبيل المثال يشير مؤشر حالة الامن في مصر الى انه خلال الفترة من يونيو 2013 وحتى يونيو 2014 بلغ عدد العمليات 222 عملية، أي في المتوسط حوالي أربع عمليات في الأسبوع، وخلال الفترة يونيو 2013 وحتى ديسمبر 2014 بلغ عدد العمليات 445 ، أي في المتوسط حوالي ستة عمليات في الأسبوع ،أي أنه خلال ستة أشهر ارتفع عدد العمليات إلى الضعف، بينما بلغ عدد العمليات التي نفذت خلال الفترة يونيو 2014 وحتى مارس 2015 عدد 576 عملية ، أي في المتوسط 14 عملية في الأسبوع، ووقع 354 من هذه العمليات خلال الربع الأول من العام 2015. ويمكن في إطار تقييم هذه السياسات، رصد عدة ملاحظات.

تتمثل الملاحظة الأولى في أنه رغم أهمية وجود إطار قانوني منظم للتعامل مع قضية الإرهاب، ممثلا في المادة 234 من الدستور المصري التي تتعامل مع الإرهاب على أنه "تهديد لأمن الدولة وأمن المواطنين"، فضلا عن إصدار قانون الكيانات الإرهابية في نوفمبر2014، ثم قانون مكافحة الإرهاب في أغسطس 2015، والذي يجعل ضبط سياسات المكافحة على المستوى النظري، من حيث المساءلة، عملية أكثر وضوحا، مقارنة على سبيل المثال بفترة الرئيس الاسبق مبارك، حيث كان يتم الاستناد إلى مواد قانون العقوبات، والى قانون الطواريء في إضفاء الشرعية القانونية على سياسات مكافحة الإرهاب. ولكن يظل هذا القانون محط جدل، فعلى سبيل المثال، أثارت مسودة هذا القانون قبل إقرارها انتقادات عدة من بعض القوى السياسية الرئيسية ومن نقابة الصحفيين، وبرروا ذلك بما نصت عليه المسودة من مواد تقيد نشر معلومات عن العمليات الإرهابية إلا إذا كانت صادرة عن الجهات الرسمية، حيث ينص مشروع القانون على "يعاقب بالحبس الذي لا تقل مدته عن سنتين، كل من تعمد نشر أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أي عمليات إرهابية بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية"، وذلك في الوقت الذي لا تسارع فيه هذه الجهات بتوفير المعلومات الكاملة عن العمليات الإرهابية. وذلك إلى جانب اعتراض النقابة على أربعة مواد أخرى هي" يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنين كل من روج أو أعد للترويج، بطريق مباشر أو غير مباشر، لارتكاب أي جريمة إرهابية، سواء بالقول أو الكتابة أو بأي وسيلة أخرى.

ويعاقب بالسجن المشدد مدة لا تقل عن خمس سنين، كل من أنشأ أو استخدم موقعا على شبكات الاتصالات أو شبكة المعلومات الدولية أو غيرها من وسائل الاتصال الحديثة، بغرض الترويج للأفكار أو المعتقدات الداعية إلى ارتكاب أعمال إرهابية، أو لبث ما يهدف إلى تضليل السلطات الأمنية، أو التأثير على سير العدالة فى شأن أي جريمة إرهابية.

ويعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تجاوز خمس سنين، كل من جمع دون مقتضً، معلومات عن أحد القائمين على تنفيذ أو تطبيق أحكام هذا القانون، وذلك بغرض استخدامها فى تهديده، أو فى الإعداد لإلحاق الأذى به أو بمصالحه، أو مصالح جهة عمله.

وفي قضايا الإرهاب المنصوص عليها في هذا القانون، يحظر، قيام أى فرد أو جهة بتسجيل أو تصوير وقائع جلسات المحاكمة بأي وسيلة كانت أو بثها عبر وسائل الإعلام المرئية أو المسموعة أو المقروءة أو على شبكات الاتصالات أو التواصل الاجتماعي أو على أي وسيلة أخرى، وذلك كله ما لم تأذن المحكمة".

وتتعلق الملاحظة الثانية، بأن هذا القانون لايوفر إطار يلزم الحكومة بجبر الضرر المترتب على عمليات مكافحة الإرهاب، أو مساءلة من يثبت مسئوليته عن الإضرار بالمدنيين بقصد أثناء عملية المكافحة، حيث نص في مادة 8 منه على أنه "لا يسأل جنائيا القائمون على تنفيذ أحكام هذا القانون إذا استعملوا القوة لأداء واجباتهم أو لحماية أنفسهم من خطر محدق يوشك أن يقع على النفس أو الأموال وذلك كله متى كان استخدامهم لهذا الحق ضروريا وبالقدر الكافي لدفع الخطر ".

و قد فصل بيان حكومة شريف إسماعيل بعد تشكيلها في 21 سبتمبر 2015 ما نصت عليه هذه المادة من "القدر الكاف" ، حيث نص على "الالتزام بعدم إطلاق النيران على مصدر التهديد قبل أن يبادر هذا المصدر بتهديد العناصر الأمنية، مع مراعاة مبدأي الضرورية والتناسب بالتوازي مع الإجراءات المتخذة لرفع المعاناة عن السكان المدنيين بهذه المناطق".

ولكن رغم ذلك يظل حق المدنيين المتضررين في مساءلة المسئول عن الحاق الضرر بهم عن قصد في ظل عمليات مكافحة الإرهاب غير مكفول وفق نص هذا القانون. وفيما يتعلق بتعويض المدنيين عما يلحق بهم من أضرار، اتجهت الحكومة مؤخرا للاهتمام بتطوير منظومة تعويضات محددة لضحايا الإرهاب في شمال سيناء، وذلك بالتعاون مع المجلس القومي لحقوق الإنسان، حيث قام المجلس منذ يناير 2015 بتشكيل لجنة كشف الحقيقة وقامت بعمل ميداني خلال الفترة 22 إلى 26 يناير 2015 ، وقدم المجلس عدة توصيات كان من بينها توفير سكن آمن للمتضررين من عمليات مكافحة الإرهاب وتقديم تعويضات مالية لمن تضرر منهم، وقد تضمن بيان حكومة شريف إسماعيل السابق ذكره، نص متعلق بالمساعدات الإنسانية للسكان في شمال سيناء، حيث نص على " تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة للسكان المحليين المتضررين من المواجهات الأمنية، وتشكيل نظام دقيق للتعويضات للمتضررين من نتائج الحملات الأمنية وأعمال المواجهة مع العناصر الإرهابية"، ولكن لم يتم إعلان نظام مفصل للتعويضات بعد.

بينما لاتزال التعويضات الخاصة بالعمليات الإرهابية التي تقع خارج سيناء تخضع لاعتبارات انتقائية، وتقدر قيمة التعويضات من قبل القوات المسلحة او من قبل مجلس الوزراء وفق كل حالة على حده.

كما ترتبط التعويضات التي يتم تقديمها عادة بالعمليات التي تخلف أضرار كبيرة، ومثال على ذلك مناقشات وزارة العدل مع صندوق تعويضات القضاة المتعلقة بتوفير تعويضات للقضاة ضحايا العمليات الإرهابية ، وكذلك اتخاذ وزير الزراعة في حكومة إبراهيم محلب قرار بعد حادث كرم القواديس بتخصيص قطع ارض بمساحة 5 افدنة ومنازل لعدد 26 عائلة تضررت من حادث كرم القواديس. وتنصرف الملاحظة الثالثة، إلى غياب إستراتيجية وطنية لمكافحة الإرهاب، تقوم على أساس الشراكة بين مؤسسات الدولة الأمنية والمجتمع، بحيث لا تقتصر عملية مكافحة الإرهاب على مؤسسات الدولة الأمنية، وتحديدا القوات المسلحة، فكما صرح الرئيس عبدالفتاح السيسي في لقائه مع البي بي سي ، يعد الجيش هو من "يجابه الإرهاب في مصر"، حيث يظل البعد المجتمعي لسياسات مكافحة الإرهاب ضروريا حتى تكون هذه السياسات فعالة، ويظل الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني خاصة في مجال حبر الضرر مهما للغاية. وتتعلق الملاحظة الرابعة، بأن سياسات الحكومة لاتزال تركز على مكافحة الفعل الإرهابي الذي يعد عرض لمرض التطرف، كما أن تعامل الحكومة مع قضية التطرف، هو تعامل "لحظي" يرتبط بوقوع أعمال إرهابية كبرى، وهذا يعني عدم وجود معالجة حقيقية وفعالة للأسباب الجذرية لانتشار الإرهاب، والتي على رأسها مكافحة الأفكار المتطرفة التي تعد المحرك الرئيسي للعمليات الإرهابية. ويلاحظ في هذا السياق، أنه عادة ما يرتبط الاهتمام بقضية التطرف من قبل دوائر صنع القرار في مصر بمكافحة الإرهاب، حيث عادة ما يكونان متلازمان، وذلك رغم اختلاف التطرف عن الإرهاب، وهو ما تعبر عنه الإشارة المتكررة في خطابات الرئيس عبدالفتاح السيسي لقضية التطرف، وفي المؤتمرات التي تنظم من قبل الوزارات المختلفة وبرعاية من رئيس الدولة.

طباعة