متابعات تحليلية

القاهرة بين موسكو وشرق آسيا: نجاحات ومعوقات

كرم سعيد 12-9-2015
طباعة
12/09/2015 وسط متغيرات دولية وإقليمية تشهد السياسة الخارجية المصرية تغيرات عميقة وجذرية، وربما كانت أحدث خطوة دالة على هذا التغيير وعمقه الزيارة التي قام بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لموسكو وسنغافورة والصين وإندونسيا والتي بدأت يوم 25 أغسطس الماضي.

وبالرغم من تركيز الزيارة على ملفات عدة، إلا أن التنمية الاقتصادية و"مكافحة الإرهاب" كانت هي العناوين الأبرز للجولة. وإلى جانب التطور الحادث في العلاقات المصرية الروسية منذ يونيو 2013، فثمة تطور واضح للعلاقة مع دول شرق آسيا، ومجموعة الآسيان التي تضم 10 دول من بينها اندونيسيا وسنغافورة، وتعد من بين أهم التجمعات الاقتصادية على مستوى العالم.

نتائج متعددة رغم أن زيارة السيسي لموسكو وبعض دول شرق آسيا لم تكن هي الأولي من نوعها، فقد حملت الجولة الأخيرة أهمية خاصة، بالنظر إلى تعاظم تطور العلاقات والعسكرية. موسكو: تصاعد التطور انتهت زيارة السيسي لموسكو بتوقيع سلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية، إذ تم الاتفاق على اتخاذ الخطوات التنفيذية لإنشاء منطقة صناعية روسية بمنطقة قناة السويس إضافة إلى التعاون في مجال البحث العلمي والنووي، إذ تم الاتفاق على تدشين مفاعلين نوويين بتكنولوجيا روسية.

حيث تعتبر روسيا القاهرة "شريكاً استراتيجياً".

كما حظيت العلاقات العسكرية بنصيب وافر من النقاشات الرئاسية بين بوتين والسيسي، خاصة أن القاهرة تتطلع إلى إعادة تحديث نظمها التسليحية عبر تنويع مصادرها.

وكان التعاون العسكري بين موسكو والقاهرة قد وصل الذروة، مع تدشين المناورات البحرية المشتركة التي جرت بين البلدين تحت عنوان "جسر الصداقة" في الفترة من 6-14 يونيو 2015، كما شاركت بعض القطع البحرية الروسية في افتتاح القناة. في المقابل ربما كانت النتيجة الأبرز للقاء السيسي- بوتين هي قطع شوط معتبر على صعيد التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب، ففي الوقت الذي يبدى فيه الغرب فتوراً في التعامل مع الجماعات الراديكالية في منطقة الشرق الأوسط، توافقت القاهرة وموسكو على تشكيل جبهة إقليمية واسعة لمكافحة الإرهاب. الصين: الاستفادة من الاستثمارات تسعى القاهرة إلى الاستفادة من الاستثمارات الصينية في المشاريع المصرية، والتي تصل إلى نحو 480 مليون دولار.

ولذلك سعى الرئيس المصري إلى تعزيز الجانب الاقتصادي مع الصين، وهو ما كشفت عنه الاتفاقية الموقعة بين بنك التنمية الصيني والبنك الأهلي المصري والتي يتم بموجبها تقديم قرض بقيمة 100 مليون دولار لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

كما تم توقيع أول مذكرة تفاهم حول العاصمة الإدارية الجديدة، مع الشركة الصينية العامة للهندسة الإنشائية، التي يتوقع أن تقوم بإنشاء جزء من المرحلة الأولى من العاصمة الجديدة بتمويل مصرفي صيني.

تم أيضا تنشيط التعاقد على بعض مشروعات البنية التحتية التي ستقوم بها الصين، وفي الصدارة منها طريق الحرير الجديد، والذي رصدت له بكين نحو 40 مليار دولار.

وعلى صعيد مكافحة الإرهاب، فقد دعمت بكين خيارات القاهرة في مكافحة العنف وأكدت مساندتها القوية لمصر في مواجهة أعمال العنف والتطرف.

في سياق متصل حققت زيارة الصين نتائجها فيما يخص الجوانب السياسية والتفاعلات الإقليمية والدولية، خصوصاً الوضع الملتهب في سوريا، فثمة اتفاق مصري - صيني على أهمية الحل السياسي على أساس مقررات جنيف 1 فضلا عن ضرورة تهدئة الأوضاع في العراق وليبيا واليمن إضافة إلى الأوضاع في الأراضي الفلسطينية. سنغافورة واندونسيا: جلب الخبرة إذا كانت زيارة موسكو وبكين حققت جدواها الاقتصادية، فقد جاءت محطة سنغافورة وإندونيسيا بدورهما لتكون علامة فارقة، إذ تم التوقيع على مذكرة تفاهم بين هيئة قناة السويس، وشركة "هاى فلوكس" لإعداد الدراسات لإنشاء محطة تحليه بالعين السخنة بجوار الاستفادة من الخبرة السنغافورية في إقامة وإدارة الموانئ. في المقابل وقعت القاهرة نحو 15 اتفاقية اقتصادية مع جاكرتا فضلا عن تفاهم مشترك حول ضرورة مكافحة الإرهاب، كما تم توقيع مذكرتا تفاهم بين البلدين للتدريب الدبلوماسي والإعفاء من التأشيرات.

مكاسب منقوصة على رغم من أن جولة السيسي لموسكو ودول شرق آسيا كشفت عن وجود ما يقرب من التطابق في الرؤى إزاء قضايا المنطقة فضلاً عن قطع شوط معتبر على صعيد التعاون الاقتصادي والعسكري إلا أن ثمة معوقات ما زالت تقف حجر عثرة أمام انطلاق العلاقات المصرية مع هذه الدول منها: ضعف حجم التبادل التجاري بين القاهرة وموسكو.

صحيح أن هذا التبادل شهد طفرة نوعية في العام 2014 ليصل إلى نحو 5.5 مليار دولار مقارنة بنحو 2.9 مليار دولار فقط في عام 2013، إلا أنه ما زال يقل كثيرا عن الإمكانيات الكامنة لدى البلدين.

في المقابل يظل التبادل التجاري مع دول شرق آسيا هو الآخر عند حده الأدنى، إذ كشفت دراسة لقطاع التجارة الخارجية بوزارة الصناعة والتجارة أن حجم التبادل التجاري بين مصر وتجمع دول الآسيان لا يزال أقل بكثير، حيث سجلت الصادرات المصرية للدول العشر أعضاء الآسيان نحو 282 مليون دولار، أي أقل من 1% من حجم الواردات المصرية منها. ويرتبط السبب الثاني بعدم وجود خطوط ملاحية مباشرة منتظمة بين الموانئ المصرية وبعض هذه الدول إلى جانب وجود حواجز جمركية عالية من بينها نظام حصص الاستيراد وقيود على بعض الصادرات فضلا عن اشتراطات بعضها مواصفات فنية ومتطلبات بيئية ومعايير صحية خاصة. في المقابل ثمة غياب مصري عن هذه الأسواق، واحتياجاتها من السلع والبضائع المختلفة، ويكشف عن ذلك ضعف اللقاءات الدورية وغياب اللجان العليا المشتركة مع هذه الدول التي يمكن أن تساهم في الترويج للفرص الاستثمارية في مصر بين رجال الأعمال في دول الآسيان. وبالرغم من أن تجمع الآسيان من الأسواق الساخنة في العالم بالنظر إلى ارتفاع مستويات المعيشة في دولها إلا أن الفرص المصرية فيها ما زالت عند حدها الأدنى، وما زالت جهود جمعية مصر آسيان لرجال الأعمال محدودة. خلف ما سبق أدى الاحتقان السياسي في مصر، وتنامي معدلات العنف من جهة وانخفاض سعر العملة الروسية من جهة أخرى إلى تراجع السياحة الروسية إلى مصر بنسبة قدرها 55%، وبات يتوقع وصول عدد السائحين الروس بنهاية العام 2015 إلى نحو 400 ألف شخص. ومنعت الحكومة الروسية طوال الشهور التي خلت جميع الموظفين البالغ عددهم 6 ملايين موظفا من السفر إلى 150 دولة بينها مصر وتركيا، بعد انخفاض سعر صرف العملة الروسية مقابل الدولار، وفرض الدول الأوروبية حظرا على روسيا. ويعود السبب الرابع إلى تباطؤ معدلات النمو العالمي، والتي تجلت مظاهره في سوء الأوضاع المالية في اليونان.

كما أضحت الأزمة الاقتصادية العالمية أكثر ارتباكاً مع إرهاصات أزمة اقتصادية ظهرت في الصين التي تملك ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتجلت مؤشراتها في الهبوط الكبير مؤخرا في أسعار أسهم بورصة شنغهاي ناهيك عن وجود "فقاعة" اقتصادية في القطاع العقاري وغيره من القطاعات، وتغذي أزمة قروض وائتمان هذه الفقاعات. ويرجع السبب الخامس إلى اختلال الميزان التجاري بين القاهرة وعواصم هذه الدول، فعلى سبيل المثال بلغ حجم التبادل التجاري بين القاهرة وموسكو في العام 2014 إلى 5.48 مليار دولار منها 540 مليون دولار صادرات مصرية مقابل نحو 4.9 مليار دولار واردات، وبالتالي يسجل الميزان التجاري المصري عجزاً كبيرا لصالح روسيا.

في المقابل لم يكن الحال أفضل مع الصين، فقد وصل حجم التبادل التجاري بين مصر والصين خلال الربع الأول من عام 2015 حوالي 3 مليارات دولار بنسبة زيادة قدرها 21.3 % مقارنة بنفس الفترة من عام 2014.

وبلغت قيمة العجز التجاري حوالي 2.4 مليار دولار في الربع الأول من العام 2015 لصالح الصين. فرص ممكنة بالرغم من المعوقات التي تقف حجر عثرة أمام تصاعد العلاقات الاقتصادية والتجارية بين القاهرة وموسكو ودول شرق آسيا، فثمة فرص ممكنة لدعم وتطوير العلاقة مع هذه العواصم، وبخاصة في الجانب الاقتصادي والتعاون النووي التي مثلت أولويات مطلقة في جولة السيسي. في المقابل فثمة فرص كبيرة لنمو صادرات مصر لتجمع دول الآسيان، خاصة بقطاعات الكيماويات والأسمدة والحاصلات الزراعية إلى جانب بعض الصناعات الغذائية والسجاد والجلود والمنتجات المعدنية والغاز المسال. كما يشكل العنف الذي يقض مضاجع بعض هذه الدول، وتصاعد التيارات الراديكالية في مناطق نفوذها الاقتصادي أرضية مشتركة يمكن أن تجمع القاهرة معها، ولعل التوافق بين السيسي ورؤساء هذه الدول على مكافحة الإرهاب يبقى دليلاً على إمكانية التنسيق وتوسيع فرص التشاور السياسي إزاء العديد من القضايا السياسية والتنموية. وعلى رغم أن العلاقات بين القاهرة من جهة وروسيا ودول شرق آسيا من جهة ثانية شهدت خلال العقود الماضية تعـاوناً وانكساراً، إلا أن المرحلة الحالية تقدم نموذجاً مختلفاً، يتمثل بتطور التعاون السياسي والعسكري، وتعكس مسيرة السياسة الخارجية المصرية للقاهرة هذا التوجه. في سياق متصل فأن ما يجمع القاهرة بهذه العواصم أكبر مما يفرقهما، فهي تواجه تحديات دولية وداخلية متشابهة فضلا عن طموحات بعضها في تعزيز حضورها دوليا بعد سنوات من التراجع، ففي الوقت الذي تسعي فيه موسكو وبكين إلى تعزيز حضورهما الدولي تسعى القاهرة إلى بناء سياسة خارجية جديدة عبر علاقات دولية متوازنة وندية، ولعل ذلك ما دفع القاهرة إلى مد جسور التواصل وبناء روابط تجارية وعسكرية وسياسية مع موسكو ودول شرق آسيا.
طباعة