متابعات تحليلية

هل تُجدّد إصلاحات العبادي الثقة بالدولة الوطنية في العراق؟

د. معتز سلامة 1212 21-9-2015
طباعة
21/9/2015 لا تعد القرارات التي أصدرها رئيس الوزراء العراقي حيدي العبادي، في أغسطس 2015، سوى مجرد حلقة في سلسلة المواجهة التي ينبغي خوضها مع الفساد في عراق ما بعد الغزو الأمريكي 2003.

فلقد أصدر العبادي قرارات تتضمن تقليصا شاملا في أعداد الحمايات للمسؤولين في الدولة بما فيهم الرئاسات الثلاث والوزراء والنواب والدرجات الخاصة والمدراء العامين والمحافظين وأعضاء مجالس المحافظات ومن بدرجاتهم، كما ألغى المخصصات الاستثنائية لكل الرئاسات والهيئات ومؤسسات الدولة والمتقاعدين، وقرر إبعاد المناصب العليا عن المحاصصة الحزبية والطائفية على أن يجري اختيار المرشحين لها على ضوء معايير الكفاءة والنزاهة، مع تقليص الوزارات والهيئات، كما ألغى مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، وقرر فتح ملفات الفساد السابقة والحالية تحت إشراف لجنة عليا لمكافحة الفساد. كان لافتا تأييد المرجعية الدينية العليا علي السيستاني لقرارات رئيس الوزراء، ودعوتها له لأن يكون أكثر جرأة في مواجهة الفساد، وأن يشير علنا الى السياسيين الذين يقفون في طريق الاصلاحات، بل طالب السيستاني العبادي بتسريع وتيرة الإصلاحات ومحاربة الفساد بلا هوادة وحذر من خطر «تقسيم» العراق ما لم تمض حكومته في تنفيذ «إصلاح حقيقي»، وطالبه بأن يضع القوى السياسية أمام مسؤوليتها وأن يسمّي من يعرقل مسيرة الاصلاح أيا كان وفي أي موقع.

ولقد ظلت المرجعية طويلا تدعو سلفه المالكي لمحاربة الفساد..

دون استجابة تذكر.

ويصعب التنبؤ بمضي الإصلاحات التي أحدثها رئيس الوزراء العراقي إلى آخر الطريق، لأسباب عديدة، فالفساد في العراق لم يعد فرديا أو شخصيا، ولم يعد يتعلق بقطاع أو وزارة، أو بمستوى من العاملين، وإنما فساد مؤسسي مقنن ومنهجي، مرتبط ببنية الدولة ونخبة الحكم الجديدة في عراق ما بعد 2003، وهو الذي لم يعد بعد لحالته كدولة طبيعية.

ويشير إلى ذلك أنه من بين 177 دولة تضمنها تقرير الفساد العالمي في 2014 أتى العراق في قاع الدول الأكثر فسادا في العالم وفي الترتيب 170. ولقد حدد أحد الكتاب العراقيين في سبتمبر 2012 إرث الفساد في بلاده، بالقول بأنه بات القاعدة وليس الاستثناء، وهو يُمارس لذاته وكسلاح في الحرب المحتدمة على الحكم، ويقاس بالمليارات وليس بالمفرد، ومن فعل كبار المسؤولين والساسة ونواب الشعب، وهو ليس من جراء إساءة استعمال السلطة للحصول على مزايا شخصية إنما من خلال توظيف السلطة لممارسة الفساد وتوظيف الفساد لبلوغ السلطة، واعتبر أن الفساد السياسي هو أبو الفسادات جميعا في العراق، وهو اختصاص حصري للطبقة السياسية المتنفذة لأنها المحتكر الوحيد لهذا النوع من النشاط وليس أولئك المغمورون في الجهاز الحكومي، "ولم يعد الفساد في العراق مخجلاً بل بات يشرعن ويقنن ومن يمارسونه لا يرمش لهم طرفٌ حياءً".

وإذا كان هذا هو توصيف الفساد في العراق عام 2012 فمن المرجح أنه أصبح وضعا لا يطاق مع ثلاث سنوات أخرى من حكم نوري المالكي.

وفي نوفمبر 2014 أكد رئيس هيئة النزاهة العراقية سابقا موسى فرج، أن الساسة والنخبة هم سبب رئيس للفساد، وأنهم اختزلوا الشعب بالمكونات والمكوّن بالأحزاب والحزب بالمقربين والمقربين بالبطانة.

وأكد أن الفساد في العراق فاق كل دول العالم من حيث سعة التفشي وضخامة القضايا وحجم الضرر، وأنه كان في مقدمة الأسباب التي أفضت إلى سقوط ثلث العراق بيد داعش، بسبب اختيار وتعيين قادة الجيش والشرطة، الذي تم على أساس الولاء الشخصي والحزبي للحاكم وبطانته ومن دون اعتماد أسس الكفاءة والاستقامة، إلى جانب أن الوقائع أثبتت بأن أكثر من ثلثي أعداد الجنود والشرطة يقعون ضمن المصطلح العراقي الدارج (الفضائيون)، والذي يعني وجود تلك العناصر ضمن كشوفات الملاك والرواتب، في حين أنهم في بيوتهم، وأنه في حين أن موازنة العراق السنوية تتجاوز حجوم موازنات 5 من دول الجوار، فإن نسبة تنفيذ المشاريع خلال السنوات السابقة لم تتجاوز 40%، وخزينة الحكومة مفلسة إلا من 3 مليارات دولار، وأشار إلى أن 40 %من الغذاء المستورد مسمّم، وأكد أن البطانة المحيطة برئيس الوزراء السابق نوري المالكي والأمانة العامة لمجلس الوزراء هي بؤرة الفساد في الحكومة العراقية.

والقى القاضي رحيم العكيلي رئيس (ثاني سابق) هيئة النزاهة المزيد من الضوء على ظاهرة الفساد، فأشار إلى أن العراق لم يشهد في تاريخه حكومة فاسدة كتلك التي مرت في الأربع سنوات الأخيرة (حكومة المالكي)، حيث ضاعت مليارات في عهدتها، وبلغ حجم إنفاقها خارج الموازنة 70 مليار دولار.

وبينما قدر البعض حجم خسارة العراق من الفساد والاختلاس والصفقات السرية بـ 250 مليار دولار فقد قدرها البعض الآخر بنحو 380 مليارا.

ولم يقتصر الفساد على المسؤولين والنخبة السياسية، وإنما طال أيضا مختلف أوجه الحياة في الدولة والمؤسسات الحكومية والبيروقراطية من المستويات الأدنى والأعلى، وشمل مختلف التعاقدات التي وقعتها الحكومة في الداخل ومع الخارج، كما تركز في مؤسسات الجيش والأمن، ولم ينج من ذلك حتى السفارات العراقية في الخارج أو شركات المقاولات والشركات الأمنية الخاصة التي ازدهرت مع الاحتلال الأمريكي والتي نهبت الكثير من ثروات العراق، بعد أن انتشرت كالسرطان في الدولة.

ولم يكن الإعلان عن قضايا فساد اداري ومالي وأخلاقي في القنصلية العراقية في سيدني بأستراليا والتي ذهب إليها وكيل وزارة الخارجية خصيصا للتحقيق فيها، إلا نموذجا على وصول الفساد إلى الهيئات الممثلة للعراق ما وراء البحار.

مع كل ذلك، هناك فرصة أمام العبادي لاستكمال الإصلاحات، رغم أن المهمة صعبة وممتدة بقدر امتداد السياسات الفاسدة لسنوات طويلة في ممارسات النخبة والمؤسسات، وتسربها إلى عمق بنية الدولة لسنوات طويلة، ومما يعيق الإصلاح أن الفساد أصبح مؤسسيا ومركبا على تركيبة وبنية دولة ما بعد الغزو، وأنه دستوري ومقنن.

ومع ذلك فمن المؤشرات الإيجابية ما رصده الكاتب السوري رستم محمود الذي أشار في مقاله المعنون (العصبية السياسية «الشيعية» حين تشهد أفولها في العراق) إلى أن التظاهرات الشعبية التي خرجت ضد الفساد خرجت من الأقاليم ذات الأغلبية الشيعية، وحيث تسيطر الأحزاب السياسية الثلاثة (حزب الدعوة، التيار الصدري والمجلس الأعلى) والتي كانت المرجعيات الشيعية تعمل على الدوام كبوصلة ومؤسسة عليا لتوحيد قراراتها وتحديد توجهاتها السياسية الكبرى، وحيثما كانت التظاهرات تعبيراً مباشراً عن امتعاض شعبي متعاظم تجاه "نُخب" هذه الأحزاب، فالاحتجاجات لم تجر في المناطق الغربية/ السُنية أو في كردستان وهي المناطق التي كيفت أو حسمت أوضاعها بالابتعاد عن الدولة، سلما (كردستان)، أو حربا (داعش في مناطق السنة).

وتشير احتجاجات الشيعة إلى تشكل أرضيات توافق سياسي تتجاوز المذهبية، وتؤكد على وحدة الهموم بين الشيعة والسنة والأكراد ما يعيق العبادي ضعف البدائل والخيارات أمامه؛ فالعراق ليس في الظرف المناسب لعقد انتخابات برلمانية جديدة، كما أنه ليس في الظرف المواتي لتغيير الدستور، وهناك طائفة من المشكلات الوطنية التي تتعلق بمستقبل الدولة.

وعلى جانب آخر فإن إصلاحاته مرتبطة بمدى تجاوب باقي المؤسسات معه من برلمان ووزارات وجيش وداخلية، وهي أمور مشكوك فيها بسبب تضارب المصالح والفساد الضارب في أعماقها.

ومن ثم يظل مستقبل ومدى إصلاحاته متوقفين على حال الدولة العراقية إجمالا، ومدى قدرتها على استنهاض طاقاتها ليس فقط ضد الفساد، وإنما ضد الطائفية والمناطقية والفقر واختلال العدالة والتركيبة السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتقاطعة مع الطائفية والمناطقية، والتخلص من إرث احتلالين، أمريكي زال ولازالت جذوره باقية، وإيراني لازال موجودا وقائما ويعمل على الأرض، مع محاربة الاتجاه إلى التفكيك والتجزئة بين مناطق الدولة.

وهناك فرصة لاستكمال إصلاحات العبادي، خصوصا مع التأييد المطلق والحاسم لها من قبل المرجعية الدينية، ومع التأييد والمراجعة الكبرى التي يشهدها الوسط الشيعي، ولكن يبقى الخطر الأهم هو مستقبل الدولة العراقية التي عرفناها بحدودها.

فبعد 12 سنة من التجريف الداخلي، لم يعد الإصلاح ومحاربة الفساد هو السبيل لاستعادة المناطق السنية أو استعادة الثقة في الدولة العراقية، وإنما يتطلب ذلك سياسات للاسترضاء الاجتماعي الوطني، وإعادة التفكير بشأن الدستور ونظام الحكم والمحاصصة الطائفية، واستعادة الدولة لهيبتها، وتبني سياسات على أرض الواقع تتجاوز آلام ومرارات السنّة التي تراكمت في السنوات الماضية بما يجعلهم يجددون الثقة بالدولة الوطنية وليس بدولة الخلافة، وتحدث اختراقا مؤيدا في الوسط الشيعي وتجعل الأغلبية تحتضن الأقلية، وتحد من التطلع الكردي لتحقيق الحلم والنجاة بدولة مستقلة بعد انهيار الثقة بالدولة الأم.
طباعة