قضايا وتحليلات - قضايا وتفاعلات دولية 2015-11-12
12/11/2015 ثمة العديد من المحركات التي تقف وراء فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية التركية التي أجريت في الأول من نوفمبر الحالي، بنحو نصف أصوات الناخبين، وبما يوازي 317 مقعدا من أصل 550 تشكل مجموع مقاعد البرلمان التركي.

هذه المحركات أو الأسباب شكلت روافع أساسية نقلت حزب العدالة الحاكم في تركيا إلى مرحلة يستطيع فيها التحرك بثقة حيال قضايا الساحة الداخلية والخارجية، وهى قضايا قلقة ومختلف عليها، ولم يكن من المتصور أن يتعرض لها الحزب في ظل "البرلمان المعلق" الذي أوجدته انتخابات السابع من يونيو الماضي، والتي لم تمنح الحزب الأغلبية الكفيلة بتشكيل الحكومة منفردا كما جرت العادة خلال السنوات الثلاث عشرة الخالية، وهو الأمر الذي شكل الدافع الرئيس لإسراع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بالدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة، راهن عليها من أجل إعادة تأسيس "معادلة" ما قبل السابع من يونيو. وقد بدا المشهد السياسي التركي الذي أفضى إلى تحول في توجهات الناخبين حيال الحزب الحاكم في تركيا يرتبط بعناصر أساسية ساهم في صنعها حزب العدالة ذاته، الذي اختار توقيت إجراء هذه الانتخابات على النحو الذي يضمن تحقق طموحه السياسي بإعادة السيطرة على مقاليد السلطة، بما يدعم خططه المستقبلية بشأن تغيير النظام السياسي التركي من البرلماني إلى الرئاسي، تلبية لأهداف رئيس الدولة الذي بات يرهن الاستقرار السياسي في الدولة بأن يغدو رئيسا يمتلك كافة الصلاحيات التنفيذية، وليس محض سلطات رمزية لا تنسجم مع رؤيته السياسية لطبيعة دوره ونمط شخصيته المهيمنة.

محركات فوز "العدالة" هناك عشرة أسباب أفضت إلى إعادة فوز حزب العدالة بالانتخابات، وهى في مجملها أسباب مصطنع تصاعد أدوارها وفاعليتها، وفق مهام وسياسات مارسها الحزب الحاكم في تركيا واستهدفت بالأساس إعادة صوغ المعادلة السياسية التركية، بما يعيد مشهد الحزب المتحكم وليس فقط المهيمن تمهيدا لمرحلة ينتقل فيها المسرح التركي من مشهد الحزب الواحد إلى مشهد الرجل الواحد. أولا- الاستقطاب السياسي: أحد أكثر العوامل التي ساهمت في إعادة تعبئة الأصوات خلف حزب العدالة في هذه الانتخابات يتعلق بارتفاع منسوب التوتر والاستقطاب العرقي والطائفي والمناطقي على نحو غير مسبوق، وذلك بفعل سياسات الرئيس التركي الذي "انقلب" على مفاوضات السلام مع الأكراد، وصعد ضد حزب العمال الكردستاني PKK، وذلك بهدف مبدئي يتمثل في حصار حزب الشعوب الديمقراطية الموالي للأكراد، والذي استطاع الفوز بنحو 13.1% من الأصوات في انتخابات السابع من يونيو، وذلك من خلال محاولة الإيحاء بأن الحزب يدعم التنظيمات الإرهابية الكردية واليسارية، وقد ترتب على ذلك انخفاض نسبة التصويت للحزب قرابة 3 نقاط مئوية، حيث فاز الحزب بنحو 10.7% فقط من الأصوات.

وبشكل موازي استهدف حزب العدالة من وراء ذلك أيضا منافسة حزب الحركة القومية على الأصوات القومية المتشددة التي ترفض مفاوضات السلام مع الأكراد، وتعتبر أن من شأن ذلك أن يهدد وحدة وسلامة تركيا، وقد أفضى ذلك إلى أن حصل الحزب على نصف عدد الأصوات تقريبا التي كانت قد دعمته في انتخابات يونيو.

وقد انخفضت تبعا لذلك عدد مقاعد حزب الحركة القومية إلى نحو 42 مقعد فقط بعد أن كان قد حاز على نحو 81 مقعدا في الانتخابات السابقة، بما يعني أنه خسر نحو 4 نقاط مئوية أو ما يوازي 3 مليون صوت انتخابي، لصالح حزب العدالة. ثانيا: ارتفاع نسبة التصويت: شكل تصاعد نسبة التصويت في هذه الانتخابات أحد أهم الأسباب التي تقف وراء الفوز العريض لحزب العدالة والتنمية، حيث شارك في الانتخابات نحو 87% من جملة الناخبين بدلا من 80% في الانتخابات السابقة، وبدا واضحا من نتائج الانتخابات أن حزب العدالة والتنمية استطاع تحفيز قاعدته الانتخابية للمشاركة في هذه الانتخابات، وهى القاعدة التي تشكل نواتها الصلبة القوى المحافظة دينيا، والأقل من حيث مستوى الاقتصادي، وهى الأكثر تضررا من عدم الاستقرار الاقتصادي الذي تعاني منه تركيا بسبب الأوضاع السياسية التي سادت البلاد في مرحلة ما بعد السابع من يونيو.

يرتبط بذلك أن نحو 24% من سكان تركيا يعتمدون على مساعدات يحصلون عليها من الدولة، ونحو 84% من هؤلاء صوتوا لحزب العدالة والتنمية. كما استطاع حزب العدالة الفوز بنحو مليون صوت من الأصوات التي دعمت حزب الشعوب الديمقراطية خلال انتخابات السابع من يونيو، وذلك في ظل رغبة العديد من المواطنين الأكراد في تحقيق الاستقرار في تركيا، ولكون حزب العدالة يعد المعبر الرئيسي عن توجهاتهم الأيديولوجية المحافظة.

كما يرتبط بذلك أيضا عودة "الأصوات المستعارة" التي ساهمت في تصاعد حضور حزب الشعوب الديمقراطية، وذلك إلى أحزابها خصوصا حزب الشعب الجمهوري الذي زاد مقاعده بنحو مقعدين. ثالثا: تصاعد عمليات العنف: شكل تصاعد العنف في تركيا على مستويين أساسيين يرتبط أحدهما بحزب العمال الكردستاني، والآخر بتنظيم "داعش"، أحد الدوافع الرئيسية للتصويت لحزب العدالة والتنمية، الذي استطاع أن يفرض معادلة طرفها الأول "الفوضى" وطرفها الثاني البديل "الاستقرار" الذي يمثله الحزب، وقد جاء ذلك وفق استراتيجية مقصودة من الحزب تدرك أن تصاعد عمليات العنف يرتبط طرديا مع تصاعد شعبيته.

وقد ساهمت عمليات حزب العمال الكردستاني وتنظيم "داعش" في المدن التركية الرئيسية، وليس وحسب في المناطق الحدودية، خصوصا بعد العملية الإرهابية التي حدثت في أنقرة مؤخرا والتي أفضت إلى مقتل ما يزيد عن 102 مواطن تركي، إلى تزايد الشعور بأن الدولة التركية مهددة.

وقد يكون الجمهور قد رأى أن تجنب تجارب دول الجوار الجغرافي (العراق وسوريا) الأليمة تتطلب وجود حكومة مركزية قوية، حتى وإن جاء ذلك على حساب الديمقراطية والحريات الشخصية.

وربما تجاوز الناخبون بشكل مقصود اتهامات الفساد التي طالت العديد من القيادات وعلى رأسها الرئيس التركي وأسرته، انطلاقا من حقيقة أن التورط في عمليات فساد وفق منظور قطاعات شعبية عريضة لا يرتبط بنخبة حزب العدالة وحسب، وإنما يطول قائمة طويلة تضم الكثير من القيادات السياسية والحزبية في تركيا، راهنا وتاريخيا، بما يعني أن فساد النخب السياسية نمط شبه عام وليس محض استثناء. رابعا- ضعف أحزاب المعارضة: كان لمستوى أداء أحزاب المعارضة بعد الانتخابات البرلمانية التي أجريت في السابع من يونيو الماضي أثرا بالغا على نسبة التصويت لها في انتخابات الأول من نوفمبر، ذلك أن أغلب الأحزاب السياسية لم تظهر درجة من البرجماتية السياسية التي تؤهلها لتغليب المصلحة الوطنية العامة على المصالح الخاصة، التي أفضت إلى رفض المشاركة في حكومة ائتلافية مع حزب العدالة وفرض العديد من الشروط التعجيزية لتشكيل هذه الحكومة أو رفضها من حيث المبدأ.

وباستثناء حزب الشعب الجمهوري، الذي يعد حزب المعارضة الرئيسي، الذي زاد عدد مقاعده في البرلمان إلى 134 بدلا من 132 مقعد، فإن الحزبين التاليين انخفضت نسبة التصويت لهما، مع تبدل للمواقع حيث أصبح حزب الشعوب الديمقراطية يحظى بالكتلة البرلمانية الثالثة ويليه حزب الحركة القومية، وليس العكس كما كانت قد أسفرت عن ذلك نتائج الانتخابات السابقة. خامسا- توظيف الإعلام: بدت الطبيعة غير المتكافئة للانتخابات في التوظيف الإعلامي لخدمة حزب العدالة والتنمية في هذه الانتخابات فقد استحوذ مرشحيه على أغلب المساحات الإعلامية المخصصة للترويج للأحزاب والمرشحين على قوائم هذه الأحزاب، فعلى سبيل المثال خصصت قنوات TRT الحكومية نحو خمس ساعات لحزب الشعب الجمهوري، وساعة واحدة لحزب الحركة القومية و18 دقيقة لحزب الشعوب الديمقراطية، فيما أتاحت لحزب العدالة والتنمية زهاء 30 ساعة، فيما خصص لأردوغان وحده نحو 29 ساعة، كما تم استغلال جميع وسائل النقل العام ومراكز الخدمات لخدمة الدعاية الانتخابية للحزب الحاكم. سادسا- عودة مرشحي العدالة: لم يخض العديد من رموز حزب العدالة والتنمية الانتخابات البرلمانية التي أجريت في يونيو الماضي، وذلك تقيدا بقاعدة "ثلاث دورات وكفى"، غير أن خسائر هذه الانتخابات جعلت من الانتخابات ذاتها أشبه بـ"المحلل" أو "الفاصل الانتخابي" الذي أتاح للعديد من كوادر الحزب التي حرمت من خوض الانتخابات السابقة القدرة على المزاحمة على مقاعد العديد من المدن الرئيسية بانتخابات الأول من نوفمبر، وهو ما ساهم في تعبئة الناخبين، الذين يصوتون لشخصية المرشح وحزبه في آن واحد. سابعا- الوعود الاقتصادية: تعانى تركيا من أوضاع اقتصادية متدهورة نسبيا من حيث تراجع معدلات النمو وارتفاع مستوى التضخم وتهاوى سعر صرف العملة الوطنية وتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة وانخفاض عائدات السياحة وتصاعد مستويات البطالة.

وفي هذا السياق ركز حزب العدالة في حملته الانتخابية على التأكيد على قدرته على إعادة تأهيل الاقتصاد التركي لكي يرتفع مستوى دخل الفرد إلى نحو 25 ألف دولار وزيادة الصادرات من 143 مليار دولار إلى نحو 500 مليار دولار، والناتج القومي الإجمالي من 800 مليار دولار إلى نحو 2 تريليون دولار.

ورغم أن المؤشرات الاقتصادية ومساراتها المستقبلية تؤكد استحالة ذلك عمليا، ولكن هذه الوعود أفضت إلى التصويت للحزب انطلاقا من عاملين أحدهما الحفاظ على الوضع القائم، والثاني الطموح في تحقيق قدر ولو نسبي من "وعود العدالة" لتحسين مستويات المعيشة لدى القطاعات العريضة من الشعب التركي. ثامنا- البرجوازية الاقتصادية الجديدة: يعبر حزب العدالة عن توليفة عريضة تجمع فقراء المواطنين والنخب الاقتصادية والبرجوازية التي راكمت أموالها وتضاعفت استثماراتها وراكمت ثرواتها في ظل حكم حزب العدالة، ففي ظل غياب دولة القانون الحقيقية يمكن أن تصبح هذه الاستثمارات والثروات في مهب الريح، لذلك تطوعت العديد من القوى الاقتصادية بعقد مؤتمرات وحملات انتخابية ضخمة لمساندة الحزب الحاكم في تركيا. تاسعا- دور أردوغان في الانتخابات: على الرغم من أن جزءا رئيسيا من انهيار العديد من الأحزاب التاريخية وتراجع حظوظها الانتخابية في تركيا ارتبط بخروج زعاماتها التاريخية منها، غير أن حزب العدالة يشكل الحالة المعاكسة لجهة أن خروج أردوغان من الحزب لم يرتبط برفع يده عن إدارة شئونه.

وعلى الرغم من أن هذا العامل ظل موجودا في انتخابات السابع من يونيو، إلا أن تصريحات أردوغان قبل الانتخابات الأخيرة جعلت منه وكأنه ضحية "مؤامرة" داخلية وخارجية تستهدف إنهاء مشروعه الذي يستهدف نهضة تركيا والحفاظ على هويتها، وهو ما ساهم في تصاعد درجة التعاطف معه، والتغاضي عن قصد عن ملفات الفساد وانتهاك حقوق الأقليات والحريات الإعلامية والصحفية. عاشرا- الشراء "المقنن للأصوات": أشارت العديد من التقارير الإعلامية والصحفية أن الحزب الحاكم في تركيا استطاع من خلال جمعيات ومنظمات تابعة له تقديم مساعدات ضخمة إلى المواطنين قبيل الانتخابات مباشرة تمثلت في تقديم إعانات مادية ومساعدات عينية خاصة بتجهيز المنازل وتوفير الفحم للمواطنين مع حلول فصل الشتاء، فضلا عن توفير مواد غذائية مختلفة.

ويوجد في تركيا نحو 973 مؤسسة للتضامن والمساعدات الاجتماعية، ويؤسس ممثلو 9 آلاف جمعية اتصالات مباشرة مع الشعب.

وتنقل هذه المؤسسات المساعدات للمحتاجين مرتين في العام. مسارات ما بعد الانتخابات على الرغم من أن انتخابات الأول من نوفمبر منحت حزب العدالة والتنمية سلطة تشكيل الحكومة منفردا، غير أنها لم تتح له في الوقت نفسه الصلاحية والقدرة على الشروع السريع في تغيير أو تعديل الدستور التركي، بما يستجيب لطموح الرئيس التركي الذي يسعى إلى الإمساك بصلاحيات تنفيذية كاملة يستطيع من خلالها اختيار رئيس الوزراء والمجموعة الوزارية بكاملها، على غرار النموذج الروسي، ومع ذلك فإن تعديل الدستور التركي المرجو من الحزب الحاكم وقياداته سيتطلب قدرة على التوافق مع أحد الأحزاب الموجودة داخل البرلمان من أجل تمرير ذلك عبر استفتاء شعبي.

وبينما ينظر البعض إلى أن مسألة تغيير النظام السياسي التركي باعتبارها القضية المركزية على الساحة التركية خلال المرحلة المقبلة، غير أن واقع الأمر يشير إلى أن محاولة حزب العدالة السيطرة على كافة مؤسسات الدولة والتنكيل المتواصل بوسائل الإعلام والصحفيين والمعارضة والقضاة ورجال الأمن، تعد هي بالأساس القضية الرئيسية التي ستحدد مسار التفاعلات السياسية في تركيا، ذلك أن من شأن الاستمرار في انتهاج هذه السياسات أن يسفر عن إغلاق كل منافذ القدرة على التعبير عن الرأي، وربما يحول ما يبدو في ظاهره عنصر استقرار إلى عنصر محفز من حيث الجوهر على عدم الاستقرار والتوتر المجتمعي، خصوصا مع ارتفاع منسوب الاستقطاب الاجتماعي على أسس أيديولوجية وعرقية وطائفية.

وعلى صعيد الساحة الخارجية يبدو حزب العدالة وقد بات يمتلك القدر على الحركة بثقة أكبر بعد الانتخابات، وهو أمر قد يفضى إلى مزيد من التورط في صراعات المنطقة العربية، وهو ما قد يشكل عنصر عدم استقرار للإقليم وكذلك لتركيا.